أمريكا وإيران...مسألة أسابيع
عدد القراءات : 32

حصل تغيير أمريكي في الموقف من إيران، لا جدال في ذلك، هناك فارق جذري بين إدارتي باراك أوباما ودونالد ترامب، أقلّه شكلاً، هناك وعي لدى الإدارة الجديدة بخطورة السياسات الإيرانية وللمشروع التوسّعي الذي بدأ يأخذ مداه بموازاة الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل 2003، المسألة مسألة أسابيع قليلة فقط سيكتشف بعدها العالم حجم هذا التغيير وهل هو حقيقي أم أنه مجرّد كلام بكلام لا ترجمة له على الأرض.

ما تردّد بوش الابن في القيام به، بعد تسليمه العراق على صحن من فضّة إلى إيران، نفّذه باراك أوباما، استسلم الرئيس الأمريكي السابق، وهو الرئيس الأسود الأوّل الذي يدخل البيت الأبيض، لإيران بشكل كلّي وذلك عندما انسحب عسكريا من العراق دون أي شرط. كان أوباما أسير اللوبي الإيراني في واشنطن.

بالنسبة إلى أوباما لا توجد أي علاقة لإيران بالإرهاب، لا بتفجير مقرّ المارينز الأمريكيين في بيروت في أكتوبر من العام 1983، وقبل ذلك مقر السفارة الأمريكية في العاصمة اللبنانية، ولا بتفجير الخُبَر الذي قتل فيه أمريكيون وسعوديون في العام 1996 ولا باغتيال رفيق الحريري ورفاقه في مثل هذه الأيّام من العام 2005 ولا بما تعرّض له العسكريون الأمريكيون وما زالوا يتعرضون له في العراق منذ 2003.

لم يكن أوباما يرى سوى الإرهاب السُنّي. لم يرد يوما معرفة أن هناك علاقة بين إيران والنظام السوري من جهة و "داعش" و "القاعدة" من جهة أخرى، بالنسبة إليه، كان الملف النووي الإيراني يختزل كلّ مشاكل الشرق الأوسط وأزماته. كان همّه الأوّل والأخير استرضاء إيران، غض النظر عن كلّ ما فعلته في العراق وفي اليمن وفي سوريا حيث تشارك في الحرب على شعب بكامله، ذنب هذا الشعب أنه طالب يوما باستعادة كرامته.

لدى التمعّن في الكلام الصادر عن أوباما في مناسبات مختلفة، كان الصراع مع أهل السنّة في الشرق الأوسط مسألة أيديولوجية يؤمن بها إيماناً عميقاً، مثل إيمانه بأنّ الإرهاب لا يمكن إلّا أن يكون سنّيا، كان هناك تناقض كبير بين كلام الرئيس السابق وتصرّفاته..

جاء الآن من يسأل ماذا تفعل إيران في العراق؟ هل طبيعي أن تشنّ الولايات المتحدة حربا مكلفة إنسانيا ومادياً وأن تكون نتيجة هذه الحرب انتصارا إيرانيا على الأرض العراقية؟

ردّا على هذا السؤال المحوري، بدأت إدارة ترامب تقدّم أجوبة، سيكون الجواب الأول مزيدا من العقوبات يفرضها الكونجرس على إيران وعلى الدائرين في فلكها، في موازاة هذه العقوبات، التي تعكس رغبة في تغيير جذري في النظر إلى السياسة التوسّعية الإيرانية، هناك متابعة دقيقة لكل السلوك الإيراني، يشمل ذلك الاعتداء على فرقاطة سعودية قبالة ميناء الحديّدة اليمني.

فيما ترك باراك أوباما إيران تتصرّف على هواها في المنطقة، إنْ في العراق أو في سوريا أو في لبنان أو في اليمن، على سبيل المثال وليس الحصر، رفع ترامب بطاقة حمراء في وجه إيران، كان كافيا أن تقوم بتجربة لصاروخ باليستي كي يقول الرئيس الأمريكي "إنّ تحذيرا رسميّا وُجّه إلى طهران" وإنّ "عليها عدم اللعب بالنار". قبل ذلك، كان وزير الدفاع الجديد الجنرال جيمس ماتيس الذي يعرف إيران عن ظهر قلب ويعرف تماما ما فعلته في العراق يؤكد في شهادة أمام لجنة القوات المسلّحة في مجلس الشيوخ "إن على الولايات المتحدة المحافظة على نفوذها في العراق حتّى بعد معركة تحرير الموصل من داعش"، اتهم ماتيس إيران بأنّها "القوة الأكثر إثارة للاضطرابات" في المنطقة.

هناك إجماع في أوساط كبار المسؤولين الأمريكيين على أن شهر العسل انتهى مع إيران قبل ترامب، وجّه مستشار الأمن القومي مايك فالن، وهو جنرال آخر، تحذيراً رسمياً إلى إيران بسسب تجربة الصاروخ الباليستي.

كلّ ما يمكن قوله -أقلّه إلى الآن- أنّ دونالد ترامب شخص غريب الأطوار وإن من الصعب التكهن بالذي سيفعله. ولكن فيما يخص الموضوع الإيراني، يظهر أنّه اتخذ قراره وذلك بدعم واضح من زعماء الحزب الجمهوري الذي يسيطر على مجلسي الكونجرس، إلى أيّ حد يبدو مستعدّا للمواجهة وكم سيذهب بعيدا فيها؟ هذا أمر متروك للأسابيع الآتية التي تبدو حبلى بالمفاجآت.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة