الإرهاب بتهمة الإرهاب
عدد القراءات : 36

إن البحث عن تعريف واضح ودقيق لمفهوم الإرهاب الذي تحاربه كل الشرائع والقوانين اليوم ليس ضرورياً للأغراض الأكاديمية وحسب، بل هو مهم للنجاح في هذه الحرب؛ ذلك أن محاربة المجهول ومصارعة طواحين الهواء نتائجها محتوم عليها بالفشل.

وأقرب مثال على ذلك أن شعوب العالم عندما اتفقت على محاربة الفقر واعتباره خطراً يهدد العالم حققت نجاحات باهرة في الحد من انتشاره عندما اتفقت على تعريف واضح ودقيق لمفهوم الفقر؛ يشرح الظاهرة ويحلل معناها المادي في بعديه الزماني والمكاني، من خلال ما عرف بخـط الفـقـر، إذ أصبح بالإمكان -بعدها- إعداد مقاربات حول الأماكن الأشد فقرا في العالم وتحديد تقريبي لعدد الفقراء، وحاجياتهم المادية، وأماكن توزيعهم.

ظاهرة الإرهاب ظاهرة خطيرة ما في ذلك شك وهي اليوم تتمدد وتهدد استمرار الحياة الطبيعة على هذا الكون، وتنسف فرص الاستقرار والتطور لتحقيق الحياة الهنيئة الوادعة، والتعايش الأمثل بين بني البشر، وهي ظاهرة لا تُعرف بالتحديد جذورها الأولى، لكن من المؤكد حسب كثير من الدراسات أنها تنتشر في مناطق النزاع المسلح هذا ما أثبته المحللون قديماً منذ أيام الثورة الفرنسية، لكن التطور الجديد في هذه الظاهرة أنها انتشرت كذلك حتى في مناطق النزاع السياسي غير المسلح، وحتى في مناطق التنافس الانتخابي السلمي، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، والشرق الأقصى بؤر التوتر الملتهبين دائماً، ولم يكد العالم يكتشف مشكلته مع تحديد مفهوم للإرهاب، حتى أفاق على مشكلة مصطلح جديد أنكى وأمر من الأول وهو تعريف: (تهمة الإرهاب) التي أصبحت تستخدم لتصفية الحسابات السياسية، وتحقيق بعض المآرب والمكاسب السياسية لأفرداً أو جماعات ضيقة، مما زاد مفهوم الإرهاب ضبابية على غموضه، وأفرغ محتواه من مضمونه.

الإشكالية القانونية والتشريعية التي تواجه الإرهاب اليوم ربما تكون أكثر تحدياً من المشكل العسكري، ففي ظل وجود مظلوميات مزمنة، وأعداد مهولة من القتلى بتهمة محاربة الإرهاب، وأعداد كبيرة جداً من المسجونين دون محاكمات في ظروف غير إنسانية بتهمة الإرهاب، واستخدام وسائل إرهابية في الحرب على الإرهاب؛ مثل قصف قرى المدنيين، وفرض الحصار عليهم وتجويعهم ومحاربتهم وقصف المنازل في القرى الآهلة بالسكان بحجة أنه ربما يوجد أو خرج من بينهم إرهابيون.

كل هذا جعل من المنطقي التساؤل عن الفرق بين الإرهاب ومحاربة الإرهاب؟! إذا كانت الوسائل والمبررات هي نفسها التي يستخدم الفريقان، كذلك فإن سياسة مكافحة الإرهاب اتخذت منحى ثأثرياً انتقاميا فوضويا في بعض الحالات في ما يشبه السياسة الممنهجة لصناعة الإرهاب، واضطرار عدد كبير من البسطاء السلميين إلى اللجوء للإرهاب رداً على العنف المفرط، والظلم الذي يتعرضون له جراء ذنب ارتكبه قريب لهم أو مُساكِن.

خلال العقدين الأخيرين خاض العالم حروبا كثيرة بحجة القضاء على الإرهاب وتجميد بؤره وتجفيف منابعه دفع فاتورة غالية ثمنا لها من الأرواح والأنفس والأموال والممتلكات، ولكن المشاهد أن هذه الحروب لم تقض بل إنها ربما لم تقلص حتى من مساحة الإرهاب هذا إن لم تكن زادته اشتعالاً ولهيباً وناراً على ناره، مما يؤكد أننا لا نسير في الطريق الصحيح للقضاء على الإرهاب، وعلينا بمراجعة وسائلنا وآلياتنا التي نتعامل بها مع ظاهرة الإرهاب.

ليس من مصلحة أحد مد شراع الإرهاب إلى منتهاه وتوسيع رقعته ليطال مختلف أنواع التنوع السياسي والحزبي، فذلك لن يخدم إلا الإرهابيين أنفسهم، كما أن الكبت وقمع الحريات وسيطرة الوجه الواحد، وغلق مسارات التنفس الطبيعي السياسية وقنوات التعبير عن الآراء مهما اختلفت حدتها مادامت سلمية، كل ذلك يولد بيئة خصبة لنمو الإرهاب، لأن الاحتقان غالبا ما يولد العنف والإرهاب.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة