الهدنة السورية.. الرابح والخاسر
الكاتب : مجلة البيان
عدد القراءات : 135

تكشف الأحداث الأخيرة في سوريا مدى حجم التداخل الدولي الشديد في المصالح بين عدد من الدول الكبرى وعلى رأسها روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج.
وعلى ما يبدو واضحاً أن كلاً من تركيا وروسيا أصبحتا تسيطران على مساحة واسعة من التحرك العسكري والدبلوماسي في الأزمة السورية وهو الأمر الذي نتج عنه اتفاق إعلان الهدنة قبل الشروع في مفاوضات جديدة في مدينة "أستانة" عاصمة كازخستان منتصف يناير الجاري.
وبعيداً عن تفاصيل المفاوضات التي ستكون بإشراف مباشر وضمانات متبادلة بين روسيا وتركيا، ومدى قبول فصائل المعارضة السورية من بقاء بشار الأسد أو رفض النظام رحيله، إلا أن المفاوضات هذه لا تزال تواجه الكثير من العقبات أبرزها عدم التزام النظام السوري والمليشيات المدعومة من إيران بوقف إطلاق النار. فقد نشرت فصائل المعارضة السورية مساء الاثنين بياناً أعلنت فيه تجميد آية محادثات لها علاقة بالمفاوضات المزمع عقدها في "أستانة"، حتى تنفذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عليه في أنقرة في 29ديسمبر بالكامل، وتوقف النظام السوري ومليشياته عن خروقاته المستمرة للهدنة، لا سيما في وادي بردى، محملة موسكو مسؤولية عدم لجمها للنظام الذي تعهدت بضمانه في اتفاق وقف إطلاق النار بأنقرة.
وفي هذه الحالة تبدو قوة تركيا وقدرتها في إلزام حلفائها من فصائل المعارضة السورية بالالتزام بالهدنة واضحة، في حين تظهر روسيا عاجزة عن وقف ممارسات الطرف الآخر الذي يخرق الهدنة في أكثر من جبهة سورية، ولذلك تظهر سمعة ومكانة روسيا في المحك بعد ترنح الهدنة وبروز الخلاف الواضح مع إيران كون مشروع إيران يتعارض مع خطط روسيا في الأراضي السورية، بالإضافة إلى أن إعلان الهدنة لم يشمل إيران ولم تكن حاضرة فيه بل كانت في الهامش في حين حضرت تركيا ورسيا كطرفين ضامنين. كما إن إيران لن تكون راضية عن أي اتفاق بين النظام والمعارضة لأن أي اتفاق سيقضي برحيل مليشياتها من الأراضي السورية، كما أن مسألة رحيل الأسد أصبحت مجرد وقت وهو الذي كانت تراهن عليه إيران من أجل بقائها في الحدود السورية واللبنانية، وهذا الأمر يثبت بكل وضوح إصرار المليشيات الإيرانية على خرق الهدنة لأنها تتعارض مع مصالحها.
وعلى ما يظهر فإن الخروقات التي تأتي من طرف النظام السوري والمليشيات الإيرانية لن تؤثر بشكل كبير في مسار المفاوضات القادمة وإن كانت قد تؤخرها قليلاً لكن روسيا تشعر بضرورة إنهاء الحرب للحفاظ على مكانتها العسكرية وللخروج من الأزمة التي تورطت فيها بالداخل السوري، فروسيا ليس لها مصلحة في استمرار الحرب لأنها تمثل استنزافاً لها في وقت تتعرض لعقوبات اقتصادية أمريكية وأروبية بسبب تدخلها في أوكرانيا، كما أن التوافق السوري سيكون لصالح الجانب الروسي في ظل عودة العلاقات الجانبية مع الجانب التركي.
ومهما حاول النظام السوري المماطلة والتسويف في الدخول بالمفاوضات القادمة عبر خرقه للهدنة في أكثر من مكان، وكذلك عدم التزام المليشيات التابعة لإيران، إلا أن الواضح أن روسيا أصبحت هي المتحكم الأكبر وهي من بيدها القدرة على جر النظام السوري إلى المفاوضات وإخضاع إيران إلى الالتزام بالهدوء مع تقديم بعض المصالح المؤقتة.
والشيء الأهم هنا، هو أن روسيا التي دخلت من أجل أن تحسم المعركة عسكرياً قد اعترفت بفشلها في الحسم وأصبحت ترى ضرورة الحل السياسي العاجل، وبالتالي الاعتراف بالفصائل السورية المعارضة وعلى رأسها الجيش الحر وفصائل أخرى كانت تعد في قائمة الفصائل المرفوضة لدى روسيا.
وتكمن الخطورة أن سوريا قد تفقد قدرتها على السيطرة على المليشيات الإيرانية وجيش بشار الأسد خصوصا عندما تشعر أن المفاوضات تجري في اتجاه آخر بعيد عن أحلامها، وقديماً قيل إن روسيا تبرع في استخدام القوة المفرطة، لكنها فاشلة في اتخاذ الحلول.
الأمر الآخر وهو الانزعاج الأمريكي من هذا التقارب الروسي التركي والذي يفقد الأمريكان جانب من الهيمنة على الملف السوري ويبقيها في الهامش، وهذا الانزعاج قد يدفعها إلى تبني رؤى معاكسة لهذا الاتفاق وبنود الهدنة وفرض عوامل لإفشال المفاوضات، بالإضافة إلى أن إدارة الرئيس أوباما كانت ترى إطالة أمد الحرب في سوريا يحقق مصالح أمريكية لاستنزاف كل الأطراف المتحاربة، وبالتأكيد سيكون هذا لصالح الكيان الصهيوني.
بالنسبة للجيش الحر والفصائل السورية المعارضة فإن هذه الهدنة قد تسمح لها في إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية ومعرفة جوانب القصور الذي حدث في أكثر من جبهة وخصوصاً جبهة حلب، طبعا مع فارق أن روسيا وجيش الأسد والمليشيات التابعة له استخدمت كل قوتها من أجل إحراق حلب بأهلها.
كما أن بقاء الأسد بالنسبة لثوار سوريا أصبح خارج أي مفاوضات وبالتالي من الضرورة البحث عن أي تسوية لا تتضمن بقاء الأسد على سدة الحكم، وفي هذه الحالة تستطيع روسيا أن تفرض رأيها على بشار رداً على الخدمات الكبيرة التي قدمتها له منذ بداية تدخلها العسكري في 30 سبتمبر 2015.
ويبدو واضحا أن بشار الأسد لن يكون في الحسابات القادمة رغم اختلاف الأطراف بشأن، لكن الأرجح أن الروس مستعدين للتضحية برأس بشار، لكنهم لن يفرطوا في نظامه القائمة، وبالتالي من الطبيعي أن تتم المفاوضات من أجل عمل تسوية واضحة بين النظام القائم والمعارضة لإيجاد الصيغة المقبولة لحكومة مؤقتة قد تستمر لسنوات.
*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة