هل نحن أهل لنصر الله؟!
عدد القراءات : 60

منذ استكمال الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - مراحل تأسيس دولته الإسلامية الوليدة، بعد هجرته من مكة إلى المدينة، على الإيمان والتوحيد لله - تعالى -، وعلى العدالة والكرامة والإنسانية، ومنذ أن عمل أصحابه من بعده وخصوصاً الخلفاء الراشدون على توسعة هذه الدولة حتى وصلت حدودها أقاصي الشرق والغرب....... والمسلمون في كل مكان يحلمون بعودة هذه الدولة، ويأملون باسترجاع ذلك العز والمجد، الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا أو قرينا.

ومع صعوبة استنساخ ذلك النموذج الفريد، الذي صنعه رسول الله بيديه ورباه على عينيه، إلا أن المسلمون في هذه الأيام يكتفون باستعادة ملامحه ومبادئه، لعل العدل يحل محل الظلم والقهر، ولعل الحرية تأخذ مكان الاستبداد التي أذل العباد وأوهن البلاد.

ولكن السؤال الذي كان يراودني دائما ويلح علي وما زال: هل نحن أهل لنصر الله - تعالى -الذي وعد به عباده المؤمنين؟؟!! فنحن المسلمين أمام خيارين لا ثالث لهما في موضوع النصر والهزيمة، إما أن نكون مع الله - تعالى -ومع دينه وشريعته كما يريد مع تهيئة القوة المستطاعة التي ذكرها الله - تعالى -في القرآن بقوله (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ) الأنفال/60، وعندها فالنصر حليفنا لا محالة طال الزمن أو قصر، وإما أن لا نكون كذلك، فيذرنا الله - تعالى -لأنفسنا، فتكون الغلبة خاضعة للأسباب الدنيوية المعروفة، ألا وهي موازين القوة المادية فحسب.

فإذا استبعدنا خيار الاعتماد الكلي والمجرد على القوة والعدة والعتاد فحسب نظراً لأسباب مختلفة، لم يبق أمام المسلمين إلا خيار الرجوع إلى الله - تعالى -، والتمسك بحبله المتين، ونصر الله - تعالى -ليستحق المؤمنون نصره وتأييده كما وعد - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/7

قال السعدي في تفسيره: "هذا أمر منه - تعالى -للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم". ص785

وهذا لا يعني بأي حال من الأحول ترك محاولة اللحاق - قدر الإمكان بركب التقدم العلمي العسكري والقوة الهائل الذي وصل إليه أعداؤنا، الأمر الذي يحتاج بلا شك إلى وقت طويل وجهد وعمل دؤوب وشاق.

إن كثيراً من المسلمين اليوم ينتابه بعض الشك والريبة في تطبيق المسلمين لشرع الله - تعالى -كما يريد، والتزامهم بأوامره ونواهيه على النحو الذي يستأهلون معه النصر والتأييد، ويعتمل فيهم ذلك الشك وتلك الريبة إلى درجة الحيرة والقلق والخوف من عدم تطبيق موعود الله لنا، لأنه ببساطة شديدة، الطريق الوحيد للوصول إلى النصر والتمكين.

ولا يظنن ظان أن ذلك الشك ناجم عن سوء الظن بالمسلمين، أو عن تفسيقهم أو إخراجهم من دينهم لا قدر الله، ولكنه ناجم من دقة القانون الإلهي في موضوع النصر والهزيمة، وحساسية تلك السنة الإلهية التي لا تحابي أحدا ولا تجامل بشرا، فهي تسري على الجميع دون استثناء أو تمييز.

إن حادثة واحدة من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يمكن أن تكشف لنا مدى حساسية تلك السنة الإلهية ودقتها، وعدم محاباتها ومجاملتها لأحد مهما كانت منزلته ومكانته عند الله - تعالى -، إنها حادثة مخالفة الرماة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد.

تلك المخالفة الوحيدة ضمن سلسلة من الطاعة والالتزام بأوامره - صلى الله عليه وسلم - قبل الغزوة وأثناءها، كان لها من الآثار ما يعلمه كل من قرأ السيرة النبوية والغزوات، من هزيمة المسلمين بعد نصر مؤكد ومحقق، واستشهاد سبعين من خيرة أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، بل وإصابته - صلى الله عليه وسلم - بجروح بليغة في وجهه ووجنتيه وقدميه، حتى سال الدم غزيرا منه - صلى الله عليه وسلم -، ناهيك عن الجروح البليغة بأجساد كثير من أصحابه الكرام.

فإذا كان قانون الله - تعالى -لم يحابي المسلمين وفيهم ومعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لمجرد مخالفتهم بندا وأمرا من أوامره - صلى الله عليه وسلم -، ومن المعلوم أن أوامر الرسول هي أوامر الله - تعالى -، مما يعني أن أي مخالفة لمنهج الله - تعالى -من عباده، قد تكون سببا لعدم تحقيق وعده لهم بالنصر والتمكين، فكيف بنا ونحن قد أكثرنا من الثغرات والأخطاء والتجاوزات لمنهج الله - تعالى -وأوامره ونواهيه.

ولكن خوفي ووجلي من تلك التجاوزات والأخطاء التي قد تمنع أو تأخر اقتراب نصر الله - تعالى -لعباده المؤمنين، يدفعها فضل الله - تعالى -وكرمه ومغفرته المأمولة فيه - سبحانه -، كما يدفعها مبالغة طغاة وعتاة اليوم، في ظلمهم وتعاليهم على مولاهم وخالقهم، الأمر الذي يغرينا بتسريع عقوبة الله - تعالى -لهم وانتقامه منهم، نصرة لدينه وللمظلومين القهورين من عباده في الأرض.

ولكني أعود فأقول: إن المعركة التي يخوضها المسلمون اليوم ضد الطغيان في أكثر من مكان، لا ينبغي أن تنسينا المعركة الأهم والأخطر، ألا وهي معركة الفكر والعقيدة الصحيحة والالتزام بشرع الله - تعالى -ودينه، التي تعزز وتسرع في استجلاب نصر الله - تعالى -وتأييده، وتجعل المعركة أكثر وضوحا وشفافية

وإذا كان الله - تعالى -قد قدر أن تسبق الثانية الأولى لحكمة بالغة يعلمها الله، فلا أقل من مواكبة معركة تصحيح الفكر والعقيدة عند المسلمين بمعركة القوة، فعقيدة بعض المسلمين التي أصابها بعض الوهم والخرافة والبدع والغشاوة، تحتاج إلى تصحيح، ومعاملات المسلمين التي غلب على بعضها الغش والخداع والكذب والتضليل، تحتاج إلى تقويم وتعديل، وأخلاق المسلمين التي اعتراها الضعف والوهن والتقزيم، تحتاج إلى إحياء وتجديد، وعبادات المسلمين التي أصبحت عادات وأشكال لا تنبئ عن مضمونها وجوهرها، تحتاج إلى صقل وإخلاص وتجريد..... إنّ كل ذلك بالفعل يستأهل ويحتاج لخوض معركة لا تقل أهمية عن المعارك الأخرى

والبدء بهذه المعركة والعمل بها من الآن، خير من انتظار النصر المتوقف على استكمال أسبابه وموجباته مجتمعة غير ناقصة، فقد كان دأب السلف الصالح إذا خرج منهم جيش، هو زيادة التزام أهل المدينة القاعدون بشرع الله - تعالى -ودينه، وانشغالهم بالعبادة و الدعاء والابتهال إلى الله - تعالى -حتى يأتي البشير بخبر ونبأ النصر المأمول، فالقتال في ساحات القتال يرافقه دعوة ودعاء والتزام من أهل المدن والبنيان، لاستكمال أسباب النصر وموجباته.

فهلا فعلنا ذلك ودعونا الآخرين له، لنكون أهلا لنصر الله وتأييده الذي وعد به من ينصر دينه من عباده المؤمنين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة