أهم الإشارات الطبية والعلمية لقصة أصحاب الكهف
عدد القراءات : 9

المقدمة والهدف من القصة:

إن القرآن الكريم كتاب عقيدة ومنهاج حياة لإقامة وتكوين الإنسان الصالح، والمجتمع الفاضل على هدى من الإيمان بالله -سبحانه وتعالى-، وباليوم الآخر، وبقية أركان الإيمان الأخرى، قال تعالى: (إنَّ هذا القرآن يَهدِي للتي هِي أقوم ويُبشرُ الْمُؤمنينَ الذينَ يَعْمَلون الصَّالِحَاتِ إنَّ لهم آجْراً كبيراً) الإسراء /9.

وقد وردت  في كتاب الله -عز وجل- كثير من الآيات التي فيها إشارات علمية في مختلف التخصصات الطبيعية، ومن هذا المنطلق، فإن ذكر القرآن الكريم لقصة أهل الكهف تهدف في جوهرها إلى:

1- توضيح عقيدة التوحيد (الربوبية والألوهية) بقوله تعالى على لسان الفتية المؤمنين: (وَرَبطْنَا عَلى قُلوبِهمْ إذْ قَامُوا فَقَالوا ربُّنا رَبُّ السَّموات والأرض لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونهِ إلهاً لقَدْ قلنا إذاً شَطَطاً) الكهف /14.

2- إظهار وبرهان عقيدة البعث والنشور والإيمان باليوم الآخر في قوله -عز وجل-: (وكّذلكَ أعثرنا عَليْهِمْ لِيَعْلمُوا أنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ وأنَّ السَّاعة لا رَيْبَ فيها) الكهف/21.

أما الإشارات العلمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها الوارد في سياق هذه القصة الهامة في ثانوية أمام بيان الحقيقتين أعلاه.

ونحن في هذا البحث سنذكر أهم الإشارات العلمية والطبية المستنبطة من قصتهم إظهاراً للإعجاز والسبق العلمي في القرآن الكريم في عصر العلم والمعرفة، حيث بدأت حقائق العلم ونواميس الكون المكتشفة تفسر لنا كثيراً من إشارات القرآن الكونية، وتكشف لنا عن كنوزه وتخدمنا في فهم معانية، وبيان صدقه، وأن كلام الله -عز وجل- الذي أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً) الفرقان /6.

أهم الإشارات الطبية والعلمية المستنبطة من قصة أهل الكهف:

أولاً: الإشارات العلمية العامة:

1- الأسلوب العلمي البليغ في بيان ملخص القصة أولاً ثم التفاصيل ثانياً:

إن الآيات الأربع الأولى من السورة (9-12) والتي تبدأ بها القصة ذكرت مجمل وخلاصة الأحداث "الموجز" ثم ذكرت التفاصيل في الآيات الأربع عشر التالية (13-26) بدلي ذكر مدة رقودهم في الموجز بقوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً) الكهف/11، ثم بين هذه  المدة بعد ذلك  بالتفصيل في قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً)  الكهف/25.

2- إظهار آيات الله وعجائبه في مخلوقاته:

فالله تعالى أمر في التفكير بها، حيث إنها لا تقل عجباً عن آيات أصحاب الكهف والرقيم بالرغم من كونها خارقة؛ لقوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) الكهف /9، فإن من صفحات هذا الكون من العجائب ما يفوق قصتهم، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية ما نصه: أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، وتسخير القمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وإنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ،ج71/3-72 دار الجيل – بيروت 1988).                                                                     

ثانياً: الإشارات الطبية:

حتى ينام أصحاب الكهف بصورة هادئة وصحيحة هذه المدة الطويلة من دون تعرضهم للأذى والضرر، وحتى لا يكون هذا المكان موحشاً، ويصبح مناسباً لمعيشتهم، فقد وفر لهم الباري -عز وجل- الأسباب التالية:

1- تعطيل حاسة السمع: حيث إن الصوت الخارجي يوقظ النائم؛ وذلك في قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً) الكهف/11، والضرب هنا التعطيل والمنع، أي: عطلنا حاسة السمع عندهم مؤقتاً والموجودة في الأذن، والمرتبطة بالعصب القحفي الثامن، ذلك إن حاسة السمع في الأذن هي الحاسة الوحيدة التي تعمل بصورة مستمرة في كافة الظروف، وتربط الإنسان بمحيطة الخارجي.

2- تعطيل الجهاز المنشط الشبكي (ascending reticular activating system) الموجود في الجذع الدماغ، والذي يرتبط بالعصب القحفي الثامن أيضاً (فرع التوازن) حيث إن هذا العصب له قسمان: الأول مسؤول عن السمع، والثاني مسؤول عن التوازن في الجسم داخلياً وخارجياً؛ ولذلك قال الباري -عز وجل-: (فضربنا على آذانهم) ولم يقل: (فضربنا على سمعهم) أي: إن التعطيل حصل للقسمين معاً، وهذا الجهاز الهام مسؤول أيضاً عن حالة اليقظة والوعي، وتنشيط فعاليات أجهزة الجسم المختلفة والإحساس بالمحفزات جميعاً، وفي حالة تعطيله أو تخديره يدخل الإنسان في النوم العميق، وتقل جميع فعالياته الحيوية وحرارة جسمه، كما في حالة السبات والانقطاع عن العالم الخارجي، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً) النبأ/8،  والسبات هو النوم والراحة (والمسبوت)هو الميت أو المغشى عليه (راجع مختار الصحاح ص 214) فنتج عن ذلك ما يلي:

أ- المحافظة على أجهزتهم حية تعمل في الحد الأدنى من استهلاك الطاقة فتوقفت عقارب الزمن  بالنسبة  لهم داخل كهفهم إلا إنها بقيت دائرة خارجه (كالخلايا والأنسجة التي تحافظ في درجات حرارة واطئة، فتتوقف عن النمو، وهي حية).

ب- تعطيل المحفزات الداخلية التي توقظ النائم عادة بواسطة الجهاز المذكور أعلاه، كالشعور بالألم أو الجوع أو العطش أو الأحلام المزعجة (الكوابيس).

3 - المحافظة على أجسامهم سليمة طبياً وصحياً وحمياتها داخلياً وخارجياً، والتي منها:                    

 أ- التقليب المستمر لهم أثناء نومهم كما في قولة تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أيقاظاً وَهُمْ رُقودٌ وَنُقلّبُهُمْ ذاتَ اليْمَين وذاتَ الشّمَالِ) الكهف/18 لئلا تأكل الأرض أجسادهم، بحدوث تقرحات الفراش في جلودهم، والجلطات في الأوعية الدموية والرئتين، وهذا ما يوصي به الطب ألتأهيلي حديثاً في معالجة المرضى فاقدي الوعي، أو الذين لا يستطيعون الحركة بسبب الشلل وغيره.

ب- تعرض أجسادهم، وفناء الكهف لضياء الشمس بصورة متوازنة ومعتدلة في أول النهار، وآخره للمحافظة عليها منعاً من حصول الرطوبة والتعفن داخل الكهف في حالة كونه معتماً؛ وذلك في قوله تعالى: (وَتَرَى الشَّمس إذا طَلَعتْ تَزاورُ عن كهْفِهمَ ذاتَ الْيَمين وإذا غرَبتْ تَفْرضُهُمْ ذاتَ الشِّمال) الكهف/17، والشمس ضرورية، كما هو معلوم طبياً للتطهير أولاً ولتقوية عظام الإنسان وأنسجته بتكوين فيتامين د(vitamin d) عن طريق الجلد ثانياً، وغيرها من الفوائد ثالثاً.

يقول القرطبي في تفسيره: وقيل: (إذا غربت فتقرضهم) أي يصيبهم يسير منها من قراضة الذهب والفضة أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها إصلاحاً لأجسادهم، فالآية في ذلك بأن الله تعالى آواهم إلى الكهف هذه صفته لأعلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار، والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء، وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحر أو برد (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ،ج1 ص 369، دار الكتاب العربي –القاهرة 1967).

ج. وجود فتحة في سقف الكهف تصل فناءه بالخارج تساعد على تعريض الكهف إلى جو مثالي من التهوية ولإضاءة عن طريق تلك الفتحة ووجود الفجوة (وهي المتسع في المكان) في الكهف في قوله تعالى: (وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فهُوَ الْمُهتْدى وَمَنْ يُضْلِلْ فلَنْ تَجِدْ لَهُ ولياَ مُرْشداً)  الكهف /17.

د. الحماية الخارجية بإلقاء الرهبة منهم، وجعلهم في حالة غريبة جداً غير مألوفة لا هم بالموتى ولا بالإحياء (إذ يرهم الناظر كالأيقاظ يتقلبون ولا يستيقظون) بحيث إن من يطلع عليهم يهرب هلعاً من مشهدهم، وكان لوجود الكلب في باب فناء الكهف دور في حمايتهم، لقوله تعالى: (وَكلْبُهُمْ باسِط ذِراعِيْهِ بالْوَصيدِ لَوْ اطَّلعْتَ عَلْيَهمْ لَوَلَيتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلمُلِئْتَ مِنْهُمً رُعْباَ) الكهف / 18 إضافة إلى تعطيل حاسة السمع لديهم كما ذكرنا أعلاه كحماية من الأصوات الخارجية.

هـ. حمايته تعالى لأعينهم، وإلقاء الرهبة منها، ففي قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظ وهم رقود) الكهف /18، فيه إشارات علمية دقيقة جداً فقد ثبت طبياً:

1- إن العين في حالة كونها مفتوحة على الدوام ولأسباب مرضية متعددة تتعرض للمؤثرات الخارجية، فتدخلها الجراثيم والأجسام الغريبة مما يؤدي إلى حدوث تقرحات القرنية (مقدمة العين) وعتمتها(corneal opacity) وبالتالي فقدان حاسة البصر.

2- والعين في حالة كونها منغلقة على الدوم يؤدي ذلك إلى ضمور العصب البصري بعدم تعرضه للضوء الذي يمنع العين من قيامها بوظيفتها، حيث إن من المعروف في علم وظائف الأعضاء (علم الفسلجة) إن أي عضو من الأعضاء الإنسان أو أجهزته يصاب بالضمور والموت التدريجي إن لم تهيأ له الأسباب للقيام بوظيفته (disuse atrophy) ودليل ذلك إن المسجونين لفترات طويلة في الأماكن المظلمة يصابون بالعمى.

3- أما في حالة الطبيعية (اليقظة) فإن أجفان الإنسان ترمش وتتحرك بصورة دورية لا إرادية  على مقلة العين تعينها الغدد الدمعية التي تفرز السائل الدمعي النقي الذي يغسل العين، ويحافظ عليها من المؤثرات الخارجية الضارة، فهذه العملية المركبة تحافظ على سلامة العين، فالله -سبحانه وتعالى- الذي حافظ على أجسادهم وجلودهم من التلف بالتقلب المستمر مع التعرض المناسب لضوء الشمس هو نفسه الذي حفظ عيونهم بهذه الطريقة العلمية من العمى، حيث قال في محكم كتابه: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) ولم يقل: (وتحسبهم أمواتاً وهم رقود) لأن إحدى علامات اليقظة هي حركة رمش أجفانهم، وقد يكون في هذا أيضاً -والله أعلم- السر في إلقاء الرهبة في منظرهم.

في قوله تعالى: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) الكهف/18، فهذا الوضع الغريب والغير مألوف حيال كونهم ليسوا موتى، ولا بمستيقظين، ولا بنائمين نومة طبيعية (لأن النائم لا ترمش عينه) هذه الهيئة جعلت الناظر إليهم يهرب فزعاً، ويمتلئ قلبه رعباً من منظرهم.

وخلاصة القول:

إن الله تعالى هيّأ أسباب الحماية الطبيعية والطبية، فقد جعل الشمس تدخل كهفهم بصورة متوازنة، وكأنها حانية عليهم، ترعاهم في الصباح والمساء، وقلب أجسادهم فحفظها من التلف، وعطل حواسهم عن التأثر بالمحفزات الداخلية والخارجية، وجعل أعينهم ترمش، فحافظ عليها من العمى، وجعل فوق الكهف فتحة لتغيير هواء الكهف بصورة متواصلة، وحماهم كذلك من دخول أحد عليهم، وغير مما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يكشف عنه العلم مستقبلاً.

4 ـ الكلب حيوان تجريبي:

حيث جرت عليه نفس أحوال أصحاب الكهف، وفي ذلك إشارة إلى أنه يصلح لإجراء التجارب العلمية عليه كأنموذج تجريبي في حالة القيام بأبحاث طبية مستقبلاً (كالتجارب على الجهاز المنشط الشبكي في الدماغ مثلاً).

ثالثاً: الإشارات الفلكية:

السنة الشمسية والقمرية:

كانت مدة رقودهم في الكهف (300) سنة شمسية وتعادل (309) سنين قمرية، حيث إن الفرق بينهما (11) يوماً للسنة الواحدة ولمدة (300) سنة شمسية يتراكم الفرق ليكون (9) سنوات فتصبح (309) سنوات قمرية، وذلك في قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً) الكهف/25".

وفي هذه إشارة إلى التقويمين الشمس والقمري (الميلادي والهجري) كما ذكره معظم المفسرين قديماً وحديثاً.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة