حاجتنا إلى الفقه الاسترشادي
عدد القراءات : 14

أرأيتم لو أن رجلاً يريد السفر، أُعطي دليلاً سياحياً عن البلد الذي سيسافر إليه أول مرة، فأخذ هذا الدليل ورماه أرضاً، ومضى في سفره يخبط خبط عشواء, يمشي على غير هدى ولا بينة, هل ترونه يطيب له السفر، وتتحقق له أهدافه؟

الجواب: لا.

وهكذا أيضاً -بل هو أشد- حال الإنسان الذي يُعرض عن هدي الله تعالى, الذي بعث به محمداً؛ لأن الأحكام والتعاليم الإسلامية هي بمثابة دليل إلهي إرشادي لجميع الناس في هذه الحياة, قال الله تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبينٌ يَهْديِ به الله من اتَّبع رِضْوانه سبل السَلامِ ويخْرجهم منَ الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) المائدة / 15-16.

وقد عمد الصحابة ومن بعدهم من علماء هذه الأمة إلى تحديد معالم هذا الدليل الإرشادي العملي, الذي تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وذلك من خلال ما دوَّنوه مما عُرف بالفقه الإسلامي.

وللفقه الإسلامي أهمية في حياة كل مسلم على الصعيد الشخصي الخاص, وعلى الصعيد الاجتماعي العام, فبه يتعرف إلى الحرام فيجتنبه, فتغدو تصرفاته منضبطة ضمن منهج إلهي مستقر واضح.

وحين يتفقه المسلم في أمور دينه ويعرف واجباته وحقوقه، تصلح أعماله, وتسمو طاعاته لله تعالى, وتسعد حياته, ويزداد خيره لمجتمعه وأمته, ويطمئن على حاضره ومستقبله في الدنيا والآخرة, ومن هنا قال رسول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) [متفق عليه].

وقد أكدت العديد من الدراسات والإحصاءات أن المتدينين -بوعي وعلم- أكثر الناس سعادة، وأقلهم قلقاً واضطراباً، وأبعدهم نزوعاً إلى المخالفات والجرائم والمشاكل الاجتماعية.

هذا، ولا يحسبن الواحد منَّا أن الفقه في الدين أو العمل به قاصر على شؤون الطهارة والصلاة والصوم، ونحو ذلك من أمور العبادات المعروفة، بل إن التفقه في الدين، أو العمل به أشمل من ذلك وأعم، بل إن بعض الفقه في الدين، آكدُ من بعض وأوجبُ على المسلم، بحسب طبيعة عمله، وموقعه، والنشاطات التي يمارسها، والمسؤوليات التي يباشرها.

فالموظف مطلوب منه أن يتعرف إلى واجباته الوظيفية تجاه الآخرين مما ينبغي عليه القيام بها، وفي نحو هذا يقول النبي: ((من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)) [متفق عليه].

والطبيب يتوجب عليه الإخلاص في عمله، وبذل النصح لمريضه، وكتمان أسراره الخاصة، التي لا ينبغي للآخرين معرفتها.

والطالب لا بد له أن يعرف أحكام وآداب طلب العلم والمعرفة، وأسلوب التعامل مع أساتذته وزملائه، وفي هذا يقول النبي: ((تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلَّمون منه)) [رواه الطبراني في الأوسط].

والأستاذ لا ينبغي أن يغيب عن باله أن: ((تعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة)) [كما رواه ابن عبد البر] كما ينبغي أن يكون على ذكر من الوعيد الذي جاء في الحديث الشريف: ((من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) [رواه الترمذي وحسنه].

والتاجر لا بد له من أن يلمَّ بأحكام المعاملات المالية، حتى يكسب رزقه من الحلال، ويتجنب ما نهي عنه من ربا وتدليس وغش وغرر.

وقل مثل ذلك في المستخدمين والعمال, وفي الزوجين بعضهما مع بعض, والجيران والأصدقاء فيما بينهم, وسائر الناس في المجتمع.

فإذا تعلَّم وتفقَّه كلُّ واحد من هؤلاء في الدين، وعرف حقوق الله تعالى وحقوق الناس التي عليه, عاش سعيداً وذُكر حميدا، وإن أعرض عن تعاليم الله وتوجيهاته، وكان منه غير ذلك، عاش في مزيد من الشقاء والمعاناة والحياة الضنك, قال الله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يَوْمَ القيَامَة أعْمى قال رَبِ لمَ حَشَرتني أعْمى وقد كنت بَصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) سورة طه/ 126

هذا, وإن المتبع لمحتويات الفقه الإسلامي يجد أنه يشتمل على جميع ما يحتاجه الفرد والمجتمع, فيما يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم, في كل زمان ومكان.

ففي الفقه الإسلامي -الذي هو الدليل الإرشادي لكل مسلم- بيانٌ للعبادات والطاعات البدنية والمالية، والآداب الاجتماعية والتصرفات الراقية، التي هي جزء من منظومة هذا الدين، والتي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى.

وفيه أيضاً يجد أحكامَ المعاملات المالية التي يباشرها يومياً, سواء كانت بيعاً أو شراء أو قرضاً أو إيجاراً أو شركة أو وديعة أو استثماراً..

وفي الفقه أحكامُ الأسرة والمجتمع، وما يتصل بالزوجين والأبناء والأقرباء والأرحام والأصحاب.

وفيه الأحكامُ المتصلة بالعقوبات التي تحفظ أمن الأفراد، وتضبط النظام العام، وتحمي الحقوق والأرواح والأعراض والممتلكات، من أن يُعتَدى عليها أو تُمسَّ بأذى وسوء.

وفي الفقه بيانٌ لمحاسن الأقوال، وجميلِ الأفعال، والنشاطاتِ اليومية الإيجابية البنَّاءة، التي ينبغي على المسلم القيام بها واجتناب أضدادها.

وفيه بيانٌ لأسس العلاقات الإدارية والقضائية والسياسية بين الأفراد والهيئات والجهات الخاصة والعامة.

وهكذا يتضح مدى حاجة المسلم إلى دليل إرشادي في حياته الشخصية، والأسرية، والاجتماعية, وأن هذا الدليل موجودٌ، ومن السهل الحصول عليه، وذلك من خلال التفقُّه في الدين ومعرفة أحكام الحلال والحرام, في شؤون الحياة الخاصة والعامة، وسبيلُ ذلك إما الرجوعُ إلى المؤلفات والمصادر الموثوقة ذات الصلة، والاطلاع عليها، والاستفادة ممَّا فيها، وإما سؤالُ العلماء: أهل الذكر والاختصاص، المشهورين بين الناس بالاستقامة، وحسن السيرة.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة