الشوق والفراق
عدد القراءات : 27

حين يكون الحديث عن الغربة والاغتراب في المقال السابق؛ فأول موضوع يشرئب بعنقه، ويتطاول على أطراف أصابعه ليكون موضوع الأسبوع (الشوق والفراق):

شوق وحنين لمن نفارقهم على أنهم ماثلون أمام أعيننا نراهم في كلّ حركة وسكنة، يتمثلون لنا يقظة ويزوروننا منامًا.

الشوق .. إيه ما عساي أكتب عن الشوق.. أقسى ضرائب البين، وأعظم تبعات البعد.

كم فتت من كبد، وأرّق من عين، وأسهر من ليل، وأجرى من دمع.

الفراق والشوق .. كم حرّك من قرائح، واستثار من عزائم!!

لا تعذل المشتاق في أشواقه *** حتى يكون حشاك في أحشائه

لوعة وبكاء، وسهر ودعاء.

وليل كموج البحر أرخى سدوله، وبعث فلوله.

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا *** وناب عن طيب لقيانا تجــــافينا

إن الزمان الذي قد كان يسعدنا *** أُنساً بقربكم قد عاد يبكيـــــــــــــــنــــــــا

بنتم وبِنّا فما ابتلت جوانحنـــــــــــــــــــا *** شوقاً إليـــــــــــكم ولا جفّت مآقيــــنا

تكاد حين تنــــــــــــاجيكم ضـــــــمائرنا *** يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكـــــــــم أيامنا فغـــــــــــــــــدت *** سودًا وكانت بكــــم بيضًا ليالينا

ولعل من أشد الشوق والتحنان ما مرّ بيعقوب إذ فقد يوسف فبكاه حتى ابيضت عيناه، وذكره حتى قال بنوه (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً) آه ما أشد الشوق وأقساه سيما إذا كتمه المرء وأخفاه.

لا تخفِ ما فعلـــــــــــــــــت بكَ الأشواق *** واشـــــــرح هواك فكلنا عُشــــاقُ

عسى يعينكَ من شكوتَ لهُ الهوى *** في حملهِ فالعاشقون رفــــــــــاقُ

لا تجزعن فلست أَول مُـــــــــــــــــــــــــــــغرمٍ *** فتكتْ بهِ الوجناتُ والأحداقُ

وقد يستبدّ الشوق والحنين أحيانًا بأناس لم يفارقوا مواضع النظر، يشتاقهم المرء مدة الفصل ما بين غمضة العين وانتباهتها، ما أطولها في قياسهم من مدة (إنها لحياة طويلة).

ومن عجب أني أحنّ إليـــــــــــــــــهم *** وأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

ولعمري ذاك الغلو في الشوق، والإسراف في الحنين؛ يُذكِّرني بالرجل من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي عامة نهاره شاخصاً بصره بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يفارق بصره شاخص النبي - عليه الصلاة والسلام -، ينطلق ليقضي مع أهله ما الناس تقضيه، فيأتي على جناح السرعة إلى حضرة المصطفى يبوح بالسرّ، ويعترف بالخلجة قائلاً بلسان الحال والمقال: قتلني الشوق، وأضناني البين، وإني لأخشى فرق ما بين المنزلتين في الآخرة، كيف أصنع بالشوق؟

فجاء الجواب على قدر الشكوى وزيادة في الشفاء: ((المرء مع من أحب)).

وثمة شوق عصف بالمشتاق حتى صاح:

اشتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــقتُ إليكَ فعلِّمني ألا أشتاق *** علِّمني كيفَ أقُصُّ جذورَ هواكَ من الأعماق

علِّمني كيف تموتُ الدمعةُ في الأحداق *** علِّمني كيفَ يمــــــــــوتُ القلبُ وتـنـتحرُ الأشواق

وأبلغ الشوق وأجمله وأحلاه، وأفضله وألذه وأشهاه؛ شوق العبد لربه، ذاك الشوق العالي، والشعور المتألق قال أحد السلف: "واشوقاه إلى من يراني ولا أراه"، ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وأسألك لذة النظر إليك، والشوق إلى لقائك)).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة