خطة الأمة الإسلامية في مواجهة عولمة الإعلام العالمي
عدد القراءات : 648

تشكل العولمة وتوابعها في عصرنا الراهن تحدياً كبيراً للنظام الإعلامي الجديد ومنها التحدي الإعلامي في منطقة الخليج في وقت باتت النظم المعلوماتية أحد أهم ركائز العولمة التي ما برحت تتوسع وتهيمن على كل الجوانب الحياتية للإنسان سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو غيرها من الجوانب التي لا نستطيع حصرها في هذه الورقة لشمولية معطياتها المتعددة.

ولا شك أن قضية التحدي الإعلامي في وقتنا الراهن تعتبر مسألة هامة، تستدعى المراجعة والتقييم وبلورة الوسائل الجديدة، لهذه المرحلة التي باتت من الخطورة ما يحتم أن تكون لنا معطيات ومنطلقات تخدم هذه المرحلة بكل تحدياتها الراهنة والمستقبلية في ظل الضغوط الخارجية والتحديات المقبلة التي أصبحت تفرض قسرا وليس اختيارا ذاتيا خاصة أن منطقة الخليج محط الأنظار والتوجسات من الآخر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001.

فلا يكفي التحذير والتخويف والتنظير الكلامي غير الواقعي لمواجهة التحديات وإنما يجب أن تتم برسم الخطط وإيجاد الوسائل الحديثة وإعداد البرامج الأكثر جاذبية وتشويقية تخدم قضايا المجتمع، وتناقش مشكلات المواطن وهمومه بصراحة وحرية بعيدا عن المبالغة والتهويل أو البتر والتحوير لأن مرحلة التحدي الفضائي ومخاطره الثقافية والفكرية وحتى الاجتماعية تستدعي- كما قلنا- إعطاء روح جديده للوسائل الإعلامية العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص.

نحن لا نتحدث عن توقع أو خيال وإنما نتحدث عن واقع وحقائق قائمة حيث تستباح مجالات الفضاء بصورة نهائية، ويسيطر الأقوى تكنولوجيا على فكر العالم وعقله، فتسهل عليه في كافة الشؤون الأخرى في الوقت الذي يصبح فيه العالم النامي عديم الحيلة أمام تلك القوى التي تمتلك الوسائل وأساليب الدعايات العديدة.

وسوف تضطر هذه الدول إلى فتح أبوابها على مصراعيها أمام هذا التطور المفروض بمنظمة التجارة العالمية "الجات" تحت مسميات دعم التفاهم بين الشعوب وتقديم الثقافة والفكر لبلورة حوار الحضارات والتواصل الإعلامي الجديد وتعميم التكنولوجيا والمعلوماتية "الإنترنت" عبر الفضاء.

فلا مفر من التعامل مع هذا الواقع الفضائي وهذا الاختراق الثقافي الجديد بكل إمكانياته الرهيبة. فالهروب والعزلة أو الاعتزال عن المواجهة معناه إننا نخسر مواقع جديدة وأرضية يمكن كسبها فيما لو قبلنا التحدي بشجاعة المواجهة وبجدية المصارحة في تناول قضايانا ومشكلاتنا عبر وسائل التقنية الفضائية وهذا هو "مربط الفرس" كما يقول المثل العربي.

من المؤكد أن من أكبر الفتن التي غزت كل بيت هي الموجة الإعلامية، من تليفزيون، وصحيفة وشريط فيديو، وشريط سماع، وما يتصل بها، وكل هذه الوسائل الإعلامية ليست حرامًا بذاتها، فهي أجهزة صالحة للاستخدام في الخير أو الشر، وبسبب أن معظم من يتحكم بهذه الأجهزة هم من أصحاب الأهواء، والأغراض الخبيثة في تدمير أخلاق وقيم المجتمع الإسلامي، وبخاصة الأسرة المسلمة فإن معظم ما يعرض في هذه الوسائل سموم يراد منها تحطيم القيم التي جاء بها الإسلام، ونشر قيم جاهلية لا تتصل بواقع الأمة الإسلامية، بل هي الغثاء الذي يعيش فيه المجتمع الغربي، ولا شك أن التحدي الإعلامي والذي يسيطر على الكثير من أجهزته أعداء الله في كل مكان، هو من أكبر التحديات إذا لم يكن هو الأكبر للأسرة المسلمة، فالأب أو الأم كلما أعطيا قيمة من القيم، أو خلق من الأخلاق إلا وحطمه ألف معول إعلامي يراه ويحتك به ويسمعه الطفل كل يوم من خلال التلفزيون والمذياع والصحف، حتى في البرامج التي تخص الأطفال فإنها لا تخلو من تحطيم تلك القيم الإسلامية.

هذا التناقض المريع.. أو هذا التمزق بين ما يقال عن الإسلام، وما نراه في الحياة العامة، قد أفسد الشخصية الإسلامية وبالتالي لم نستطيع الحضارة الإسلامية.. وقد حدث هذا في غياب التخطيط الشامل لصنع الشخصية الإسلامية، فليس هناك إلزام من قبل السلطات لأى منحرف كي يعود إلى الطريق الصحيح وليس هناك تنسيق بين ما يقال هنا، ويقال هناك، أو يكتب على تلك الصفحات وما يكتب في غيرها فبعد الحديث الديني مثلاً، قد يقدم المذيع أغنية خليعه، أو رقصة مثيرة، أو قصة سينمائية شاذة تمجد أفكار وتصرفات تتناقض تمام التناقض مع التصور الإسلامي للكون والحياة والناس..

علينا اليوم أن نتعامل مع البث المباشر بطريقة جادة وموضوعية تضع في الاعتبار قوة الغرب التقنية والقوة في الصناعة الإعلامية بما يحقق التأثير

بل لا نغالي إذا قلنا أنه أخطر العوامل المؤثرة فيها سواء كان الأمر يتعلق بالأجهزة أو بالمواد الإعلامية التي تنتهجها تلك الأجهزة، فالذي يملك التكنولوجيا المتقدمة لنقل أفكاره وآرائه ومبادئه ـ كما يقول د/ محمد عبده يماني ـ هو الذي تكون له في النهاية الغلبة في الميدان الأيديولوجي ذاته، حيث تسود مبادئه وقيمه مهما يكن الرأي فيها ومهما يكن جوهرها.

ثم أخذنا من الجانب الأخر الضعف الكبير لوسائل الاتصال في العالم العربي والإسلامي وتفشى الأمية فيه فإنه يمكن التأكيد أن الفكر والثقافة المحلية سيكونان في خطر كبير هو الأمر الذى قد يؤدي إلى تحقيق التبعية وهذا هو من أهم أهداف البث المباشر وإذا تتبعنا بدايات هذا النوع من البث خلال الأعوام القريبة الماضية نجد أن شبكة البرامج الدينية التي تشرف عليها الكنائس شبكة البث المسيحي وشبكة "CBN" قد بدأت فعلاً بثها المباشر من خلال القمر الصناعي وهذه دلالة واضحة على بعض أهداف البث المباشر يقول الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع:

إن مواجهة خطر البث المباشر يتطلب من الدول الإسلامية ممثلة في منظماتها المتخصصة ضرورة الإسراع في وضع خطة لتحصين الأمة الإسلامية من الآثار الخطيرة التي سوف تترتب على هذا البث وذلك على النحو التالي.

  1. ضرورة إعادة النظر في البرامج الإعلامية في الدول الإسلامية لتكون أكثر تأثيراً من الإعلام في العالم أجمع ولذلك يجب أن يكون الإعلام الإسلامي إعلاماً متحركاً يؤمن بالترويح للرأي والرأي الآخر ويضمن الحوار وينتج الفرصة للنقاش ويترك الفكر يعمل في عملية النقاش حدود القيم الإسلامية.
  2. يجب إعداد برامج تصلح للعرض عبر الأقمار الصناعية تعكس الجوانب المشرفة للذين الإسلامي لأنه كان ولا يزال وسيظل نقل حضارية لأنه قدم للمجتمع الإسلامي العقيدة التي قيمت عقول أبنائه ونفوسهم على قيم جديدة غير القيم التي كانوا عليها وبدل من نظمهم السياسية والاجتماعية وجعل منهم أخوة متساوين لا يفصل منهم الواحد على الأخر إلا بمقدار ما يمتاز عليه من وحى للعقيدة... الخ.
  3. يجب أن يبرز إعلامنا الإسلامي فلسفة التضامن الإسلامي والقيم الإسلامية وأن يعرض قضاياه الاجتماعية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية التي تمنع الوقوع في حبائل الإعلام الخارجي.
  4. أن يسهم الإعلام الإسلامي في تعريف كل مسلم قضايا أمته وانشغالاتها بدلا من الاهتمام بقضايا العالم الغربي الذى فرض اهتماماته وقضايا على أمتنا الإسلامية لفضل جهازه الإعلامي المؤثر.
  5. أن تعمل برامج إعلامنا الإسلامي على مناهضة التيارات الهدامة والاتجاهات الإلحادية والفلسفات المعادية ومحاولات صرف المسلمين عن عقيدتهم وكشف زيفها وإبراز خطرها على الأفراد والمجتمعات والتصدي للتحديات الإعلامية المعادية.

ومن هنا علينا أن نسارع بالمواجهة فالواقع الحالي الذى يفرضه النظام الدولي الجديد ولا سيما في المجتمعات الغربية التي تعيش في ظل أنظمة ليبرالية حرة نهيئ مناخاً صالحاً وتربة خصبة تتيح أوسع الفرص للدعوة الإسلامية لكى تمارس نشاطها بفاعلية وتضطلع بدورها بسلامة دون عوائق أو معوقات فقط نحتاج التخطيط والإعداد الجيد المدروس علينا أن نواجه هذا البركان الإعلامي الذى يطل علينا ويدخل علينا بدون استئذان وبلا رقيب المواجهة بالبث المضاد بالتوجيه السليم والإرشاد القويم.

ومن ثم كان من الضروري على حد تعبير الأستاذ / نجيب الكيلاني ـ أن تخضع وسائل الإعلام كافة لهيمنة الفكر الإسلامي والتخطيط للإسلام، وأن يقوم بالتنسيق فيها فئة من الرجال المؤمنين الواعين الذين يعرفون الإسلام معرفة جيدة، بالإضافة إلى إلمامهم بالوسائل الحديثة في الدراسة والتخطيط والتربية والعلم النفسية ولابد أن يكون هناك ترابط بين البرامج الدينية البحتة وغيرها من برامج الفنون والآداب والعلم والدراما والأغاني وغيرها حتى تكون تلك الفروع كلها دعامية للقيم الإسلامية الخالدة...

التحدي الثالث: الواقع المعيشي: عندما تسير الأسرة المسلمة بهذه الخطوات الثابتة نحو طريق الحق، فإنها تفتن بفتن كثيرة، ومن هذه الفتن: قلة الرزق، أو هو الفقر الذي كان يقول عنه عمر - رضي الله عنه -: 'لو كان الفقر رجلاً لقتلته'. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله منه، ويقرنه بالكفر فيقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ)) رواه أبوداود والنسائي وأحمد. ومع أن الرزق من أول ما يكتب على الإنسان إلا أن أكثر ما يجزع عليه الإنسان هو الفقر ففي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ...)) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد.

إن المرجعية في هذا الموضوع: هي التشريع الإسلامي الذى يعلم البادي فيه صالح عبادة، دون تشريع أو قانون سواه حيث يقول عز من قائل: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين أراد أن يتم الرضاعة) (البقرة: 222) مع قوله: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) (الأحقاف: 15)

مما حدا بعلماء الإسلام أن يبحثوا عن حكم وكيفية ضبط النسل في هذه المدة التي حددتها الآيات لرضاعة الصغيرة، وهى: 21 شهراً أو 24 شهراً كما تفيد الآيات السابقة حتى لا يضار الصغير بسبب حمل أمه أو تضار أمه بسبب الحمل بغيره خلال مدة رضاعته، فذلك مبسوط في كتب الفقه... كما يقول - سبحانه - في أسلوب يدل على أنه لم يتحكم في هذا الرزق سواه: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (الذاريات: 22)

وإزاء حسن استخدام ما أودع الله لعباده في الأرض من كنوز وثروات، أمر - سبحانه - باستخراجها والانتفاع بها حيث يقول - تعالى -: (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) (طه: 6)

فقد ذكر - سبحانه - في الآية ملكيته - عز وجل - لما في السموات أولاً، ولما في الأرض ثانياً، ولما بينهما ثالثا وهذه هي القسمة العقلية للكون وما فيه بيد أنه - سبحانه - قال بعد ذلك: (وما تحت الثرى) والثرى هو التراب والمعنى: له ما في باطن الأرض.

السؤال الذى يفرض نفسه هنا: لم خص الله (ما تحت الثرى) بالذكر مع أنه داخل ضمن قوله (وما في الأرض).. ؟؟

وقد أجاب العلماء على ذلك بقولهم: كان ذلك ليبين المولى لعباده أنه خبأ لهم في باطن الأرض من الكنوز والخيرات ما يكفى لأهل كل بلد وزمن أن يعيشوا كلهم.. مهما كان عددهم.. ومهما كثر نسلهم ومن جهة أخرى أنه أمهم بعمارة الأرض واستخراج كنوزها للانتفاع بها حيث يقول: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) هود: 61

أي طلب منكم عمارتها وإصلاحها واستخراج خيراته وهذا هو موقف الإسلام باختصار شديد... ولو أن أهل العالم الثالث ومعظمه دول إسلامية جعل مرجعيته في هذا الموضوع هو "الإسلام ومبادئه": لأراح واستراح وما وصل الحال معه إلى أسوأ حال... كما نرى.

===========

يمكن الاستزادة بالرجوع إلى كلمل دراسة الكاتب بمؤلفه

مفاهيم اسلامية في محيط الاسرة والمجتمع، وهو كتاب يمكن الرجوع إليه

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة