الدعوة إلى الله والحاجة لتطوير الوسائل والأساليب الدعوية في عصرنا الحاضر
عدد القراءات : 1373

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

مما لا ريب فيه أن الدعوة إلى الله - عز وجل - من أعظم وأشرف المهام والوظائف؛ وذلك لأن الله - عز وجل - جعلها في هذا المقام، قال - تعالى -: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) فصلت: 33، ولأنها من وظائف الأنبياء والمرسلين، ومن المعلوم أن الأصل في وسائل وأساليب الدعوة إلى الله - عز وجل - الإباحة، إلا إذا ورد نص بمنعها.

ولا شك أن عصرنا الحاضر تشتد فيه الحاجة إلى الدعوة إلى الله - عز وجل -، وإلى تطوير وسائلها وأساليبها؛ حتى تواكب التطور الظاهر، وحتى نقابل بها سائر أنواع الدعوات الباطلة.

لذلك وجب على الدعاة أن يستخدموا شتى الوسائل والأساليب المشروعة في الدعوة إلى الله - عز وجل-.

والدعوة إلى الله - عز وجل- من أفضل الأعمال، وأقرب القربات، وأوجب الواجبات، بعث الله - عز وجل - صفوة خلقه من الأنبياء والرُّسل - عليهم الصلاة والسلام - للقيام بها، ووعد القائمين بها أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلاً في الدنيا والآخرة، بل إن الله - عز وجل - جعلها شعارًا لأتباع الرسل - عليهم الصلاة والسلام-.

فالحرص على هداية الناس له فضل عظيم، لا سيَّما إذا هدى الله على يدك أحدًا، يدل لذلك ما ثبت عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي - رضي الله عنه - لما أعطاه الراية يوم خيبر: (( أنفذ على رسلك؛ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا، خير لك من أن يكون لك حُمر النعم)). أخرجه البخاري (4210)، ومسلم (2406).

ومما يدل على أهمية الدعوة إلى الله - عز وجل - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لنا أن من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله؛ فقد روى ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من دلَّ على خير، فله مثل أجر فاعله)). أخرجه مسلم في صحيحه (1893).

ومما يؤكد أهمية الدعوة إلى الله - عز وجل - أن القرآن الكريم مليء بالأمر بها، أمر الله بها نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى -: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125، و قال - تعالى -: (وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم) الحج: 67، وقال - تعالى -: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أُنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين) (القصص: 87)، وقال - تعالى -: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) ( المائدة: 67).

وأمر الله بها هذه الأمة، قال - تعالى -: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران: 104.

الحاجة لتطوير الوسائل والأساليب الدعوية في عصرنا الحاضر: "مستفاد من: الدعوة الإسلامية والحاجة لتطوير الوسائل، طارق السيد".

لا يخفى علينا جميعاً أن في عصرنا الحاضر اشتدّت حاجة الدعوة إلى تطوير وسائلها وأساليبها؛ حتى تواكب التطور الظاهر، وحتى نقابل بها الدعوة التنصيرية والإباحية وسائر أنواع الدعوات الباطلة. والواجب دائماً في مثل هذه الحالات مقابلة الباطل بجنسه ونوعه من الحق حتى يُرد ويُبطل.

لذلك وجب الاستفادة من الوسائل والأساليب المعاصرة في الدعوة إلى الله تعالى، دون المساس بالشريعة الإسلامية ومخالفتها وتعدي حدودها؛ لأن المواكبة تكسب الإنسان مساحات واسعة في الدعوة وتعينه في الوصول إلى قلوب وآذان الناس بسهولة ويسر مع المحافظة علي شخصية المسلم الاعتبارية.

والقارئ لسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب قومه وأهله في مكة بالأسلوب الذي يتناسب مع الوضع القائم في أول نزول الوحي، فكان الخطاب عن طريق الدعوة السِّرية بما يصون مسيرة الداعية، ولذلك أمره - تعالى -بالصبر، وكان تحركه وخطابه وسط الذين تربطهم به صلات، مثل: زوجته ومولاه وربيبه وصديقه، وكل من يطمئن إلى أنهم يكتمون سره، ولا شك أنّ طابع السرية كان أمراً لازماً، حيث ساد الطغيان وسيطر أهل الشرك، واستحالت الحجة بالحجة وقوبل الرأي بالتعذيب والإرهاب.

ثم كانت مرحلة الجهر بالدعوة متناسبة مع تطورات الوضع وزيادة الأتباع، وكان الخطاب أولاً للأقربين، امتثالاً لأمر الله - سبحانه -: (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء: 214.

وفي مرحلة تالية كان الخطاب جامعاً لأهله وعشيرته ومواطنيه من أهل مكة، حيث صعد الصفا ودعاهم إلى الله وهكذا جاء الخطاب الدعوي على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفق مقتضيات المرحلة التي تعيشها الدعوة من جانب، ووفق طبيعة الجمهور المستهدف من جانب آخر بالوسائل التي تناسب الواقع والمجتمع.

فخطاب الأقربين من الأهل والأصدقاء تميز بالسرية والدعوة لحمل أمانة المسؤولية، بينما الخطاب الجماهيري للمجتمع المحلي جاء مقروناً بإثارة العاطفة نحو الأخذ بالدليل والبرهان الثابت، استفادة من مفاهيم مسبقة يحملها المستَقْبِل للرسالة عن مُبلّغ الرسالة نفسِه.

وجاء الخطاب النبوي لغير العرب خارج الجزيرة العربية متسقاً مع طبيعة المخاطبين، ففي أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية بدأ في مكاتبة الملوك يدعوهم للإسلام، ويوم أنْ علم - صلى الله عليه وسلم - بأنّ أمثال هؤلاء الملوك لا يقبلون خطاباً ليس عليه خاتم، اتخذ - صلى الله عليه وسلم - خاتماً من فضّة نقشت عليه محمد رسول الله، واختار من أصحابه رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى هؤلاء الملوك، وكان ذلك في السنة السابعة من الهجرة قبل خروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر كتب إلى: النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس ملك مصر، وإلى كسرى ملك فارس، وإلى قيصر ملك الروم. وكانت معظم هذه الرسائل تبدأ بالتعريف بالرسالة وحاملها ومبلغها، ثم تدعو المرسل إليه إلى اتباع هذا الدين بما يعود عليه بالسلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

من خلال هذه المؤشرات السريعة نلمس حرص الهادي الأمين على اتخاذ الأسلوب الأمثل الذي يصب في صالح مسيرة الدعوة الجديدة وتفسح مجالاً أرحب لنمو الدولة الوليدة.

فالدعوة الإسلامية في حاجة دائمة مستمرة إلى اجتهاد مواكب متجدد، باعتبار أن القضايا الدعوية متجددة، والوسائل كذلك تكون متجددة، أو يجب أن تكون متجددة، وذلك بحسب المقاصد والأهداف الدعوية التي لا شكّ تتجدد وتتنوع بموجب الزمان والمكان والحال والبيئة، ولذلك كانت الحاجة إلى نوع الاجتهاد الدعوي المتجدد والمواكب للتغيرات البيئية والدولية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وما ينتج عن ذلك من تغيّرات في قضايا الأمة الأمنية والاجتماعية والسياسية والدينية لا يخفى على متبصّر يدعو إلى الله على بصيرة، لكن هذا الاجتهاد الدعوي يحتاج إلى قواعد؛ لكي يحقق الأثر المطلوب ولا ينحرف الدعاة عن المنهج بحجة مصلحة الدعوة.

ومن أبرز هذه القواعد التي يجب أن تراعى:

أولاً: لا يجوز استخدام وسيلة للدعوة مهما كانت الظروف إذا منعتها الشريعة المباركة، ولا يمكن تجاوز الشرع فيها بدعوى المعاصرة.

ثانياً: إذا لم يرد نص بحرمة وسيلة معينة، جاز استخدامها الأمر الذي يؤكد قدرة الشريعة على استيعاب المستجدات، ويؤكد ذلك على ضرورة المعاصرة والمواكبة.

ثالثاً: أصالة الدعوة لا تعني رفض الجديد والحديث من الوسائل مادام أن النص الشرعي لا يمنعها.

رابعاً: التجديد ومواكبة العصر لا تعني بأي حال تجاوز الشرع في اختيار الوسائل كما يفعل العلمانيون.

ومما لا شك فيه أن الوسائل الدعوية في هذا الزمن تعددت، وكثرت وتنوعت قال سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: وفي وقتنا اليوم قد يسر الله - عز وجل - أمر الدعوة أكثر بطرق لم تحصل لمن قبلنا، فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر من طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة؛ عن طريق الإذاعة، وعن طريق التلفزة، وعن طريق الصحافة من طرق شتى.. أ. هـ (الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة. ص: 14).

فوسائل الدعوة المعاصرة عديدة، ولا تتوقف على حصرها في الصحيفة السيارة، والمجلة المتخصصة، والكتاب المتداول، والإذاعة المسموعة، والشاشة المشاهدة في البيوت، أو دور العرض العامة، أو الرسائل الكتابية، والمحادثات، والمسرح، والحوار، والتبليغ، والمهرجان، والشبكة العنكبوتية وغيرها الكثير.

وتعتبر هذه الوسائل المعاصرة من أهم مصادر القوة في عصرنا؛ لذا ينبغي على الداعية إلى الله - عز وجل - أن يكون على دراية تامة بهذه الوسائل، وكيفية استخدامها في الدعوة إلى الله ؛ حتى يتمكن من تحقيق أهدافه.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة