بين الخلاف والدين الجامع
عدد القراءات : 85

بين القديم والحديث مِن أحوالِ الصِّراعِ الفكري في الإسلام ارتِبَاطٌ في طَبيعَةِ مَنشَأ هذا الصِّراع، وطَبيعَةِ إدارته، وطبيعة نتائجه على مسار الأمة. فإنَّ مِن طَبيعَةِ العَقلِ البشري الاختلاف والتنوع لا على أسس المعطيات المعرفية فحسب بل على أُسُسٍ عاطفيةٍ وجدانيةٍ، أو مِن أجل حسابات ونوايا ومقَاصِد خَاصَةٍ أو فِئَويةٍ. فليس كل افتراقٍ في الأُمَّة نتَجَ عن عَدمِ مَعرِفَةِ الحقِّ في المسألة أو الصواب.. كما قد يتصور البعض. واستقراء الاختلافات والصراعات بكل أبعادها وأسبابها يؤكد هذه الحقيقة لمن قَرَأَ التاريخَ وألمَّ بالحوادثِ والمجريات التي عَصَفت بنسيج الأمة فمزقته. وأيُّ صِراعٍ فِكري يَنشَأ يكون له في الغَالِب طَرفَان، كُلٌّ منهما يدَّعي حِيازَةَ الحقيقةِ وامتلاكها في مُقَابِلِ تجريد الخصم منها. ونَتِيجَةً للصراع –وكما يحصل في لعبة شد الحبل- يبتعد كل طرف عن نقطة الوسط (نقطة الحقيقة)، في سبيل نَزعِ صِفةِ الإصَابَةِ والحقيقَةِ عن مخالفِه. وعوضا أن يقترب الطرفان إلى نقطة الوسط إذ بهما يحافظان على مواقع مُتَطرِّفةٍ في النزاع!
بين الأثر والرأي، بين النقل والعقل، بين الثبات والتجديد، بين الاجتهاد والتقليد، بين النص والمصلحة، بين الشريعة والسياسة، دارت معارك فكرية ومناظرات علمية وجدل فلسفي.. تجعل بين طرفي المعادلة نقائض لا تقبل الالتقاء، وكأنَّ الفقه نَصٌّ بلا رأي، وكأنَّ النَّقلَ لا يُخاطِبُ العقلَ، وكأنَّ التجديد هَدمٌ للثبات، وكأنَّ الاجتهاد لا يقوم على تقليد، وكأنَّ الشريعة لا تلتقي بالسياسة.
هكذا وَجَدت بَعضُ المذاهبِ والفِرقِ في هذه الثنائيات مَناطِقَ للتَّخندُقِ ضِدَّ قُوى وقَفَت في الضِّد تماما. ودارت رحى الرُّدودِ والإنكارِ لتُوقِفَ عَجَلة الفِكرِ عن التَّطورِ والتَّقدُّمِ ليقعَ فَريسَةَ دَوَّامَةٍ مِن المراءِ والجَدَلِ السُّفسُطَائي، وشخصنة القضايا إلى حدِّ غياب المنهجية العلمية والأدب الأخلاقي.
والمتابع للسَّاحة الإسلاميةِ –عَقِبَ الثَّوراتِ العَربيةِ- يَلمَس عَودَة الجَدَلِ حول قضايا قديمة جديدة، تنعَكِسُ في الخِطابِ والمواقِفِ والحكمِ على القَضَايا والتعامل معها. وفي حين فَرَضَت هذه الثَّورات تحديات سياسية كبرى فرضت حراكا فكريا وثقافيا واسعا وعميقا، حول مسائل في التراث والحداثة كأي منعطف تاريخي يراد من ورائه التغيير.
ففي حين يتجه البعض لاستنهاض الماضي بكل نماذجه ومناهجه بحثا عمَّا يرشده ويسعفه في وعيه للواقع وفهمه له، ونظرته للمستقبل واستشرافه له، يتجه آخرون لدفن الماضي والقطيعة معه انطلاقا وراء عالم جديد خال من مرارته ومأساته، وبين التيَّارَين الرَئِيسَين الفَاعِلَين في ذات الساحة هناك تيارات أخرى تقرب من طرف وتبعد من آخر وتجمع أحيانا بين هذا وذاك في صيغة توافقية وربما تلفيقية –وفَرقٌ بين الأَمرين!
إنَّ قُدرَةَ القَادةِ والعُلماءِ والمفكرين على إدرَاكِ هذا الواقعِ الرَّاهِن، واستيعابِ الحركةِ الكَامِنةِ فيه، وتأثيراتها على مَسَاراتِه، ومَدى ما يُمكِن أن تَأُول إليه مستقبلا، يُسَاعِد على وَضعِ الخُطَّةِ اللازمة لتجاوز الانفكاك الذي قد يَنتُج عن هذه الجدليات الحديِّة. وهذا يَتَطلَّبُ قَدرًا مِن سِعَةِ العَقلِ والصَّدرِ والبِناءِ على المشتركات التي ينبغي الحفاظ عليها، والانطلاق منها، والرجوع إليها.
يقول ابن تيمية –رحمه الله: "وإذا كان كُلُّ عَمَلٍ عن محبَّةٍ وإرَادَةٍ، والتَّركُ يكون عن بُغضٍ وكَرَاهَةٍ، وكُلُّ أَحَدٍ هَمَّامٌ حَارِثٌ، له حُبٌّ وبُغضٌ لا يَخلُو الحيُّ عنهما، وعَمَلُه يَتبَعُ حُبَّه وبُغضَه، ثم قد يكون ذلك في أُمُورٍ هي له عَادَةً وخُلُقٌ، وقد يكون في أُمُورٍ عَارِضَةٍ لازِمَةٍ، عُلِمَ أنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِن بَني آدمَ لا بُدَّ لهم مِن دِينٍ يَجمَعُهم، إذ لا غِنى لبَعضِهم عن بَعضٍ، وأَحَدُهم لا يَستَقِلُّ بِجلَبِ مَنفَعَتِه ودَفعِ مَضرَّتهِ، فلا بُدَّ مِن اجتماعهم، وإذا اجتمعوا فلا بُدَّ أن يَشتَرِكُوا في اجتِلابِ ما يَنفَعُهم كُلُّهم..، وفي دَفعِ ما يَضرُّهم..، فصَارَ ولا بُدَّ أن يَشتَرِكُوا في محبَّةِ شَيءٍ عَامٍ وبُغضِ شَيءٍ عَامٍ وهذا هو دِينُهم المشترك العام"؛ ثمَّ يقول: "وإذا كان كذلك، فالأُمُورُ التي يَحتَاجُون إليها يَحتَاجُون أن يُوجِبُوها على أَنفُسِهم، والأُمُورُ التي تَضرُّهم يَحتَاجُون أن يُحرِّمُوها على أَنفُسِهم، وذلك دِينَهم. وذلك لا يكون إلا باتفاقهم على ذلك، وهو التَّعاهُد والتَّعاقُد؛ ولهذا جاءَ في الحديث: (لا إيمَانَ لمـَن لا أَمَانَةَ له ولا دِينَ لمـَن لا عَهدَ له). فهذا هو مِن الدِّين المشتركِ بين جميع بني آدم مِن التزامِ واجِباتٍ ومُحرَّماتٍ، وهو الوفاء والعهد. وهذا قد يكون باطلا فاسدا إذا كان فيه مَضرَّةٌ لهم رَاجِحَةٌ على مَنفَعَته، وقد يكون دِينَ حَقٍّ إذا كانت مَنفَعَته خَالِصَةٌ أو رَاجِحَةٌ"[1].
هذا الكلام يَتَوجَّه مِن ابن تيمية في إدارَةِ المجتمعاتِ البَشريَّةِ في حَاجَاتها المعيشية والدنيوية، فكيف بحاجاتها الفكرية والثقافية والشرعية التي تحتاج فيها إلى رعاية القواسم المشتركة أتمَّ رعاية، كي لا يَنفَرِطَ العِقدُ وتَنحَلَّ الرَّوابِط. مِن هنا جَاءَ التأكيدُ على مَبدَأ الاجتماع كغَايَةٍ للأمة الإسلامية تَتَطلَّبُ منها دائما تَضييقَ دَوائِرِ الفُرقَةِ والاختلافِ، وضَبَطَ الخِلافَ في دَائِرةٍ مَقبُولَةٍ وفي حدود تلك القواسم المشتركة والدين الجامع.
 -----------------
[1] جامع الرسائل، جمع وتحقيق محمد رشاد سالم: ج2/221- 222.
*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة