كلمة في التعدد
عدد القراءات : 30

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن أصول الاعتقاد عند كل مؤمن أن الله تعالى لا يشرع شيئاً إلا لحكمة، ولا ينهى عنه إلا لحكمة، ومن جملة ما شرعه العليم الحكيم التعدد في الزواج، والذي نظمت الشريعة الإسلامية أمره، وحتى لا يتشعب الحديث بنا في هذه القضية، فإني ألخص ما أريد قوله في الآتي:

أولاً: الشرع الحكيم أباح التعدد، وكثير من العلماء يرى أنه مسنون، لكن بشروط وضوابط، يجمعها القدرة على القيام بواجبات التعدد، وأهمها:

1 ـ العدل بين الزوجات.

2 ـ القدرة على الوفاء بحقوقهن الواجبة من حيث النفقة، وحسن إدارة البيت الجديد.

ومما يدخل تحت القدرة: القدرة على إدارة البيت نفسياً، فإن من الناس من لا يستطيع ذلك، لكون شخصاً عاطفياً، لا يستطيع التحكم بمشاعره، وربما سبب له ذلك الحيف بين الزوجات.

وهذان المعنيان -أعني العدل، والقدرة- يجمعهما قول الله تعالى: يقول تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) وقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

ثانياً: إذا كان العدل هو أعظم قواعد التعدد، فقد حرّم الشرع الحيف والظلم بين الزوجات فيما يقدر عليه الإنسان من حيث المبيت، والنفقة، قال تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) وقال سبحانه: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ).

وقد روى أبو داود غيره حديثاً -تنازع العلماء في تصحيحه- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كانت له امرأتان فمال إلا إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)) صححه ابن حبان، وابن حجر.

ومن رحمة الله بعباده أنْ أباح لهم ما قد يقع من ميل في القلب إلى إحدى الزوجات، إذْ ميل القلب والحبُّ أمرٌ لا يملك الإنسان التحكم فيه، وهذا معنى قول الله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

فقوله سبحانه: (فلا تميلوا كل الميل) دليل على إباحة بعض الميل، وهو ميل القلب، وهو معنى ما جاء في الحديث الذي وإن تنازع العلماء في ثبوته إلا أن معناه صحيح، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم هذا قسْمي في أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)) يعني: ميل القلب.

ثالثاً: التعدد كان موجوداً في الجاهلية، ولكنه -كحال كثير من العادات الجاهلية في هذا الباب- لم يكن منظماً بل من شاء عدّد بما شاء عدّد بما شاء، من غير مراعاةٍ لعدد، ولا لحقوق، فجاء الإسلام -دين الفطرة-، فأقرَّ التعدد؛ لموافقته للفطرة السليمة، ونظّمه، وحدّ حدوده، وبين ما لكلٍّ من الزوجين من حقوق وواجبات، ليتحقق ميزان العدل بين الجميع.

رابعاً: لا يستريب عاقلٌ منصف، فضلاً عن مسلم بأن التعدد -من حيث أصل تشريعه- هو عين الحكمة، فهو حلٌّ لكثير من المشاكل التي تعترض الحياة الزوجية، والتي قد تؤول في كثير من الأحيان إلى الطلاق بدلاً من تخفيفها بالتعدد.

وكثير من الناس يظن أن التعدد هو في صالح الرجل أكثر منه في صالح المرأة، وهذه نظرة قاصرة، بل لهما جميعاً، يوضح ذلك:

1 ـ عندما يكون الرجل قويّ الباءة، ولا تكفيه امرأة واحدة، ففي التعدد حلٌّ لهذا الأمر.

2 ـ بعض النساء يعرض لها عوارض تمنع من كمال الاستمتاع، ومن أجلى صور ذلك: العقم، أو المرض، أو العجز عن القيام بحقوق الزوج، أو عند ضعف الحب والمودة فبقاؤها -في الحالات السابقة- مع زوج خير من أن تبقى بدونه، وبقاؤها عالةً على أحد، حتى ولو كان أباها، فضلاً عمن هو أبعد منه نسباً.

3 ـ في بعض المجتمعات تزيد نسبة النساء عن نسبة الرجال، إما بسبب الحروب، أو لغيرها من الأسباب،  فإنه لا يوجد حل لمشكلة ذلك المجتمع وحفظه من براثن الفساد والفتن سوى التعدد.

4 ـ التعدد من أعظم أسباب حلّ مشكلة العنوسة التي باتت خطراً، وكابوساً يهدد غالب البيوت.

5 ـ الأرامل والمطلقات في الغالب لا يرغب فيهن الشاب الذي يتزوج لأول مرة، فمن لهؤلاء النسوة ؟! أليس من حقهن أن يمارسن ويعشن حياتهن كغيرهن من النساء؟! وهل غير التعدد يكفي للقضاء على هذه المشكلة؟! إلى غير ذلك من المصالح الشرعية والاجتماعية والنفسية.

خامساً: لقد كشف الواقع المشاهد، وما يصلني شخصياً، ويصل غيري من طلبة العلم أن ثمة خللاً كبيراً، وتقصيراً كبيراً في تطبيق الأحكام الشرعية في هذه المسألة من قبل الرجال بشكل أخص، مما ترتب عليه مفاسد عظيمة، من أهمها:

1 ـ تشويه صورة هذه الشعيرة التي أباحها الإسلام أمام أعداء الإسلام، الذين جعلوا من جملة طعونهم فيه هو هذه المسألة، ولو أن أهل الإسلام طبقوا شرع الله فيها؛ لكانت أبلغ ردّ على كل مشكك في المصالح العظيمة المترتبة على هذه الشعيرة.

وإن كنا لا ننتظر من الأعداء إلا مثل هذا، لكن يسوؤنا –والله- أن يجد الأعداء ما يبررون به كلامهم، فيغررون السذج، أو من في قلوبهم مرضٌ بأن التعدد ظلم للمرأة، وسحق لكرامتها،... الخ تلك الدعاوى الفجّة.

2 ـ تشويه سمعة هذه الشعيرة أمام النساء، واللاتي يكفيهن ما فطرهن الله عليه من بغض الضرات، ولكنني متأكد أن من أعظم أسباب نفرة كثير من الفتيات عنه هو هذا الواقع المؤلم.

3 ـ أن وجود هذه الصور الكثيرة من الخلل في هذه المسألة جعل من قضية التعدد مادة دسمة للإعلام الذي يحب الإثارة ولو كانت على حساب الشريعة، أو ثوابت الدين وقيمه.

وكم هي المسلسلات، والأفلام التي نفّرت من هذه الشعيرة -والعياذ بالله- وصورّتها بصور بشعة لتزرع -في النهاية- في حس المرأة شعوراً بأن التعدد حكمٌ شُرع عليها لا لها؛ وذلك من خلال التركيز المستمر على المشاكل والآثار الاجتماعية السيئة للتعدد، بدءاً بقصص النزاع بين الزوجات وضرائرهنّ وأزواجهنّ، وانتهاءاً بحالات الضياع والحرمان التي  يتعرض لها أبناء الأزواج المعدِّدين والذين ينشؤون بين عواصف مهيبة من الشقاء العائلي!

ومن المؤكد أن طرح هذه القضية إعلامياً لم يكن الهدف منه -في أغلب الأحيان- هو احتواء المشكلة، والبحث عن الحلول الناجعة، بل الهدف -في الأعم الأغلب- هو إقصاء الحكم الشرعي كله، وإظهار عدم تناسبه وتواؤمه مع روح العصر ومعطياته -كما يزعمون-!

كل ذلك من أجل أن يبعثوا رسالة لكل امرأة تقول –بمضمونها-: من أرادت التعاسة فعليها بالتعدد! ومن أرادت أن تقضي على حياتها فلتقبل بالتعدد؟! عياذاً بالله من الجرأة على شريعة الله.

وفي المقابل ترى بعض وسائل الإعلام تمارس نوعاً من التضليل، بل والتنصل من الشريعة، والتمرد عليها حينما تحسن صور أولئك الذين يشبعون رغباتهم بطرق محرمة، بالصداقة تارة، وبالتحايل تارةً أخرى؛ أما عن نتائج هذه الممارسات، فيمكن أن تسأل دور الأيتام والرعاية الاجتماعية، والذين يسمون -في أحيان كثيرة- زوراً: أيتاماً، وهم ضحايا هذا الفجور، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أقول ذلك وأنا أعتصر ألماً مما أراه وأسمعه من آثار التشويه العملي لهذه الشعيرة، والتفريط الكبير والكثير من قبل أولئك المعددين، الذين فرّطوا في مراعاة حقوق هذه الشعيرة، وصارت زوجاتهم، وأولادهم ضحايا لإهمالهم، وتفريطهم في مآسٍ وقصص يندى لها جبين المسلم، وهذا ما يدعوني للتأكيد على طرفي التعدد الرجل والمرأة:

أما الرجال -الذين عدّدوا أو يرغبون فيه- فأوصيهم وأقول:

اتقوا الله في أنفسكم، فإما زواج على وفق الشريعة، وإلا فالسلامة لا يعدلها شيء، واتقوا الله في دينكم، لا تشوّهوا صورته بظلمكم، واتقوا الله في النساء، وعاشروهن بالمعروف، وأعطوهن حقوقهن، فإنهن عوان عندكم، واعلموا أن كون النساء -في الغالب- لا يستطعن المطالبة بحقوقهن، إما لحياء، أو خوفاً من الفضيحة، فتذكروا أن لهن يوماً يقتصصن فيه منكم، عند من لا تضيع عنده مظلمةٌ لأحد، وسترون ما عملتم في كتابٍ يحصي عليكم أعمالك، ذلك الكتاب: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) وهناك لن ينفع الندم.

وليعلم إخواني أن حقوق الخلق -مهما دقّت- لا بد من تسويتها، إما في الدنيا أو في الآخرة، وتسويتها في الدنيا أهون من الآخرة، حين تكون الحسنة خير من الدنيا وما عليها.

وليتذكروا جيداً أن من بركات العدل المعجلة -في الدنيا قبل الآخرة- ما يقذفه الله في قلوب أبناء الزوجات من تقارب وتراحم، بدلاً من التقاطع والتدابر الذي هو من أعظم آثار الظلم والحيف بين الزوجات.

وأما أخواتي من النساء اللاتي قبلن بالتعدد، فأقول لهن:

اتقين الله تعالى في أزواجكن، ولا تكلفوا أزواجكم ما لا يطيقون، وكن عوناً لأزواجكن على تحقيق العدل بينكن، وبين أولادكن، بدلاً من التنافر الذي ستكون ثمرته علقماً عندما يكبر أولادكن -ويموت والدهم-، فهل يسركن أن يكونوا إخوة متحابين، أم أعداء متنافرين، شماتةً للحاسدين، وإحزاناً للمحبين؟!

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة