فكر الخوارج في ميزان أهل السنة 1
عدد القراءات : 1149

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آلة وصحبه أجمعين...أما بعد:

فإن البعض من شباب المسلمين المتحمس لهذا الدين قد ابتلوا في هذه الآونة بفكر الخوارج.

ومن المؤسف أن الكثير من هؤلاء الشباب هم من أهل السنة أصلاً، ولكن حماستهم وغيرتهم على الإسلام، وما يفعله أعداء الإسلام بالمسلمين في شتى بقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها، وجهلهم بالنصوص الشرعية؛ حيث إنهم لم يتربوا على أيدي العلماء، كل ذلك جعلهم يتبنون هذه الأفكار الخارجة عن مذهب أهل السنة والجماعة.

وأكثر هؤلاء الشباب ممن فيهم عاطفة دينية بلا علم ولا فقه ولا بصيرة ولا تجربه ولا اعتبار عندهم لأهل العلم والفقه والتجربة والبصيرة.

ولا شك أن أغلب هؤلاء الشباب لا يعرفون أنهم قد وقعوا في فكر الخوارج؛ لجهلهم بهذا الفكر، وإذا قلت له: إن هذا الفكر فكر الخوارج استنكر ذلك، وأخذ يدافع ظنا منه أنه مذهب أهل السنة والجماعة.

لذلك أردت من خلال هذه الأسطر بيان فكر الخوارج في ميزان أهل السنة، وأسباب انحراف الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث.

تعريف الخوارج ونشأتهم:

عرف أهل العلم الخوارج بتعريفات منها على سبيل الذكر لا الحصر ما بينه أبو الحسن الأشعري، أن اسم الخوارج يقع على تلك الطائفة التي خرجت على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وبين أن خروجهم على علي هو العلة في تسميتهم بهذا الاسم، حيث قال - رحمه الله -: والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي لما حكم. "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن الأشعري 1 / 207".

فالخوارج هم أولئك النفر الذين خرجوا على علي - رضي الله عنه - بعد قبوله التحكيم في موقعة صفين، ولهم القاب أخرى عرفوا بها غير لقب الخوارج، ومن تلك الألقاب الحرورية، والشراة، والمارقة، والمحكمة، وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة، فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقين من الدين كما يمرق السهم من الرمية. (مقالات الإسلاميين 1/207).

ومن أهل العلم من يرجع بداية نشأة الخوارج إلى زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويجعل أول الخوارج ذا الخويصرة الذي اعترض على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قسمة ذهب كان قد بعث به علي - رضي الله عنه - من اليمن.

وبالرغم من الارتباط القوي بين ذي الخويصرة والغوغاء الذين خرجوا على عثمان - رضي الله عنه - وبين الخوارج الذين خرجوا على علي - رضي الله عنه - بسبب التحكيم، فإن مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة لا ينطبق إلا على الخارجين بسبب التحكيم، بحكم كونهم جماعة في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثرا فكريا عقديا واضحا، يعكس ما سبقها من حالات. (فرق معاصرة للعواجي 1 / 67).

ذم الخوارج والتحذير منهم:

وردت أحاديث كثيرة في ذمِّ الخوارج والتحذير منهم، فمن الأحاديث التي وردت الإشارة فيها إلى ذمهم، ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسماً، إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: (( ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبت وخسرت إن لم أكن أعدل))، فقال عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: (( دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نفسه، وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس)).

قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعتُ هذا الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمَر بذلك الرجل فالتُمس فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي نعته. أخرجه البخاري في صحيحه (3342)، ومسلم (1762).

ومن صفاتهم الذميمة التي ذمهم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم عقولهم رديئة وضعيفة، وأنهم عندما يقرؤون القرآن يظنون لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا، فو الله لأن أَخِرُّ من السماء أحبّ إليَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنَّ الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( سيخرج قوم في آخر الزمان أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)) أخرجه البخاري في صحيحه (6418)، ومسلم (1771).

ومن الصفات القبيحة التي ذمهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن بعدي من أمتي، أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلا قيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة )) أخرجه مسلم في صحيحه (1775).

ومن الصفات المذمومة التي وقعت منهم ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث علي وهو باليمن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهيبة في تربتها فقسمها بين الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع وبين عيينة بن بدر الفزاري وبين علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب وبين زيد الخيل الطائي ثم أحد بني نبهان، فتغيظت قريش والأنصار فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا قال إنما أتألفهم، فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد اتق الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( فمن يطيع الله إذا عصيته، فيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني))، فسأل رجل من القوم قتله أراه خالد بن الوليد، فمنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما ولى قال - النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) أخرجه البخاري في صحيحه (6995)، ومسلم في صحيحه (2499).

وقد بوب السلف في مصنفاتهم بالتحذير من الخوارج من ذلك على سبيل الذكر لا الحصر:

بوب البخاري في صحيحه: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله - تعالى -: ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم) التوبة: 115.

والإمام النووي - رحمه الله - في تبويبه لصحيح مسلم قال: باب الخوارج شر الخلق والخليقة.

وبوب اللالكائي - رحمه الله - في " شرح أصول الاعتقاد ": باب ذم الخوارج وسوء مذاهبهم، وإباحة قتالهم، وثواب من قتلهم أو قتلوه.

وقال أيضا: باب سياق ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج، وساق - رحمه الله - جملة أحاديث في ذلك.

وبوب أبو داود السجستاني في سننه: باب في قتال الخوارج.

وبوب ابن حبان - رحمه الله - في صحيحه: باب ذِكر البيان من أن الخوارج من أبغض خلق الله - جل وعلا - إليه.

صفات الخوارج:

اتصف الخوارج بعدة صفات منها على سبيل الذكر لا الحصر:

1- الغلو في الدين: مما لا شك فيه أن الخوارج كانوا أهل صيام وصلاة وتلاوة للقرآن، لكنهم تجاوزوا حد الاعتدال إلى درجة الغلو والتشدد، فخالفوا قواعد الإسلام، فذهبوا إلى تكفير مرتكب الكبيرة، ومنهم من بالغ في ذلك حتى على كل من ارتكب ذنبا ولو كان صغيرا فإنه كافر مشرك مخلد في النار، إلى أن وصل بهم هذا الغلو والتشدد أنهم كفروا كل من لم ير رأيهم من المسلمين ورموه بالكفر أو النفاق، حتى إنهم استباحوا دماء كل من خالفهم. وهذا الغلو منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى ظُلم العبد نَفسَه وغَيره، وتضييع ما أوجبه الله عليه، وقد يكون ما ضيَّعه أوجب مما غلا فيه، وقد جاء النهي عن الغلو صراحة في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى -: ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) المائدة: 77، وقال - تعالى -: ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) النساء: 171، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إياكم والغلو في الدين)) أخرجه النسائي (3057)، وقال أيضا: (( هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)) أخرجه مسلم في صحيحه (2670).

2- الجهل بالدين: فمن صفات الخوارج الجهل بكتاب الله - عز وجل -، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسوء فهمهم، وعدم إنزال النصوص منازلها الصحيحة، فمن جهلهم بدين الله - عز وجل - أنهم رأوا أن التحكيم معصية تستوجب الكفر، فيلزم من وقع فيه أن يعترف على نفسه بالكفر ثم يستقبل التوبة، وهذا ما طالبوا به عليا - رضي الله عنه -.

قال عنهم ابن حجر - رحمه الله -: إن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال، الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق منه، وكفى أن رأسهم رد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره ونسبه إلى الجور، نسأل الله السلامة (فتح الباري 12/301).

وقال عنهم ابن تيمية - رحمه الله -: هم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل. (منهاج السنة 3/464).

3- شق عصا الطاعة: لا شك أن الخوارج شقوا عصا الطاعة وسعوا في تفريق كلمة المسلمين، ويوضح ذلك موقفهم مع أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، حيث تخلوا عنه وخالفوه في أحرج المواقف وعصوا أمره، وظلت تلك الصفة ملازمة لهم على مدار التاريخ، كل من خالفهم في أمر عادوه ونبذوه حتى إنهم تفرقوا هم أنفسهم إلى عدة فرق يكفر بعضها بعضا، ولذلك كثر فيهم الغارات والشقاق والثورات.

4- التكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: والفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع، أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم. (مجموع الفتاوى 19/73).

فمن ذلك أنهم قتلوا عبد الله بن خباب بغير سبب غير أنه لم يوافقهم على رأيهم، وقال ابن كثير - رحمه الله -: فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم. (البداية والنهاية 3/294).

5- الشدة على المسلمين: غرف الخوارج بالغلظة والجفوة، وقد كانوا شديدي القسوة والعنف على المسلمين، وقد بلغت شدتهم حدا فظيعا، فاستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، أما أعداء الإسلام من أهل الأوثان وغيرهم فقد تركوهم ووادعوهم فلم يؤذوهم، ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء للخوارج في هذا السبيل، وما قصة عبد الله بن خباب ومقتله عنا ببعيد، فمعاملة الخوارج للمسلمين مصحوبة بالقسوة والشدة والعنف، وأما الكافرين، فلين وموادعة ولطف.

أقف عند هذا الحدّ مخافة السآمة والملل من جانب القارئ الكريم، وأكمل في مقال قادم بمشيئة الله - تعالى -إن قدر الله لنا البقاء.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة