قال الله - تعالى -وصف الجماعة المسلمة الأولى في أوج تقدمها ونجابتها في العصر الإسلامي و( يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا )

قال بعض العارفين:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي *** رأوه لما وليت عنا لغيرنا

ولو سمعت أذناك حسن خطابنا *** خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا

ولو ذقت من طعم المحبة ذرة *** عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا

ولو نسمت من قربنا لك نسمة *** لمت غريباً واشتياقاً لقربنا

ولو لاح من أنوارنا لك لائح  ***تركت جميع الكائنات لأجلنا

فما حبنا سهل و كل من ادعى *** سهولته قلنا له: قد جهلتنا

فأيسر ما في الحب للصب قتله *** وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها)) [البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء]

يا الله وجبت لهم الجنة بصلاح أعمالهم والسبق المحمود

لقد تسابق السابقون الأولون في اعتلاء منابر العلو والتمكين عندما تناسوا انفسهم وبذلوها رخيصة لله - تعالى -

حتى إن الله - تعالى - امتدحهم في معرض المدح الرباني

أتدرون عن أي شيء حازوا رضى ربهم؟ وفيما كانت مفاتح علو همم هؤلاء الرهط الإيماني

اذكر لهم من سجلاتهم ما يجعلك تتعجب ويأخذك كل جانب، فقد روى الإمام البخاري عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: ((آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء - رضي الله عنهما -، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل، فإني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم الليل، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي فذكر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق سلمان)).

هذا الأنصاري المقيم على أرض يثرب نورها الله بساكنها - عليه الصلاة والسلام - يقدم عليه المعاجر تارك كل شيء من ورائه في مكة أرض المهجر الأول المال والديار والأولاد وكل حاجياته المادية التي لا غناء له عنها.

باعوا لله دنياهم عازفين عن متع حياتهم الفانية الزائلة الراحلة غير المستقرة

باعوا عرض الحياة بشراء أبدية الآخرة والفوز بالنعيم المقيم هنالك فيما وراء نلك الدار الهاجرة

أذكر أن أعظم الإيثار إيثار آخرتهم ونيل رضى ربهم

فباعوا عاجل دنياهم برضى الله ورسوله

أولًا: الإيثار لغة: مصدر قولهم آثره عليه يؤثره إيثارًا بمعنى فضّله وقدّمه وهو مأخوذ من مادّة "أث ر" الّتي تدلّ على تقديم الشّيء، وفي التّنزيل: (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا)(يوسف/ 91)، وضدّه الأثرة من قولهم استأثر بالشّيء انفرد به أو اختصّ به نفسه وفي الحديث: قال - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: (( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ)) البخاري.

ثانيًا: اصطلاحًا: قال القرطبيّ: الْإِيثَارُ: هُوَ تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَى النَّفْسِ وَحُظُوظِهَا الدنياوية، وَرَغْبَةٌ فِي الْحُظُوظِ الدِّينِيَّةِ. وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ قُوَّةِ الْيَقِينِ، وَتَوْكِيدِ الْمَحَبَّةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَشَقَّةِ. (تفسير القرطبي)

وقد كان هذا الخلق العظيم متأصلا في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، وكان الاتصاف به من أحب الأعمال الصالحة إليهم، يصور ذلك قول علي - رضي الله عنه -: لأن أجمع نفرا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام، أحب إلي من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق رقبة

يابن ودي، يا صاحبي يا رفيقي ** ليس حبي تطفلاً أو ثقالة

فأجبني "بيا أخي" يا صديقي *** وأعد، إنها ألد مقالة

وإذا شئت أن تسير وحيدا *** وإذا ما اعترتك مني ملالة

فامض، لكنما ستسمع صوتي *** صارخا: "يا أخي" يؤدي الرسالة

وسيأتيك أين كنت صدى حبي *** فتدري جماله وجلالة

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلبون داعي الأخوة، ويجيبون أخاهم إذا دعاهم، بل يرون إجابته حقا له واجبا عليهم، يأثمون إن هم قصروا في أدائه، يشهد لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن زياد بن أنعم الإفريقي، قال: ((كنا غزاة في البحر زمن معاوية - رضي الله عنه -، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، فلما حضر غداؤنا أرسلنا إليه، فأتانا، فقال: دعوتموني وأنا صائم، فلم يكن لي بد من أن أجيبكم، لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئا فقد ترك حقا واجبا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه)).

 وإننا لنجد أثر هذا الإيمان وثمرة هذا التمثل في صنيع الأنصار الذين ضربوا المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم، لا يملكون شيئا، فقدم لهم الأنصار كل شيء، حتى كان أحدهم يقول لأخيه: هذا مالي فخذ شطره، وهاتان زوجتاي، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها لتكون زوجة لك بعد انقضاء عدتها، وكان الأخ المهاجر يقابل عاطفة أخيه الأنصاري بأحسن منها، فيقول له: بارك الله لك في مالك وأهلك، ما لشيء من هذا في نفسي حاجة، ولكن دلوني على السوق لأعمل.

وكان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين، وليس في بيته من الزاد إلا قوت صبيانه، فيؤثره على نفسه وعياله، قائلا لزوجه: نومي صبيانك، وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونجلس معه إلى المائدة، نوهمه أننا نأكل معه، ولا نأكل. ويجلسون إلى المائدة، ويأكل الضيف وحده، ويبيت الزوجان طاويين، ويغدو الأنصاري على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول له: ((لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة((.

وقد أكبر المهاجرون صنيع إخوانهم من الأنصار، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كلفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ (1)، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ((لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم)) (2).

وحسب الأنصار ثناء الله عليهم، وتنويهه بحسن صنيعهم، إذ أنزل فيهم قرآنا يتلى، فيحكي قصة إيثارهم الفريد على وجه الزمان، ويخلدهم نماذج واقعية حية رفيعة للتحرر من شح النفوس:
)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، وقال - تعالى -: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات: 37: 41)

  • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: ((ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) (الحشر: 9) البخاري
  • عن ابن أسيد الأنصاريّ- رضي الله عنهما- قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ)) وَاللهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي)) البخاري
  • عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)) البخاري/ (أرملوا) من الإرمال وهو فناء الزاد وقلة الطعام أصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة. "في إناء واحد" أي اقتسموه بمكيال واحد حتى لا يتميز بعضهم عن بعض. "بالسوية" متساوين. "فهم مني وأنا منهم" طريقتي وطريقتهم واحدة في التعاون على البر والتقوى وطاعة الله - عز وجل - ولذلك لا أتخلى عنهم.

بعض الآثار والمواقف الواردة:

  • إيثار الأنصار للمهاجرين - رضي الله عنهم -.
  • عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها- فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت كنت أريده لنفسي فلأوثرنّه اليوم على نفسي. فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. (إحياء علوم الدين)
  • عن حذيفة العدويّ، قال: "انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم. فإذا رجل يقول آه. فأشار ابن عمّي إليّ أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر فقال: آه. فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين" (إحياء علوم الدين)
  • عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأس شاة، فقال: إنّ أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منّا، فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتّى تداولها أهل سبعة أبيات حتّى رجعت إلى الأوّل فنزلت: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) (الحشر/ 9). (الدر المنثور)

ولذا امتدحهم ربهم: (أولئك هم خير البريه) في سورة البينة، وقال عنهم في سورة التوبة: (السابقون الأولون من المهاجرين)، وقال عنهم: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، وقال عنهم في سورة الواقعة أوصافاً رفيعة لثلة مباركة نالوا الشرف وعلو الدرجات.

هؤلاء هم ركب الناجين المفلحين ممن ثبتوا على منهاج التقى والعفاف على عهد النبي والصحب الكرام ولن نجد مثالاً يستوجب الاشادة من باب وذكر كما الإشارة إلى سيدنا محرر سيدنا يوم الهجرة الكبرى من مكة إلى المدينة حيث الوقوف وجها لوجه وفاء وإخلاصاً كما طبقه الصديق الصدوق أَبُو بكر الصّديق - رضي الله عنه - هُوَ عبد الله بن أبي قُحَافَة عُثْمَان بن أبي عَامر وَفِي مرّة وَهُوَ الْجد السَّادِس مِنْهُ يلتقي مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأمه سلمى بنت عَم أَبِيه وَكَانَت وِلَادَته بعد سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر من قدوم الْفِيل وَهُوَ أول من أسلم من الرِّجَال، وَأسلم أَبوهُ عَام الْفَتْح وسنه يقرب من الْمِائَة وَقد كف بَصَره وَمَات أَبُو بكر فِي حَيَاته وَأعَاد السدد على أَوْلَاده وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة لتسْع بَقينَ من جمادي الْأَخير ثَلَاث عشرَة وَسنة وَمِنْه ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَكَانَت ولَايَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر إِلَّا خمس لَيَال وَهُوَ أفضل النَّاس بعد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -  رمز الثبات والمعاونة والمؤازرة وحمل هم الدعوة الإسلامية وفاء بوفاء وحبا بحب.

أعطى من مال الله الذي أعطاه ما أعطى، جبر خاطر النبي بفضائل الأعمال، وأثنى الله عليه أيما امتداح هذا في القديم، وفي زماننا زمان الانكسارات وغرائب الصنائع نذكركم بالشاب المسلم الملتزم الذي كان يعمل في متجر يهودي بباريس واسمه عمر باثيلي المولود في دولة عربية تدعى مالي وعمره 24 عاماً واستطاع هذا الشاب أن يقوم بعمل بطولي أذهل به العالم الغربي حتى استحق أن ينال الجنسية الفرنسية عن جدارة عندما أنقذ جمع من الزبائن الذين كانوا يترددون على المتجر.

وفي تصريحات أدلى بها قناة “بي إف إم” الفرنسية،، ذكر الشاب البالغ من العمر 24 عاماً: “لقد نزعت سلك المبرد، وفصلت عنه التيار الكهربائي، بل وفصلت التيار الكهربائي عن المخزن تماما، وطلبت من الأشخاص الذين وضعتهم في المبرد أن يلتزموا الهدوء، وألا يحدثوا أي صوت، وقلت لهم إنني سآتي إليهم ثانية لأنقذهم.

هذا الشاب المسلم لم تأخذه العزة بالإثم وقال: ليس لي دخل وهم مخالفين لي في عقيدتي فليذهبوا أدراج الرياح، إن الشاب من وحي عقيدته استطاع أن يحيي أنفساً عندما حماهم من القتل ممن أرادهم بسوء، والمسلم الذي تربى على هدي الإسلام، وارتوت نفسه من معينه الطهور، حريص كل الحرص على نفع الناس في مجتمعه، ودفع الأذى عنهم؛ ذلك أنه بحكم تكوينه وتنشئته على مبادئ الحق والخير والفضيلة غداً عنصراً بناءً فعالاً نافعاً، لا يطيق أن يرى الفرصة متاحة لفعل الخير ولا ينتهزها، وإنه ليعلم أن فعل الخير يؤدي إلى الفلاح: )وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1).

إنه ليسارع إلى فعل الخير، واثقا بمثوبة الله له في كل خطوة يخطوها في فعل الخير:
"كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين (2) صدقة، وتعين الرجل
في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة".

الشاب المسلم آثر لهم حقاً في الحياة فوقف بجانبهم حتى يحيوا حياتهم بدون عنصرية تقهرهم ولكاتب المقال رأي: اذا كان هذا مثل وخلق المسلم فلم قام هذا الشاب المسلم بحفظ حق الحياة للآخرين وهم يخالفونه في العقيدة؟ ومن أين أتى بما فعله دفعاً لحماية الأنفس من القتل أو حتى باعرض اليهم بسوء وفي المقابل هنالك أشباههم من المسلمين يسامون العذاب ويضطهدون كما في بوروندي والفلبين وبورما وغيرها من البلدان.

ليسوا سواء ولا توجد أي أوجه للشبه ولا للاختلاف بين من يقتل ويسحق حقوق الناس ليل نهار وتباد من على وجه البسيطة مسلمون إن شريعة القتل صناعة الغرب منصوبة كفخاخ للمسلمين وحدهم وإلا فلماذا دائماً صوت المستضعفين هو الصوت الإسلامي فقط.

دمعت العيون طويلاً وهي تتجرع خارطة الأمة كلما يمنت أو وليت بوجهك في كل اتجاه فلم أجد إلا السعار والشنار في بلاد المسلمين وحدهم ناهيك وناهيك عن ويلات والقوم لازالوا ساهون لاهون وقد اقتربت منهم الطامة الكبرى

المارد يتلاعب بأمتنا في كل وقت

هذه نفثات ملكوم لهموم الأمة التي لا تهدأ ولا ترقأ إطلاقاً.

يمكن الاستزادة بإحالتكم الى مصادر:

 الحج: 77.

(2) أي تصلح بينهما بالعدل.

(3) متفق عليه.

شخصية المسلم كما يصوغها الإسلام في الكتاب والسنة بقلم الدكتور محمد علي الهاشمي دار البشائر الإسلامية

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة