أزمة العقل المسلم (1)
عدد القراءات : 25

خلق الله -تعالى- الإنسان ومنحه جملة امتيازات تفوق بها على سائر المخلوقات؛ فمكنه -سبحانه- من الجمع بين ثلاثية الحضارة، وهي اجتماع الرتب الثلاث: القيمة والموقع والدور، فأعلى الله قدره وقيمته عند قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70].

وهيأ له موقعه وسخره له عند قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] وشرفه بخير دور وأعظم وظيفة وخير مقام عند قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] مما مكنه من مكامن القوة وأسبابها لعبادة الله وعمارة الأرض: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61] ثم هيأه -سبحانه- للترقي من مكامن القوة إلى مراتب الفعل والعمل فميزه بميزة العقل وجعله جهازاً للتمييز وأمارة للتكليف وصانعا للإرادة وجعل صحة الفكرة فيه أحد مظاهر صحة الفطرة.

وهيأ الله للعقل طرق النظر ثم وصله بالعصر ومستجداته، وإدراك الواقع والتفاعل مع سياسته ليؤثر فيه تارة، ويتأثر به أخرى فالعقل صياغة للواقع بقدر ما هو مكلف بصياغة الواقع مما يدل على أن البيئة أكثر أثراً من الوراثة، وأن الفرد يرث من مجتمعه وواقعه قداساته وإراداته قبل قدراته مما يجعل للأزمة طرفين الواقع والعقل.

وبالتالي فنحن أمام أزمة مركبة من أزمة العقل المسلم والواقع الإسلامي، سواء أكان المراد بالعقل: طريقة التفكير أو نوعية الأفكار، أو قوانين التفاعل بين طريقة التفكير ونوعية الأفكار، أو ما يترتب على ذلك من آثار، وكلها أمور تعد جملة من المتغيرات إذا فقدت تسديد الوحي وهداياته؛ لأن الأفكار إن لم تسددها أنوار الوحي، وتكشف بسناها دجاها أصبحت الأفكار جملة من المظاهر الهلامية التي لا تخضع لقانون ظاهر مما يجعلها في أغلب الأمر هدامة غير هادفة؛ لأنه إذا صح الوعي صح السعي، فكما تكون الأفعال القادرة نتاج الأفكار القادرة، فإن الأفكار المشوشة تتولد عنها أفعالاً هزيلة، وأصوات زاعقة.

وبما أن الإسلام خطاب فكري في ثوب شرعي له شق سمعي وآخر عقلي جاء لصياغة وصناعة الحياة من جديد ومن ثم فليست أزمة العقل في رصيد القيم، فالقيم محفوظة في هدايات الوحي، وإنما تكمن الأزمة في افتقار الوعي بمقام الدنيا، ومقام الآخرة، وانطفاء الرغبة في الإقبال عليهما، والخلل في ترتيب أولويات السعي لهما، وقصور النظر في الجمع بين الوعي بقيم الإسلام ومواصفات الحياة، وقصور العقل عن تنزيل جديد الحياة على هدايات الوحي تنزيلاً يحفظ على الإسلام مرجعيته في تقويم حركة الحياة وصيانته من تفلتات العقل وحيوته في قراءة سنن الله وتجديد الأخذ بها في العقل المسلم تجديداً يجعله قادراً على التمييز بين المرجعية والحركة، والوعي والسعي، والفكرة والفرد، والمقاصد والوسائل، والمشاعر والمصالح، والمبادئ والمنافع، والإسلام والإسلامية، وأقصد بالإسلام والإسلامية العلاقة بين معارف الوحي وممارسات المسلمين عبر التاريخ.

ومن هنا نجد أن أزمة العقل المسلم تكمن في غيبته عن الوعي بدينه وقيمته وموقعه ودوره في الحياة وليست الأزمة في فقد القدرة، وإنما في إخراجها إلى حيز الفعل وليست الأزمة في معيار القيم، وإنما في الوعي بتلقي القيم وهكذا أدى جهل العقل المسلم بطبيعة الإسلام إلى الخلط بين أولية منهج التوعية والذي يعتمد على التذكير والنصح والتفهيم بالحسنى، وبين تبعية منهج التطبيق الفوري الحي بالممارسة مع البلاغ، فأهمل الوعي ابتداء بفقه التنزيل الذي يتطلب إتقان الفهم عن الوحي بشروطه، وغيب فقه التشخيص الذي يقرأ العصر بلغته ومعطياته، وفقد فقه الصياغة الذي يربط حقائق العصر بحقائق الوحي، وضيع في نهاية الأمر فقه الإنجاز الذي يجري هدايات الوحي ومقاصده الشريفة بوسائله النزيهة في شعاب الحياة شيئاً فشيئاً.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة