شروط الواقفين منزلتها وبعض أحكامها
عدد القراءات : 31

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فهذا بحث مختصر في منزلة شروط الواقفين، جعلته في توطئة وخمسة مباحث وخاتمة:

تتضمن التوطئة مدخلاً إلى البحث، وأصل مشروعية الوقف، ومجالات شروط الوقف.

وتتضمن مباحثه ما يلي:

المبحث الأول: مكانة شروط الواقفين في الشريعة.

المبحث الثاني: المعتبر في دلالة ألفاظ الواقفين.

المبحث الثالث: الشروط الباطلة.

المبحث الرابع: الشروط الجائزة.

المبحث الخامس: موقف الناظر من الشروط المختلف في صحتها.

ثم خاتمة تتضمن خلاصة البحث وأهم نتائجه.

أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه، وأن يثيب من اطلع عليه فَسدَّ خللاً، أو أصلح خطأ، أو ذكَّر بمفيد إنه سميع مجيب.

توطئة:

سُنَّ الوقف في الإسلام ليفتح الشارع الحكيم بذلك باباً عظيماً من أسباب قوة الأمة وعزتها، وطريقاً إلى تحصيل الأجر والثواب.

كان الوقف في عصور الإسلام الزاهرة عمـاد حياة الناس في مصالح دينهم ودنياهم؛ فكانت أكثر المصالح العامة التي ترعاها الدول عادة تقوم على الأوقاف؛ كالمساجد والمدارس والمستشفيات وأعمال الحسبة وأعمال النظافة للسكك والأنهار، وإنارة الشوارع والساحات بالمصابيح، وسقيا الماء، والبريد، ونُزُل المسافرين.

وكانت الدول تنهار وتقوم مكانها أخرى؛ دون أن تتأثر هذه المصالح العظيمة؛ لأن القائمين عليها هم نظار هذه الأوقاف.

حتى إن الدول الغربية في الوقت الحاضر أخذت بالسعي في هذا الطريق؛ فقد أُحصيت نسب النفقات على المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1989م فكانت على النحو التالي: 65% خيرية. و25% حكومية. و10% تجارية.

وقد عرف أعداء الإسلام أثر الأوقاف في دعم العلم وحماية الأمة واستقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فيها فسعوا في بعض البلاد الإسلامية إبان استعمارها إلى جعلها أملاكاً حكومية أو تحويلها إلى مصارف أخرى طلقة.

إن لشروط الواقفين في أوقافهم أثراً عظيماً في توجيه مصارف الوقف نحو مثل هذه الأعمال، ولهذا عُني الفقهاء بتفصيل أحكامها في كتبهم، وفي هذا البحث أعرض لمنزلة شروط الواقفين من حيث الفهم والعمل، وبعض الأحكام المهمة لهذه الشروط.

أصلُ مشروعية الوقف:

الأصل فيه ما رواه البخاري في "صحيحه" (2/982) من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس عندي منه, فما تأمرني فيه؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها, وتصدقت بها)) قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول.

مجالات شروط الوقف:

الشروط في المنتفعين من عين الوقف:

هذا الشرط هو المجال الرئيس والمقصد الأكبر للواقفين؛ كاشتراط أن يكون المنتفع مصلياً في وقف المسجد، أو مريضاً في وقف المستشفى، أو محتاجاً لمشرب، كتسبيل الماء في وقف البئر والساقية، أو وقف الدور؛ ليُصرف ريعها لابن السبيل، وغير ذلك من وجوه البر.

والواقفون يضيفون أوصافاً للمنتفعين تُعتبر شروطاً؛ كصفة القرابة، أو اتباع مذهب أو إمام، وقد يشترط مع ذلك في المنتفعين وصفي المكان أو الزمان.

كما أن من تفاصيل الشروط ترتيب النِسب التي يُصرف فيها ريع الوقف على المنتفعين؛ كأن يقول: نصفه على مصالح المسجد، وثلثه على المتعلمين فيه، والباقي لميضأته ونحو ذلك.

الشروط في العين الموقوفة:

يشترط الواقفون في العين الموقوفة شروطاً كثيرة يريدون بها سد ذرائع اضمحلالها، أو عبث الناس بها أو منع النظار من استغلالها على غير الطريقة المرسومة، أو تعطيل مصالحها، ومن هذه الشروط أن لا تُباع ولا تُستبدل، وأن تُؤجَّر ولا تُسكن، أو العكس، وأن لا يضاف في بنائها إلا من ريعها، ونحو ذلك.

الشروط في الناظر:

إذا أراد الناظر حسن رعايةٍ وإدارة لوقفه اشترط أن يكون الناظر صالحاً، وأن يكون من ذريته أو قرابته؛ ليكون أحنى وأحرص على وقف قريبه.

الشروط في الريع في ترتيب صرفه والفاضل بعد المعينات:

ومن شروط الواقفين في الريع ترتيب مصارفه؛ فيبدأ الناظر بالإنفاق على صيانة الوقف، ثم على ما أُنشأ وقفه لأجله، فإن فضل شيء فيُنفق في مصرف ثالث، أو توفَّى حصة المصرف الأول.

فالشروط في كتاب الوقف هي النظام الذي يُرجع إليه عند إدارة الوقف.

المبحث الأول:

مكانة شروط الواقفين في الشريعة:

إن لشروط الواقفين قوة واعتباراً تستمدهما من أصل شرعية الوقف، وذلك لأن الأصل أن الواقف لم يرض بحبس ملكه لله تعالى وإخراجه من ملكه إلا بهذه الشروط، ومقتضى ذلك في سائر العقود أن الشرط إذا لم يتحقق بطل العقد وعاد المعقود عليه إلى صاحبه، ولا سبيل إلى ذلك في الوقف؛ فوجب اعتبار شروط الواقف في وقفه.

وقد عبَّر ابن القيم عن هذا المعنى بقوله في "إعلام الموقعين" (1/236): "الواقف لم يُخرج ماله إلا على وجه معين؛ فلزم اتباع ما عينه في الوقف من ذلك الوجه".

وقد اتفق العلماء على أن شروط الواقف -في الجملة- معتبرة في الشريعة، وأن العمل بها واجب.

مخالفة شرط الواقف قد تكون من الكبائر:

حتى عد الهيتمي في "الزواجر" (1/439) ترك العمل بشرط الواقف من الكبائر فقال: "وذِكْري لهذا من الكبائر، ظاهر وإن لم يصرحوا به؛ لأن مخالفته يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل, وهو كبيرة" أهـ.

وفائدة هذا المبحث أنه يجب اعتبار هذا الأصل، والبقاء على هذا الحكم، ولا نخرج منه إلا بما يدل على جواز إهماله.

والفقهاء يُعبرون عن ذلك بقولهم: نصوص الواقف كنصوص الشارع

في الفهم والعمل، وبعض العلماء يقولون في الفهم دون العمل، والصحيح أنه فيهما؛ ما لم تخالف الشريعة.

هل نصوص الواقف كنصوص الشارع في وجوب العمل؟

جاء في "غمز عيون البصائر" (1/334) قوله: "قول العلماء: شرط الواقف كنص الشارع: قيل: أراد به في لزوم العمل, وذلك أيضا بأمر الله تعالى وحكمه؛ فلا يلزم عليه إنكار بعض المحصلين في زماننا؛ حيث قال: هذه كلمة شنيعة غير صحيحة" أهـ.

ومن شنع على هذه الجملة من العلماء فإنما قصد ما عليه بعض الفقهاء من إعطاء قدسية لنصوص الواقف، وإن خالفت قواعد الشريعة ومقاصدها.

وانظر في وجوب اتباع شرط الواقف "مطالب أولي النهى" (4/320)، و"درر الحكام" (2/138)، و"الفتاوى" (2/14) للسبكي.

المبحث الثاني:

المعتبر في دلالة ألفاظ الواقفين:

هذه المسألة مهمة؛ لما فيها من تحقيق إرادة الواقف، وما يترتب عليها من العدل بين الموقوف عليهم.

من اعتبر من العلماء عرف الشارع إن كان له عرف:

ذهب بعض العلماء منهم السبكي كما في "الفتاوى"(1/356) إلى أن المعتبر في ألفاظ الناس ومنهم الواقف هو اللغة وعرف الشارع، فقال -رحمه الله-:

"ولو كان فهم العوام حجة لم يُنظر في شيء من كتب الأوقاف, ولا غيرها مما يصدر منهم, ولكنا ننظر في ذلك, ونجري الأمر على ما يدل عليه لفظها لغة وشرعاً سواء أعلمنا أن الواقف قصد ذلك أم جهله, وما ذاك إلا أن من تكلم بشيء التزم حكمه, وإن لم يستحضر تفاصيله حين النطق به" أهـ.

وكذلك الزركشي في "البحر المحيط" (5/86) ذهب إلى أن ما له مسمى عرفي وشرعي يُحمل عند الإطلاق على الحقيقة الشرعية أولاً، ثم العرفية.

وفصَّل في "المنثور" (2/378) في تعارض العرف مع الشرع، ورأى أنه إذا لم يتعلق بالعرف الشرعي حكم فيُقدم عليه؛ فلا يحنث عنده من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً وإن سماه الله تعالى لحماً؛ فرأى تقديم عرف الاستعمال على عرف الشرع، وعلَّل ذلك بأن فيه تسمية لم يتعلق بها تكليف؛ ولأن الإنسان إنما يؤاخذ بما نواه وفعله.

ثم ذكر النوع الثاني وهو تعلقُ حكمٍ بعرف الشرع وأنه يُقدم الشرعي على عرف الاستعمال؛ كما إذا حلف لا يصوم لم يحنث إلا بالإمساك بالنية في زمن قابل للصوم، ولا يحنث بمطلق الإمساك؛ وإن كان صوماً لغة.

هذا كلام الزركشي باختصار.

وهذا هو الاتجاه الأول.

من اعتبر عرف الواقف أو لغته:

وهناك اتجاه آخر قال به أكثر أهل العلم، وهو أن المعتبر عرف الاستعمال أو لغة المتكلم دون النظر إلى لغةٍ أو عرفٍ آخَرَيْن؛ لأن كلام الناس في عقودهم وإنشاءاتهم إنما يدل على مقاصدهم هم، فلا تكون لغة الشارع أو عرفه دليلاً على مقاصدهم.

ويُقوَّى هذا من وجه آخر: بأنه إذا كانت اللغة الغالبة لبلد إنما تُعرف بها مقاصد المتكلمين بها، وأنه لا يجوز أن يُفسَّر بها كلام أقلية تتكلم بغيرها؛ فكذلك ألفاظ وعقود الناس إنما تُفسر بلغتهم، أو عرف استعمالهم، وليس بلغة الشارع أو عرفه.

ولا يُستثنى من هذه القاعدة ما استثناه الزركشي -رحمه الله- مما تعلق به حكم بعرف الشرع؛ وذلك لأن مناط الحكم هو مراد المتكلم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بلغته، أو عرف استعماله.

وهذه المسألة -في أصلها-ـ ضرورية ظاهرة؛ ولهذا بنى عليها العلماء في فهم ألفاظ الكتاب والسنة؛ فقرروا أن المعتبر في ذلك مصطلح الشارع؛ لأنه أقوى الدلالات على مراده؛ فإن لم يوجد له مصطلح فلغة العرب؛ لنزول القرآن بها؛ فإن لم توجد فعرف المخاطبين في ذلك.

بعض الشروط بين الشريعة ومصطلح بعض الناس:

فعلى ذلك: لو وقف على الفقراء من يرى أن عادم بيت المثل فقيراً: جاز لناظر وقفه أن يُعطي مَنْ هذه صفته من ريع هذا الوقف، ولو كان حد الفقر في الشريعة لا ينطبق عليه؛ لأننا استنبطنا مراده من عرفه المطرد.

وكذلك من وَقَفَ على طلبة العلم وفي مصطلحه، أو عرفه الدارج عند الإطلاق أن العلم هو كل ما نفع الناس في دينهم ودنياهم جاز إعطاء طلاب العلوم البحتة النافعة للأمة من وقفه، ولو كان العلم في الشريعة واصطلاح الفقهاء يُطلق على علوم الكتاب والسنة.

من أقوال أهل العلم في اعتبار عرف الواقف:

قال ابن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (2/126): "فصل في تنْزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما، وله أمثلة" ثم سرد جملة منها.

وقال الغزالي في "المستصفى" (248): "وعلى الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم".

وقال ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (4/258): "مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يُحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها; سواء وافقت العربية العرباء، أو العربية المولدة، أو العربية الملحونة، أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة الشارع، أو لم توافقها; فإن المقصود من الألفاظ: دلالتها على مراد الناطقين بها ; فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع؛ لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراده, وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم ; فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رُجع إلى معرفة مرادهم، وإلى ما يدل على مرادهم: من عادتهم في الخطاب; وما يقترن بذلك من الأسباب".

وقال ابن الشاط في "إدرار الشروق" (1/66) في المعتبر في ألفاظ الطلاق: "فإنه كما يتبدل العرف من العرف كذلك يتبدل العرف من اللغة, وإلزام العقود من الطلاق وغيره مبني على نية المتكلم أو على عرفه لا على اللغة ولا على عرف غيره هذا فيما يرجع إلى الفتوى. وأما ما يرجع إلى الحكم فأمر آخر؛ لمنازعة غيره له؛ فإنما يحكم بعرفه لا بنيته؛ لاحتمال كذبه فيما يدعيه من النية؛ فالحكم مترتب على العرف سواء كان ذلك العرف ناقلاً عن اللغة، أم عن عرف سابق عليه ناقل عن اللغة, وعلى الجملة فالاعتبار بالاستعمال الجاري في زمن وقوع العقد؛ فإن كان لغة جرى الحكم بحسبه, وإن كان عرفاً ناسخاً لها، أو لعرف ناسخ لها فكذلك" أهـ.

وقال ابن نجيم في "البحر الرائق" (6/226): "يُحمل كلام كل عاقد وحالف وواقف على عرفه ولغته وإن خالفت لغة العرب" أهـ.

دليل الخطاب عند الحنفية في ألفاظ الواقفين:

إذا كان الحنفية قد أبطلوا دليل الخطاب، وهو مفهوم المخالفة في نصوص الشريعة؛ فإنهم طردوا ذلك فأبطلوه في شروط الواقفين وألفاظهم بناء على أن نص الواقف كنص الشارع، وقد خالفهم في ذلك جمع من متأخريهم، وحققوا أن دليل الخطاب معتبر في كلام الناس.

قال ابن عابدين في "رد المحتار" (4/434): "وحيث كان المفهوم معتبراً في متفاهم الناس وعرفهم وجب اعتباره في كلام الواقف أيضاً؛ لأنه يتكلم على عرفه" أهـ كلامه.

لفظ الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة:

وإذا تقرر هذا فمن المعلوم أن اللغات -حتى الأعجمية والعامية منها-ـ إنما يُبنى فهم مقاصد المتكلمين بها على قواعد مشتركة يُعتبر فيها النص والظاهر والمجمل والمبين والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ومباحث اللغة؛ كالاشتراك والترادف والتضاد والترتيب والفور والتراخي والاستثناء، وكذلك المنطوق والمفهوم مخالفاً وموافقاً.

وكلام الناس هذا: منه ما هو ظاهر الدلالة يشترك الناس أو أكثرهم في فهمه ومعرفته. ومنه ما هو خفي الدلالة.

وقبل النظر في الدلالة تُعتبر أحكام ثبوت هذه الشروط؛ كالتواتر والعلم والظن والشك والوهم.

ثم النظر فيما يتعارض من كلام الواقفين في ابتداء الوقف وشروطه، وما ينتهي إليه الناظر فيها من الجمع أو النسخ أو الترجيح.

وكذلك ما قيل في شروط العرف؛ كاعتبار العرف السابق والمقارن؛ فلا عبرة بالعرف الطارئ، وكذلك اعتبار الغلبة والاطراد.

فصارت مباحث أصول الفقه وقواعده هي طريق فهم كلام الناس، ولهذا قال العلماء: إن نص الواقف كنص الشارع، من حيث الفهم والدلالة.

ولهذا ترى أن العلماء قد اختلفوا في تفسير مقاصد الواقفين في شروطهم كاختلافهم في تفسير الكتاب وشرح السنة وفقههما.

ومن تكلم في هذه المسائل باجتهاد وعلم معتبراً هذه القواعد معولاً على الأعراف الدارجة -فيما يُحكَّم فيه العرف- فهو بين أجر وأجرين.

وأكثر شروط الواقفين ظاهرة جلية، وما أشكل منها: فإن أولى الناس بتحرير مقاصدهم من شروطهم العلماءُ المتمرسون في دلالات الألفاظ؛ كالمتخصصين في علم أصول التفسير، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية.

وانظر في اعتبار نصوص الواقف كنصوص الشارع في الدلالة: "الفتاوى" (2/13) للسبكي"، وإعلام الموقعين" (1/238) لابن القيم، و"الفتاوى الفقهية الكبرى" للهيتمي (3/267)، و"البحر الرائق"(5/266) لابن نجيم.

أمثلة وفروع على اعتبار بعض هذه القواعد:

بنى العلماء على ذلك فروعاً كثيرة:

منها: ما ذكره القرافي في "الفروق" (1/189) من تسويغ انتفاع غير الموقوف عليه في المدة اليسيرة؛ كأهل المدارس والرُبُط؛ فإنه يجوز لهم إنزال الضيف المدة اليسيرة؛ لأن العادة جرت بذلك؛ فدلت العادة على أن الواقف يسمح في ذلك.

ونحوه في "الفتاوى الفقهية الكبرى" (3/285) لابن حجر الهيتمي.

ومنها: ما ذكره في الهيتمي في المرجع نفسه " (3/278) من عدم الحاجة إلى إذن الناظر الخاص في استعارة الكتاب الموقوف؛ إذا جرت به عادة، وأن العرف المطرد في زمن الواقف إذا علمه يكون بمنزلة شرطه؛ فيُتَّبع ذلك.

ومنها: ما جاء في "أسنى المطالب" (2/452) نقلاً عن ابن عبد السلام أنه لو شرط واقف المدرسة أن لا يشتغل المعيد فيها أكثر من عشرين سنة، ولم يكن في البلد معيد غيره: جاز استمراره وأخذه المعلوم ; لأن العرف يشهد بأن الواقف لم يُرِدْ شغور مدرسته، وإنما أراد أن ينتفع هذا مدة، وغيره مدة.

ومنها: ما ذكره ابن عبد السلام في "القواعد" (2/134) من أن وقت التدريس محمول على البكور؛ لاطراد العرف بذلك, فلو أراد المدرس أن يذكر الدرس في الليل مُنع من ذلك.

ومنها: ما ذكره السيوطي في "الأشباه والنظائر" (92) أن المدارس الموقوفة على درس الحديث, ولا يعلم مراد الواقف فيها, هل يُدرَّس فيها علم الحديث, الذي هو معرفة المصطلح؟ فقرر رحمه أن المعتبر في ذلك هو العرف.

ومنها: ما ذكره الزركشي في "المنثور" (2/395) والسيوطي في "الأشباه والنظائر" (1/97) من جواز بيع وإهداء كسوة الكعبة؛ إذا كانت من الأوقاف التي أُوقفت بعد جريان هذه العادة، وعدم جوازه من الأوقاف التي لم تسبقها أو تقارنها هذه العادة.

ومنها: ما ذكره الفتوحي في "شرح الكوكب المنير" ص (649) نقلاً عن تقي الدين في تقديم التنبيه على النص حيث قال: "فإنَّ نقل نصيب الميت إلى ذوي طبقته إذا لم يكن له ولد دون سائر أهل الوقف: تنبيه على أنه يُنقل إلى ولده إن كان حينئذ له ولد؛ فالتنبيه حينئذ: دليل أقوى من النص, حتى في شروط الواقفين" أهـ.

ومنها: ما ذكره الحموي في "غمز عيون البصائر" (1/424) وكذلك ابن عابدين في "رد المحتار" (4/444) من اعتبار قواعد التعارض والنسخ والترجيح في شروط الواقفين.

المبحث الثالث:

الشروط الباطلة

يسعى الواقفون إلى وضع بعض الشروط حفاظاً على أغراضهم من الوقف، ويوجد في شروطهم ما لا يصح اشتراطه، ويُمنع مريد الوقف من عقده ابتداء، وإذا اُشترط وقع الشرط باطلاً؛ وذلك إذا كان محرماً في الشريعة، أو مخالفاً لمقاصدها:

ومن أمثلة هذه الشروط: الوقف على محرم العين كخمر أو خنزير، أو كان إعانة على باطل أو إثم أو عدوان؛ كالوقف على كنيسة، أو على فعل محرم؛ كبدعة.

وكل شرط يُخل بمقاصد الشريعة في رعاية الوقف: كشرط أن لا يُعزل الناظر ولو خان، وأن لا تحاسبه الدولة؛ فلا اعتبار له.

اشتراط ما يفضي إلى مفاسد:

ينص الواقف في شروطه على أن يكون المستحق للوقف على صفة معينة، وكثيراً ما تكون هذه الصفات مفيدة؛ لكونها تحفز على تحقيق هذه الصفة، أو يتحقق بها مقاصد عظيمة للشريعة؛ كالوقف على المجاهدين وطلاب العلم، ونحوها من الصفات.

تمييز الواقف بين الناس بسبب مذاهبهم الفقهية:

ولكن العصور التي شهدت انحطاطاً أفرزت أنواعاً من الشروط وضعها الواقفون حين كانوا يعيشون أجواء التعصب العلمي، أو مشاحنات الاتجاهات الصوفية؛ فأصْبَحتَ تسمع عن شروطٍ لاستحقاق منافع الوقف؛ كانتحال مذهب معين، أو طريقة صوفية محددة؛ حتى بلغ الأمر ببعضهم أن اشترط لهذا الاستحقاق لبس ثياب موصوفة وشارات منعوتة؛ ليثبت انتسابه لشيخ الطريقة وخضوعه له.

ولا ريب أن الصفة إذا كانت سبباً ظاهراً للمشاحنات والتباغض؛ فإن اشتراطها يُعتبر ساقطاً لا احترام له؛ فكيف إذا انضم إلى ذلك كونها عرقلة لحركة الاستدلال، ومانعاً للنظر والتأمل، ولجاماً للسان الحقيقة؟

وإذا شئت أن تتصور مقدار ما عليه الناس في تلك العصور، وما سببته هذه الشروط من فرقة، وحجر على النظر والاستدلال؛ فاقرأ كلام من عاش فيها:

يقول ابن أبي العز الحنفي في "الاتباع" (1/89) عن قصة حدثت أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف ذكر فيها قيام فتنة بين المنتسبين إلى المذاهب الإسلامية بلغت حد الاستعانة بجماعة من أرباب السيوف، وأنهم بسطوا ألسنتهم بالمنكر من القول، ثم ذكر خطر التعصب إلى أن قال: "وقد قيل إن سبب استحكام هذا الافتراق شروط الواقفين في المدارس؛ فإنهم لما شرطوا أن تكون هذه المدرسة على الطائفة الفلانية، وهذه المدرسة على الطائفة الفلانية تمسكت كل طائفة بما ذهبت إليه وأعرضت عن غيره لئلا يُحرم ذلك الوقف، وانضم إلى ذلك شبهة صحة هذه الشروط وأمثالها، والقول بأن شرط الواقف كنص الشارع؛ فلما انضمت الشبهة إلى الشهوة استحكم الداء وغالب الواقفين جهالٌ إنما يحملهم على تعيين تلك الطائفة التي عينها كل منهم مجرد العصبية لتلك الطائفة وإمامها، وأصل مقصودهم صحيح، وهو إحياء علم الشريعة؛ فيصح تخصيصهم العلماء بذلك الوقف، ويبطل تخصيصهم الطائفة الفلانية منهم؛ لأن الواجب عرض شروط الواقفين على الشريعة؛ فما وافقها قُبِل وإلا رُدَّ" أهـ.

وقد جاء في "الفهرس" (2/1036) لعبد الحي الكتاني قول الولي العراقي: "قلت لشيخنا الإمام سراج الدين البُلقيني: ما يَقْصُر بالشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّد؟ فسَكَتَ! فقلت له: ما عندي هو أن الامتناع للوظائف التي قُرِّرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك، واجتهد: لم ينله شيء، وامتنع الناس من استفتائه؛ فيُنسب للبدعة؛ فتبسم، ووافقني على ذلك" أهـ.

والأظهر أن السبب هو غضه لنفسه وتواضعه -رحمه الله-، أو هو درء المفاسد والفتن التي يتعرض لها العلماء المجتهدون من قبل الغوغاء من العامة وأنصاف المتعلمين بنسبتهم إلى البدعة والزيغ، والتي قد يؤججها بعض أقرانهم؛ كالذي حدث لأخيه التقي الآخر ابن تيمية؛ حيث مات سجيناً؛ بسبب اجتهاداته -رحمة الله على الجميع-.

ولكن ما ذكره العراقي -رحمه الله- يؤكد ما ذُكر من مفاسد شروط الواقفين على مذهب فقهي معين، وأنها مستحضرة عند أهل هذه العصور.

ومثل هذه الشروط في الحكم: اعتبار الإقليمية أو العرقية والقبلية في هذه الأوقاف؛ دون معان صحيحة وأغراض معتبرة لهذا الشرط.

ولا يعني هذا أن لا تكون هناك مدارس على مذهب معين، ولا أن يُمنع وقف شيء على هذه المدرسة، ولكن المحذور منع التعلم أو التعليم في هذه المدرسة إلا أن يكون من المعدودين من أتباع هذا المذهب المعين.

ولا ريب أنه لا نصر للأمة على أعدائها، ولا تمكين: حتى يكون الدين كله لله وحـده.

الوقف على مباح، أو ما لا فائدة فيه للواقف:

ذهب جمهور العلماء إلى جواز الوقف على المباح، انظر: "البحر الرائق" (5/206)، و"الذخيرة" (6/312)، و"أسنى المطالب" (2/457).

واستدلوا لذلك بأن صرف المال في المباح مباح، والوقف عليه مثله، وأن اشتراطَ الواقفِ أمراً مباحاً، هو كالجعالة على مباح.

وذهب الحنابلة إلى أنه لا يصح إلا على قربة؛ فلا يصح على مباح؛ كما في "الإنصاف" (7/13) للمرداوي، و"كشاف القناع" (4/246) للبهوتي.

وجاء في كلام مالك ما يوافق قول أحمد: قال القرافي في "الذخيرة" (6/312): عن الوقف على مباح: "وكرهه مالك؛ لأن الوقف باب معروف؛ فلا يعمل غير معروف".

والقول بعدم شرعية الوقف على مباح وجه عند الشافعية؛ كما في "الأشباه والنظائر" (1/49) للسيوطي.

ونصر هذا القول ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (31/12و46، 47)، واستدل وعلل له بما يلي:

1. قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط, كتاب الله أحق, وشرط الله أوثق)).

2. أن اشتراط المباح لا منفعة فيه, لا له ولا للموقوف عليه ; فإنه في نفسه لا ينتفع إلا بالإعانة على البر والتقوى. وأما بذل المال في مباح فهذا إذا بذله في حياته مثل الابتياع، والاستئجار: جاز; لأنه ينتفع بتناول المباحات في حياته، وأما الواقف والموصي فإنهما لا ينتفعان بما يفعل الموصى له والموقوف عليه من المباحات في الدنيا.

3. إذا كان الشارع قد قال: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" فلم يجوِّز بالجعل شيئاً لا يستعان به على الجهاد، وإن كان مباحاً, وقد يكون فيه منفعة, كما في المصارعة والمسابقة على الأقدام, فكيف يُبذل العوض المؤبد في عمل لا منفعة فيه, لا سيما والوقف محبس مؤبد؛ فكيف يُحبس المال دائماً مؤبداً على عمل لا يَنتفع به هو ولا ينتفع به العامل, فيكون في ذلك ضرر على الورثة وسائر الآدميين بحبس المال عليهم بلا منفعة حصلت لأحد.

4. أن الوقف على المباح يشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها في سورتي الأنعام والمائدة.

يعني بذلك قوله تعالى: (وهذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها) الآية. وقوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) الآية.

5. القياس على النذر؛ فالنذر لا يكون إلا على قربة، وهذا قول جماهير العلماء.

هذه أقوال وأدلة العلماء، والمسألة كما ترى محتملة، ودليل المجيزين لا يستقيم إلا بالإجابة عن أدلة المانعين؛ إذْ إن المجيزين يستدلون بالأصل في العقود والإنشاءات، والمانعون يستدلون بأدلة تقتضي أن الوقف في الشريعة مما يُراد به القُرَب؛ فلا محل فيها لمباح مستوي الطرفين.

والأقرب هو عدم تصحيح الوقف على مباح لما مضى من الأدلة والتعليلات، ومما يرجح هذا القول وجه آخر، وهو أن يقال:

إن منشأ شرعية الوقف وسبب لزومه هو الشريعة على وجه لا نظير له؛ حيث شَرَعت له هذا الحكم وهو اللزوم دون سائر الإنشاءات والعقود جائزةً ولازمةً؛ فالعقود ولو كانت لازمة: يمكن التحلل منها إذا تقايل العاقدان، والجائزة يمكن التحلل منها حتى دون رضا الطرف الآخر؛ كالجعالة في بعض أحوالها، والوصية يمكن تعديلها وإلغاؤها من قبل الموصي؛ فبأي شيء لزم الوقف؟ إن قلنا بإلزام الواقف فقط. قيل: إن هذا لا نظير له في الشريعة: وهو أن يُلزم المرء في معاملة أو عادة دون معنى معقول على التفصيل، ودون أن يمكنه الرجوع عنها، وإن قلنا الإلزام من جهة الشريعة فإن معهودها أن لا يُلزم بشيء من جهة الشرع إلا ما فيه معنى القربة وظهور النفع، ونظير هذا هو النذر فهو من طرف واحد ويُعتبر لازماً، ولا يصح على مباح؛ وذلك بإجماعٍ حكاه ابن العربي في "أحكام القرآن" (1/352)؛ فظهر بذلك اختصاص الوقف باللزوم دون بقية العقود والإنشاءات؛ فلُمح فيه بهذا معنى القربة؛ فعليه لا يُدخل في شروط الوقف إلا ما عُلم كونه مطلوباً للشريعة، والمباح المحض دون مرجح ليس مطلوباً لها.

ومع سهولة الخلاف في هذه المسألة؛ لقرب الأدلة من التكافؤ، ولندرة الوقف على مثل هذه الأوصاف بسبب حرص الواقف على تحصيل الأجر: فلا تخلو حكايته من فائدة هي أن يسعى الواقفون إلى تجنب الوقف على المباحات خروجاً من الخلاف، وأن تكون أوقافهم نافعة لهم في دينهم ودنياهم معاً، وأن نسعى إلى إحياء سنة الوقف التي كان عليها الصدر الأول، وهي الوقف على القربات، ووجوه البر.

الوقف على مكروه:

حقيقة المكروه أن للشارع مقصداً في تركه وترغيباً للناس في البعد عنه، وما دام أنه قد ترجح في المطلب الأول عدم مشروعية الوقف على مباح مستوي الطرفين؛ فإن المكروه أولى بهذا الحكم.

ولهذا قرر بعض العلماء؛ كما في "الإنصاف" (2/252) كراهة تقديم المفضول في الإمامة مع وجود الأفضل؛ ولو مع شرط واقف.

وقـد ذهب بعض العلماء إلى جواز الوقف على مكروه، وجواز إنفاذه للنظار والحكام، وقاسوا ذلك على وجوب طاعة السلطان؛ وإن أمر بمكروه.

قال النفراوي في "الفواكه الدواني" (1/211): "لأن شرط الواقف واجب الاتباع وإن كان بمكروه, وكذلك السلطان أو نائبه لوجوب اتباع أمره, وإن أمر بمكروه -على أحد قولين-؛ لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) فإنه يقتضي بمفهومه أن طاعة السلطان واجبة في أمره بالمكروه".

وقارن كلام صاحب "الفواكه الدواني" هذا بما جاء في "حاشية الدسوقي" (4/427) في كلام صاحب المتن في حرمة الإيصاء بمعصية؛ حيث قرر الشارح أن تنفيذ الوصية بالمكروه مكروه، وأن في تنفيذها بالمباح قولان، وأن المراد بالمعصية ما ليس بقربة.

ثم إن لقياسه -رحمه الله- جواباً وهو أن امتثال أمر السلطان واجب ما لم يكن معصية هو بنص الشارع؛ فدخل المكروه فيما يجب امتثاله؛ لأنه ليس بمعصية، أما كلام الواقف فليس بواجب الامتثال إلا فيما كان قربة؛ فلم ينعقد شرطه أصلاً؛ كما تقرر في الوقف على المباح؛ فلا يرد هذا على ما سبق تقريره.

وقد أبطل أبو حنيفة كما في "غمز عيون البصائر" (2/239) تعيين الواقف القراءة عند القبر؛ كونها مكروهة، وأن الواقف لو شرط هذا اُعتبر باطلاً؛ لأجل هذه الكراهة.

المبحث الرابع:

الشروط الجائزة:

كل ما عدا ما ذُكر من الشروط الماضية وهي الباطلة والمكروهة والمباحة

فهي شروط جائزة وحكمها الاستحباب؛ لأنـها من القرب؛ كالوقف على قرابة أو فقراء أو حلق علم، أو سقاية ماء، أو ما كان من مصلحة الوقف؛ كتعيين ناظر وعزله.

التصرف في الشروط الجائزة:

تتعرض شروط الواقفين لتصرف المتولي أو القاضي بما لا يوافق نص الواقف في كتاب وقفه بأنواع شتى من التصرفات:

كتصرف يتعلق بعين الوقف بيعاً، أو إبدالاً، أو زيادة أو نقصاً ونحو ذلك.

أو يتعلق بالموقوف عليه؛ بصرفه إلى غيره، أو تغيير ترتيب الواقف استحقاق الموقوف عليهم.

أو يتعلق ببعض الشروط التي هي من باب سد ذرائع فساده، أو من باب وسائل إصلاحه؛ كأوصاف الناظر والمستحق للنظارة، وطرق صيانته، وأجرة الناظر، وأحكام عزله.

وما من فقيه إلا ويرى مشروعية التصرف في شروط الواقف؛ وإن اختلف الفقهاء في حد ذلك تضييقاً وتوسعة.

التصرف رعاية لضرورة:

إذا كان تصرف المتولي لأجل ما يُخشى على عين الوقف من الفساد أو الاضمحلال؛ فللمتولي في هذه الحال أن يُعرض عما في شروط الواقف إذا كانت تمنع هذا الإصلاح، وذلك حتى تُرفع حال الضرورة، ويُدرأ الخطر المحدق بالوقف.

وإذ كان التصرف لا يقتضي تغييراً في بنية الوقف الأساسية؛ كالتصرف بالاستبدال فأكثر الفقهاء على جواز عمل ما يخالف شرط الواقف، ومثاله: إذا شرط أن لا تؤجر الدار أكثر من سنة ثم انهدمت, وليس لها جهـة عمارة إلا بإجارة سنين؛ فقد رخص كثير من العلماء في مخالفة شرطه رعايةً لهذه الضرورة ونحوها؛ كما في "أسنى المطالب" (2/464)، و"إعانة الطالبين" (3/169)، و"منح الجليل" (8/170).

وقد جاء في "شرح مختصر خليل" للخرشي (7/93): "لا يُتَّبع شرطُ الواقف عدمَ البداءة بإصلاح ما انثلم من الوقف؛ فلا يجوز اتباعه ; لأنه يؤدي إلى بطلان الوقف من أصله؛ بل يبدأ بمرمة الوقف وإصلاحه ; لأن في ذلك البقاء لعينه والدوام لمنفعته".

والفقهاء إنما رعوا بذلك أحكام الضرورات؛ كمداوة المريض بما له ضرر؛ إذا خيف على المريض من ضرر أكبر.

واشترط في "درر الحكام" (2/139) إذن المحكمة، وهو شرط حسن يتحقق به رعاية مصالح الوقف، ومقصد الواقف، ويسد ذرائع التلاعب بالأوقاف.

ومن الإضرار بالواقف والوقف ترك صرف معيناته بحجة تعذر وجود الموقوف عليه؛ كالوقف على نظافة الأنـهار إذا جفت، ونحو ذلك.

فإن كان يُرجى وجود الموقوف عليه في وقت قريب عرفاً اُنتظر به، وإلا صرفه إلى مصرف مثيل أو قريب منه؛ فإن المقصد الأعلى للواقف نيل الأجر؛ فإن تعذر تحصيل الوصف المطلوب الذي هو من وسائل تحقيق ذلك المقصد: صُرف إلى مثله؛ فلا يُلغى مقصد لأجل وسيلة.

وانظر "بلغة السالك" (4/124) للصاوي.

أما استبدال العقار الموقوف عند تعطل منافعه بالكلية؛ فهو من رعاية ضرورات الوقف؛ وسيأتي قريباً -إن شاء الله-.

التصرف رعايةً للأصلح:

تصرف الناظر رعاية الأصلح تُتَصور في مقاصد الواقف من وقفه؛ كجنس المنفعة، وفي أعيان الموقوف عليهم. كما تُتصور أيضاً وفي وسائل تحصيل مقاصد الوقف ومنافعه.

فمثالها في الوسائل: نقل العين الموقوفة -إذا كانت تجارية- إلى مكان ذي ريع أكثر؛ دون المساس بما نص عليه الواقف في مصارف الوقف.

وفي المقاصد: تغيير المصرف الذي نص عليه الواقف من جهة معينة إلى جهة أنفع للواقف في الأجر والمثوبة؛ كتغييره من توزيع الكتب في منطقة نص الواقف عليها أهلها أغنياء، والجهل فيها قليل إلى منطقة فقيرة إقبال الناس فيها أكثر، وحاجتهم أعظم؛ وغير ذلك مما تظهر خيريته.

للعلماء في ذلك اتجاهان مشهوران:

الأول: المنع من التصرف في شرط الواقف ونصه في عين الوقف ومصرفه، وسائر شروطه بلا ضرورة، وإنما لمطلق المصلحة، وعليه أكثر أهل العلم. وانظر في ذلك "مغني المحتاج" للشربيني (2/393)" والإنصاف" (7/57) للمرداوي.

واستدلوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه-: ((إن شئت حبست أصلها, وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)).

وكذلك بما ذكره العلماء في شروط الواقفين، وأنها كنص الشارع في وجوب العمل بها، وقد مضى في أول البحث تأصيل هذه القاعدة.

والاتجاه الثاني: اعتبار المصلحة الظاهرة في أي تصرف في العين نقلاً واستبدالاً وتغييراً لمعالمها واسمها، أو في المصارف والموقوف عليهم؛ ولا يكون نص الواقف مانعاً من هذا التصرف؛ ما دام أنفع للجهة الموقوف عليها، وأعظم أجراً للواقف.

وهو أحد قولي الإمام أحمد في نقل المسجد للمصلحة؛ كما في "المغني" (5/368) لابن قدامة.

واختار هذا القول وهو اعتبار المصلحة في كل تصرف جمع من العلماء منهم ابن تيمية والشوكاني، وأنقل لك بعض كلامهما في هذا المقام.

قال الإمام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (4/509): "ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه؛ وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان؛ حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صُرف إلى الجند".

وقال في المرجع نفسه (4/510): "وإذا وقف على الفقراء فأقارب الواقف الفقراء أحق من الفقراء الأجانب مع التساوي في الحاجة, وإذا قُدِّر وجود فقير مضطر كان دفع ضرورته واجباً, وإذا لم تندفع ضرورته إلا بتنقيص كفاية أقارب الواقف من غير ضرورة تحصل لهم: تعين ذلك".

وقال الإمام الشوكاني في "السيل الجرار" (3/336): "قد تقرر أن الوقف ملك لله محبس للانتفاع به، وما كان هكذا فلا يُنظر فيه إلى جانب الواقف إلا من جهة العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها، مهما كان ذلك ممكناً، ومعلومٌ أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته حسن سائغ شرعاً وعقلاً؛ لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض، وقد عرفناك غير مرة أن من عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، وها هنا قد وجد المقتضي وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية، وانتفاء المانع، وهو وجود المفسدة؛ فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال".

والذي يظهر من كلام الإمامين أن الأصل منع التصرف في شروط الواقفين إلا إذا ظهرت مصلحة أكبر للوقف أو الموقوف عليهم؛ فإن ظهرت جاز للمتولي أن يصير إليها.

وهذا ما يفترق فيه عمل ناظر الوقف عن عمل من يتولى الأموال العامة من السلاطين؛ فتصرفهم مطلقٌ في الزمـان والمكـان والأشخاص وجنـس المنفعة، واختيارُ أي منها إنما ينشأ من الوالي نفسه، ولا قيود عليه إلا رعاية مطلق المصلحة؛ بخلاف الناظر فهو مقيد بكتاب الوقف؛ ما لم تظهر مصلحة أعظم فيجوز له التصرف بناء عليها.

وهذا الاختيار الذي مال إليه الإمامان متوائم مع أصول الشريعة ومقاصدها؛ كما أنه متوافق مع مقاصد الواقفين.

الوقف ليس تعبداً محضاً:

والمتأمل في الوقف يرى أنه ليس من جنس التعبدات المحضة التي لا يُعمل فيها إلا بالنص؛ بل هو من جنس الوسائل لتحقيق مقاصد الواقفين، والقاعدة في الوسائل هي مشروعية التصرف وفق ما تقتضيه الغاية المقصودة.

إن السمة الرئيسة للعاديات أنها معقولة المعنى على التفصيل معروفة المصلحة، وسمة التعبدات المحضة؛ كالصلاة والصوم والحج أنه لا يُعقل لها معنى إلا على الإجمال.

قال الشاطبي في "الاعتصام" (2/329): "ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه؛ فهو المراد بالتعبدي وما عُقل معناه وعرفت مصلحة أو مفسدته فهو المراد بالعادي".

وقال في المرجع نفسه (1/238) عن تبليغ الشريعة: طوالتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة -لأنه من قبيل معقول المعنى- فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة، وكذلك لا يتقيد حفظه عن الزيغ والتحريف بكيفية دون أخرى".

وقال (2/397) في الوسيلة الواجبة وهي تدوين العلم: "كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة؛ فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم بغير كَتْبٍ مطرداً لصح ذلك" أهـ.

والوقف معلوم المصلحة معقول المعنى على التفصيل؛ فليس فيه ما في التعبدات المحضة مما لا يُعقل له معنى إلا على الإجمال؛ كزمن العبادة في الصوم والصلاة والحج، ومكانها كالحج، والأعداد المفصلة فيها؛ كعدد الركعات، وعدد الجمرات، وعدد التسبيحات.

فلما لم يوجد في الوقف شيء من سمات العبادة المحضة من اعتبار زمان أو مكان أو عدد أو هيئة معينة على وجه لا يُعرف مقصوده على التفصيل، ولا تُدرك مصلحته: دل ذلك على أن الوقف ليس تعبدياً محضاً؛ بل هو معقول المعنى معروف المصلحة؛ فصار اعتبارها فيه، وإجراء القياس عليه أمراً صحيحاً، لا مطعن فيه.

ومما يقوي هذا القول: الإجماع على جواز بيع الفرس الموقوفة على الغزو إذا كبرت؛ فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر؛ مثل أن تدور في الرحى، أو يُحمل عليها تراب.

وبأن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نُقب بيت المال الذي بالكوفة -أي فُتح فيه نقب من جهة المسجد لسرقته- قال: انقل المسجد الذي بسوق التمَّارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد.

وانظر في مسألة نقل المسجد "المغني" (5/368) لابن قدامة، "مجموع الفتاوى" (31/225) لابن تيمية، و"التاج والإكليل" (6/42) للعبدري، و"الفتاوى" (3/67) للرملي، و"البحر الرائق" (5/237) لابن نجيم.

ويتأيد هذا بأنه قد صح في الشريعة اعتبار الأصلح في التصرف في زمن عبادةٍ محضة ومكانها، والأصل في هذه العبادة هو اللزوم؛ كالوقف:

فقد ثبت في السنة عن جابر -رضي الله عنه- أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس, فقال: ((صل ها هنا)) فسأله, فقال: ((صل ها هنا)) فسأله, فقال: ((فشأنك إذن)).

رواه أحمد في "المسند" (3/363) وأبو داود في "السنن" (3/236).

فالأصل في النذر اللزوم بحسب ما عينه الناذر، ولما كانت الصلاة في المسجد الحرام أفضل من بيت المقدس جعله -صلى الله عليه وسلم- في حل من التزام ما عينه بالنذر؛ إذا أتى بالأفضل.

وإذا كان هذا في نذر العبادة المحضة؛ فكيف يكون الحكم في التصرف بالأصلح في الوقف وهو معقول المعنى معروف المصلحة؟

وملاحظة المصالح، وترك العمل ببعض نصوص الكتاب والسنة لأجلها معتبر في الشريعة فكيف بنصوص الواقفين؟

وانظر في تعارض المصالح: "القواعد" (1/60) لابن عبد السلام، و"مجموع الفتاوى" (20/48) لابن تيمية.

ويُجاب عما استدلوا به من حديث ابن عمر بأن مقصود الحديث في منع البيع هو بيع التصرف المطلق الذي يقتضي عود الموقوف حراً يتصرف فيه البائع بالثمن تصرف الملاك، ويؤكد هذا النهي ما جاء في الحديث من النهي عن هبته وإرثه؛ مما يدل على البيع هنا إنما هو بيعُ من يريد استنفاد الثمن؛ شأن الملاك.

ويمكن أن يُضبط هذا بأن يكون التصرف بتحقق أمرين لا يصح إلا بهما: طلب الناظر، وإذن المحكمة.

وقد أشار إلى هذا المعنى ابن مفلح في "الفروع" (4/473) حين قال: "ولكن الأولى أن الحاكم لا يستبد به دون ناظره الخاص" أهـ.

ولا ريب أن إذن المحكمة سوف يراعي المصلحة في النقل، ومنها -سوى تحقق الغبطة والحظ للوقف في العقار الجديد-ـ أن لا يُعرَّض الوقف لمخاطر حركة البيع والشراء لأدنى مصلحة تُلمح؛ بل لا بد أن تكون ظاهرة جلية.

أمثلة التصرف في الوقف للمصلحة:

وهذه بعض الأمثلة التي يجوز للنظار بناء على ما تقرر أن يتصرفوا فيها في شروط الواقفين؛ إذا كان التصرف أصلح للوقف أو الموقوف عليهم:

1. نقل الوقف من مكان إلى مكان.

2. تغيير عين الوقف من عين إلى أخرى، مع بقاء المصرف على حاله؛ كالبستان يحول إلى بناية؛ حيث يشكو كثير من نظار الأوقاف بأن البستان لا يدر إلا ريعاً قليلاً، وقد ينعدم الريع فيكون عبئاً على ناظره، وتعطيلاً لمصالح الوقف؛ بخلاف المساكن.

3. تغيير نشاط الوقف الاستثماري المنصوص من الواقف من نوع إلى آخر، ويُحتاج إلى هذا عند حدوت تغير في التمدد السكاني، وتحول بعض الشوارع من سكنية إلى تجارية.

4. دمج أعيان الأوقاف المتعددة؛ إذا كانت على مصرف واحد، وإذا تعذر إفراد وقف مختلف المصرف بسبب قلة قيمته؛ فيُدمج مع الأوقاف الأخرى في عين واحدة؛ ليكون لكل وقف حصة مشاعة معلومة، يتم تسجيلها في وثيقة التملك.

ويكون لهذا الوقف مجلس من نظار الأوقاف لإدارته.

وتكاد مفاسد ذلك أن تنعدم مع تقدم طرق التوثيق وثباتها.

5. صرف ما يفيض من ريع الوقف بعد تنفيذ المعينات، إلى أنواع أخرى من وجوه البر.

6. صرف الريع إلى جهة أكثر نفعاً، وأعظم أجراً للواقف.

7. استثمار ما يفيض من ريع الوقف بعد صرف المعينات؛ بشراء أصول جديدة، أو المضاربة بهذا الريع.

المبحث الخامس:

موقف الناظر من الشروط المختلف في صحتها

إن وصول المرء -في مسائل الاجتهاد-ـ إلى نتيجة في حكمٍ على شيء بحرمة أو بطلان يترتب عليه آثار منها:

1. التسليم للشريعة، وأن لا يجد في نفسه حرجاً مما قضى الله ورسوله.

2. إظهار هذا الرأي، وبيانه للناس؛ لينتفع بذلك من يراه.

3. وجوب الامتثال بامتناعه هو عن هذا الباطل؛ لأن الحجة قامت عليه بقدر ما تحصل عنده من علم.

4. أنه إذا كانت للمرء سلطة إصدار الأنظمة والتعليمات فله إصدار أوامر بمنع ما يراه باطلاً؛ لأن للحاكم أن يقيد المباح المتفق على إباحته لمصلحة؛ فبالأولى إذا كانت المسألة محل اجتهاد في صحتها وبطلانها.

ولا يعني اعتقاد حكم شرعي استباحة العرض أو الظهر لمن خالفنا فيه.

كما لا يعني إبطال العقود والإنشاءات أو الامتناع عن توثيقها؛ لمجرد أنه يقول ببطلانها.

وليس للمخالف في صحتها أن يقول: إن هناك أمراً من رب العالمين بذلك؛ فكيف أخالفه؟ أو أن يقول: لا يجوز أن أعمل -بمقتضى الديانة لله تعالى- خلاف قناعتي؛ لأنه يُقال له: إن هذا اجتهاده هو، ولا يكون هذا الاجتهاد ملزماً للآخرين.

وقد كان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم ولاة لدولة الخلافة؛ فهل كان الوالي لا يُجري إلا ما يراه في الأمور الاجتهادية؟ أو أنه يلتزم رأي الإمام وإن خالف رأيه؟ الأظهر هو ترك اجتهاداتهم -في أمور الولاية- لاجتهاده.

وقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- لا يرى شرعية القنوت في غير النوازل، ولكنه كان يقنت خلف من يفعل ذلك؛ كما كان يرى بطلان صلاة من أكل لحم إبل دون أن يتوضأ، ولكنه صلي خلف من لم يتوضأ من أكله.

والصحابة كانوا يختلفون في مثل هذه المسائل مما يُعد مبطلاً للصلاة أو غير مبطل، وكان بعضهم يصلي خلف بعض دون نكير.

وإذا كانت صلاة الإمام والمأموم تَبْطُل بالمتفق بينهما على كونه ناقضاً: فلا شك أن تصحيح السلف صلاة المأموم في المختلف فيه منها -رغم مخالفته رأي إمامه-ـ دليل على إمضاء اجتهادات الآخرين في محل الاجتهاد؛ حتى وإن كان في أمور تتعلق بأفعال المكلف نفسه؛ كصلاته.

وفي هذا جواب لمن يعترض فيقول لا أمضي بيدي ما أعتقد منعه.

فعليه لا مانع من إجازة وتوثيق وإنفاذ شروط الواقفين محل الاجتهاد في صحتها، وإن خالفت رأي الناظر أو الموثق.

ومهما أجهدنا أنفسنا في تلمس الحدود والفواصل بين ما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ فلن نصل إلى نتيجة في كل مسألة، ولكن ليكن البدل من هذا هو الوصول إلى الفقه، ومعرفة أسباب الخلاف، وحجج المخالفين، وما جرى عليه العمل، واستقرت عليه المذاهب، ومعرفة فقه السلف في مثل هذه المسائل.

وانظر في الخلاف والعلاقة مع المخالف "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/453فما بعدها)، و"التنقيح" (3/436) لابن عبد الهادي، و"القول السديد" (1/139) للموري الحنفي، "ومواهب الجليل" (6/24) للحطاب، و"حجة الله البالغة" (1/335) للدهلوي، و"قواعد التحديث" للقاسمي (1/370).

خاتمة بخلاصة البحث

اشتمل هذا البحث ما يلي:

توطئة: تضمنت إشارة سريعة إلى أهمية الوقف وآثارة في قوة الأمة

وتنميتها، وكذلك أصلُ مشروعية الوقف، ومجالات شروطه من الموقوف عليهم، والعين الموقوفة، والناظر وفاضل الريع.

كما تضمن المبحث الأول: مكانة شروط الواقفين في الشريعة، وكلام العلماء في وجوب العمل بنصوص الواقفين وشروطهم.

وأن تأصيل ذلك أن الواقف لم يرض بحبس ملكه لله تعالى وإخراجه من ملكه إلا بهذه الشروط، ومقتضى ذلك في سائر العقود أن الشرط إذا لم يتحقق بطل العقد وعاد المعقود عليه إلى صاحبه، ولا سبيل إلى ذلك في الوقف؛ فوجب اعتبار شروط الواقف في وقفه.

وحققت فيه أن عبارة: نصوص الواقف كنصوص الشارع في الفهم ووجوب العمل صحيحة.

ومن شنع على هذه الجملة من العلماء فإنما قصد ما عليه بعض الفقهاء من إعطاء قدسية لنصوص الواقف، وإن خالفت قواعد الشريعة ومقاصدها.

كما تضمن المبحث الثاني: مسألة المعتبر في دلالة ألفاظ الواقفين، وأهميتها؛ لما فيها من تحقيق إرادة الواقف، وما يترتب عليها من العدل بين الموقوف عليهم.

ثم ذكرت طريقة اعتبار دلالة لفظ الواقف، وأن للعلماء منهجين: الأول: اعتبار عرف الشريعة فيما له مصطلح شرعي، والثاني: اعتبار لغة الواقف وعرفه، وبينت أن هذا الأخير هو أرجح القولين.

وذكرت أن هذه المسألة -في أصلها-ـ ضرورية ظاهرة؛ ولهذا بنى عليها العلماء في فهم ألفاظ الكتاب والسنة؛ فقرروا أن المعتبر في ذلك مصطلح الشارع؛ لأنه أقوى الدلالات على مراده؛ فإن لم يوجد له مصطلح فلغة العرب؛ لنزول القرآن بها؛ فإن لم توجد فعرف المخاطبين في ذلك.

وأن سبيل فهم نص الواقف هو مصطلحه ثم لغته ثم عرفه.

وتّخرَّج على هذا مسألة وهي لو وقف على الفقراء من يرى أن عادم بيت المثل فقيراً: جاز لناظر وقفه أن يُعطي مَنْ هذه صفته من ريع هذا الوقف، ولو كان حد الفقر في الشريعة لا ينطبق عليه؛ لأننا استنبطنا مراده من عرفه المطرد.

ثم ذكرت جملة من كلام أهل العلم ممن قال بذلك.

كما ظهر لي في هذا المبحث أن متأخري الحنفية اعتبروا دليل الخطاب في نصوص الواقفين؛ بخلاف اختيار متقدميهم.

كما بينت أن اللغات -حتى الأعجمية والعامية منها- إنما يُبنى فهم مقاصد المتكلمين بها على قواعد مشتركة يُعتبر فيها النص والظاهر والمجمل والمبين والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ومباحث اللغة؛ كالاشتراك والترادف والتضاد والترتيب والفور والتراخي والاستثناء، وكذلك المنطوق والمفهوم مخالفاً وموافقاً.

ويُعتـبر فيها أيضاً قواعد التعارض، وما ينتج عنها من الجمع أو النسخ أو الترجيح، كما يُعتبر العرف.

وأن مباحث أصول الفقه وقواعده هي طريق فهم كلام الناس، ولهذا قال العلماء: إن نص الواقف كنص الشارع، من حيث الفهم والدلالة.

ثم ذكرت فيه بعض فروع هذه الأصول والقواعد.

كما تضمن المبحث الثالث: ذكر الشروط الباطلة.

ومنها: الوقف على ما حُرم لعينه، أو حرم فعله كبدعة.

وكل شرط يُخل بمقاصد الشريعة في رعاية الوقف، وذكرت أمثلة.

ومنها اشتراط ما يفضي إلى مفاسد: كتمييز الواقف بين الناس بسبب مذاهبهم؛ كالوقف على أتباع مذهب معين، وكلام بعض العلماء في ذلك.

وأن الوقف على مباح مستوي الطرفين، أو ما لا فائدة فيه للواقف غير لازم للأدلة والتعليلات المفصلة في البحث.

وأن الوقف على مكروه: باطل أيضاً؛ لما ذُكر من التعليلات.

كما تضمن المبحث الرابع: ذكر الشروط الجائزة.

وحكم تصرف الناظر والحاكم في الشروط الجائزة

وأن من التصرف المعتبر رعاية ضرورة الوقف، دون المساس بعينه، وهو قول أكثر أهل العلم؛ كالخوف على عين الوقف من الفساد أو الاضمحلال؛ فللمتولي في هذه الحال أن يُعرض عما في شروط الواقف إذا كانت تمنع هذا الإصلاح، وذلك حتى تُرفع حال الضرورة، ويُدرأ الخطر المحدق بالوقف.

ومنها التصرف رعايةًً للأصلح سواء كان ذلك في العين أو الشروط أو المعينات أو الموقوف عليهم.

وذكرت أن للعلماء في ذلك اتجاهين مشهورين بالمنع والجواز ورجحت ما اختاره الإمامان ابن تيمية والشوكاني وغيرهما من أن الأصل وجوب العمل بشروط الواقفين إلا إذا ظهرت مصلحة أكبر للوقف أو الموقوف عليهم؛ فإن ظهرت جاز للمتولي أن يصير إليها. وبينت الفرق بين عمل ناظر الوقف في ذلك وبين عمل من يتولى الأموال العامة من السلاطين.

وذكرت تعليل ذلك، وأن يُضبط هذا بأن يكون هذا التصرف بتحقق أمرين لا يصح إلا بهما: طلب الناظر، وإذن المحكمة.

ثم ذكرت أمثلة للتصرف في الوقف للمصلحة ومنها:

1. نقل الوقف من مكان إلى مكان.

2. تغيير عين الوقف من عين إلى أخرى.

3. تغيير نشاط الوقف الاستثماري المنصوص من الواقف من نوع إلى آخر.

4. دمج أعيان الأوقاف المتعددة.

5. صرف الريع إلى جهة أكثر نفعاً، وأعظم أجراً للواقف.

6. استثمار ما يفيض من ريع الوقف.

كما تضمن المبحث الخامس: موقف الناظر من الشروط المختلف في صحتها وهي محل اجتهاد، وأنه لا يجوز أن تُبطل الشروط أو يُمتنع عن توثيقها؛ لمجرد أن اجتهاد الناظر أو الحاكم يقتضي بطلانها.

وذكرت هدي السلف في ذلك من الصحابة والتابعين وعزوت إلى كلام بعض أهل العلم في ذلك.

هذا وأسأل الله أن ينفعني به، وأن يغفر خطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، الله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

____________

قائمة المراجع:

الاتباع، ابن أبي العز، عالم الكتب، 1405هـ.

الاعتصام الشاطبي، ابن عفان، 1417هـ.

إدرار الشروق (حاشية الفروق للقرافي )، ابن الشاط، دار الكتب العلمية، 1418هـ.

أسنى المطالب، زكريا الأنصاري، دار الكتاب الإسلامي.

الأشباه والنظائر، السيوطي، دار الكتب العلمية، 1403هـ.

إعانة الطالبين، الدمياطي، دار الفكر.

إعلام الموقعين، ابن القيم، دار الجيل.

الإنصاف، المرداوي، دار إحياء التراث.

البحر الرائق، ابن نجيم، دار المعرفة. وزارة الأوقاف الكويتية، 1402هـ.

البحر المحيط، الزركشي، دار الكتب، 1421هـ.

بلغة السالك، الصاوي، دار الكتب العلمية، 1415هـ.

التاج والإكليل، العبدري، دار الفكر، 1389هـ.

الجامع الصحيح، البخاري، دار ابن كثير، 1407هـ.

حاشية الدسوقي، الدسوقي، دار الفكر.

حاشيتا قليوبي وعميرة،

درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر، دار الكتب العلمية.

الذخيرة، القرافي، دار الغرب.

رد المحتار، ابن عابدين، دار الفكر، 1421هـ.

الزواجر، الهيتمي، دار الفكر.

السنن، أبو داود، دار الفكر.

السيل الجرار، الشوكاني، دار الكتب العلمية.

شرح الكوكب المنير، الفتوحي، مطبعة السنة المحمدية.

غمز عيون البصائر، الحموي، دار الكتب العلمية، 1405.

الفتاوى، السبكي، دار المعرفة.

الفتاوى الفقهية الكبرى، الهيتمي، دار الفكر.

الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، دار المعرفة.

الفروع، ابن مفلح ،دار الكتب العلمية، 1418هـ.

الفروق، القرافي، عالم الكتب.

فهرس الفهارس، الكتاني، دار العربي، 1402هـ.

الفواكه الدواني، النفراوي، دار الفكر، 1415هـ.

قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، دار الكتب العلمية.

قواعد التحديث، القاسمي، دار الكتب العلمية 1399هـ.

القول السديد، الموري، دار الدعوة 1988م.

كشاف القناع، البهوتي، دار الفكر، 1402هـ.

مجموع الفتاوى، ابن تيمية، مكتبة ابن تيمية.

المستصفى، الغزالي، دار الكتب العلمية.

المسند، ابن حنبل، دار مؤسسة قرطبة.

مطالب أولي النهى، الرحيباني، المكتب الإسلامي.

المغني، ابن قدامة، دار الفكر، 1405هـ.

مغني المحتاج، الشربيني، دار الفكر.

المنثور، الزركشي، وزارة الأوقاف الكويتية.

منح الجليل، عليش، دار الفكر، 1409هـ.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة