الحمد لله، والصلاة والصلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين..

أما بعد: مما لا ريب فيه أن الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، ربط الله - سبحانه - بينها وبين الصلاة في كثير من الآيات، قال - تعالى -: ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) البقرة: 43

وجعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أساسيات الدعوة إلى الإسلام فقال: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)) (أخرجه البخاري في صحيحه رقم (25)، ومسلم في صحيحه رقم (22)..

ولقد جعل الإسلام الزكاة محك الإيمان، وبرهان الإخلاص، وهي فيصل التفرقة بين الإسلام والكفر وبين الإيمان والنفاق، وبين التقوى والفجور.

والزّكاة لون من ألوان العبادات الّتي فرضها الله - تعالى -ورتَّب عليها آثارًا اجتماعية كبيرة، من عطف ورحمة ومحبّة ومودّة وإخاء وتعاوُن وتآلف بين أفراد المجتمع المسلم..

فالمسلم وهو يُخرِج زكاة ماله طواعية، يشعر بأنّه يُسَاهم في بناء المجتمع، ويعمل على إسعاد أفراده لأنّه ساهَم في ضمان عوامل استقراره، وأنّ هذا المجتمع يستفيد من وجوده.

لقد سدَّ الله بالزّكاة جوانب عديدة في المجتمع، فاليتيم الّذي لا أهل له ولا مال له، والفقير الّذي لا يجد له ولا لأسرته ما يَسُد حاجتهم، والمدين الّذي أثقلت كاهله الديون، كلّ هؤلاء ينتظرون من الأغنياء أن يعطوهم من مال الله الّذي آتاهم، قال - تعالى -: ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج 24، 25.

ولا يخفى على كلّ ذي لب أنّ مبدأ الزّكاة حين طُبّق في العصور الإسلامية السّالفة، نجح في محاربة الفقر وأقام التّكافل الاجتماعي، ونزع من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء، وقَلّل كثيرًا من الجرائم الخلقية والاجتماعية، وذلك بإزالة أسبابها من الفقر والحاجة، وعوَّد المؤمنين البذل والعطاء والسّخاء، وهيَّأ سبل العمل لمَن لا يجد العمل.

والله - تعالى -قد تولى في كتابه بيان مصارف الزكاة، وحصرها في ثمانية أصناف، قال - تعالى -: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة) التوبة: 60.

والآتي بيان المقصود بكل من هذه الأصناف الثمانية:

الصنف الأول والثاني: الفقراء والمساكين: وهم أهل الحاجة الذين لا يجدون شيئاً، أو يجدون بعض ما يكفيهم.. على خلاف بين الفقهاء أيهما أشد حاجة؟، فقيل: المسكين هو الفقير الذي لا يجد كمال الكفاية، والفقير أشد حاجة منه، وكلاهما من أصناف أهل الزكاة المذكورين في الآية، وقيل: عكس ذلك، أن المسكين أشد حاجة من الفقير، وقيل: لا فرق بينهما من حيث المعنى وإن اختلفا في الاسم.

والراجح والله - تعالى -أعلم: أن الفقير أشد حاجة من المسكين.

مع الأخذ في الاعتبار أن: صفة الفقر والغنى تختلف بحسب الزمان والمكان، فقد يحسب الشخص في عداد الفقراء المستحقين للزكاة في بلد، ولو قورن بأغنياء بلد آخر كان مثلهم أو أحسن حالا منهم.

الصنف الثالث: العاملون على الزكاة: وهم الذين يتولون جمع الزكاة، ولا يشترط فيهم وصف الفقر، بل يعطون منها ولو كانوا أغنياء.

فعن عبدِ المُطَّلب بن رَبيعةَ بن الحارث، قال: "اجْتَمَعَ رَبيعةُ بنُ الحارث، والعبَّاسُ بن عبد المطَّلب، فقالَا: واللهِ، لو بعَثْنا هذين الغلامَينِ - قالا لي وللفَضْل بن عباس - إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فكلَّماه، فأمَّرهما على هذه الصَّدقاتِ، فأدَّيَا ما يؤدِّي الناس، وأصابَا ممَّا يُصيبُ الناس، قال: فبينما هما في ذلك جاء عليُّ بنُ أبي طالب، فوقَف عليهما، فذكرَا له ذلِك، فقال عليُّ بنُ أبي طالب: لا تفعلَا، فواللهِ ما هو بفاعلٍ، فانتحاه رَبيعةُ بنُ الحارثِ فقال: واللهِ ما تصنَع هذا إلَّا نَفاسةً منك عَلينا، فواللهِ لقد نِلتَ صِهرَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فما نفسناهُ عليك، قال عليٌّ: أرسلوهما، فانطلقَا، واضطجع عليٌّ، قال: فلمَّا صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظهرَ سبقْناه إلى الحُجرة، فقُمْنا عندها، حتى جاء فأخَذَ بآذاننا، ثم قال: (( أخْرِجَا ما تُصَرِّرانِ)) ثم دخَل ودخلْنا عليه، وهو يومئذٍ عند زينبَ بنتِ جحشٍ، قال: فتواكَلْنا الكلام، ثم تَكلَّم أحدُنا فقال: يا رسولَ الله، أنتَ أبرُّ الناسِ وأوصلُ الناس، وقد بلَغْنا النِّكاح، فجِئْنا لتؤمِّرَنا على بعض هذه الصَّدقات، فنؤدِّي إليك كما يؤدِّي الناس، ونُصيبُ كما يُصيبون، قال: فسكَتَ طويلًا حتى أردْنا أن نُكلِّمَه، قال: وجعلتْ زينبُ تُلْمِعُ علينا مِن وراءِ الحِجابِ أنْ لا تُكلِّماه، قال: ثم قال: (( إنَّ الصَّدقةَ لا تَنبغِي لآلِ مُحمَّدٍ، إنَّما هي أوساخُ النَّاسِ)) أخرجه مسلم في صحيحه (1072).

وجه الدَّلالة: أنهما طلبا أن يأخذَا مِن الصَّدقة كما يأخُذ الناس، ممَّا يدلُّ على أنَّ أخْذ العُمَّال من الزكاة أمرٌ مشهور.

فيُعطَى العامل قدْر الأجرة مطلقًا؛ وهو مذهبُ جمهور الفقهاء من المالكيَّة، والشافعيَّة، والحنابلة، وحُكيَ الإجماعُ على ذلك.

قال ابن عبد البر: " قد أجمع العلماء أن العامل عليها لا يستحق ثمنها، وإنما له بقدر عمالته، فدل ذلك على أنها ليست مقسومة على الأصناف بالسوية" الاستذكار 3/207.

الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم الذين دخلوا في الإسلام حديثاً يعطون من الزكاة تأليفاً لقلوبهم.

وقيل: المُؤَلَّفة قُلوبُهم: هم مَن يُرجى إسلامهم، أو كفُّ شرِّهم، أو يُرجى بعطيتهم تأليف قلوبهم وقوَّة إيمانهم.

فعن صفوانَ قال: "واللهِ لقدْ أعطاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني، وإنه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برِح يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ" أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2313).

وعن رِفاعة، عن جَدِّه: "أنَّ بعض الأمراء استعْمَل رافعَ بنَ خَديج على صَدقةِ الماشية، فأتاه لا شيءَ معه فسأله، فقال رافع: إنَّ عهْدي برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ، وإني جزيتُها ثمانية أجزاء فقسمتُها، وكذلك كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصنَعُ". ابن حزم في المحلى 6/145 وصححه.

وجه الدَّلالة: عمَلُ الصحابي رافع بن خديج - رضي الله عنه - بآية الصَّدقة وتجزئتها إلى ثمانية أجزاء، ومنهم المؤلَّفة قلوبُهم.

الصنف الخامس: في الرقاب: وهم على ثلاثة أضرب:

الأول: المكاتبون المسلمون: فيعانون لفك رقابهم.

عن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه -، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ثلاثةٌ كلُّهم حقٌّ على اللهِ عَونُه: الغازي في سبيلِ اللهِ، والمكاتَبُ الذي يُريدُ الأداء، والناكِحُ المتعفِّفُ)). الترمذي (1655)، وابن ماجه (2057)، وأحمد في مسنده (7410).، وغيرهم.

الثاني: إعتاق الرقيق المسلم: فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -، قال: ((أعْتِقْ مِن زكاةِ مالِك)). إرواء الغليل للألباني 3/377.

وجه الدَّلالة: أنه قولُ صحابيٍّ، وهو أعْلى ما جاء في الباب، وهو أوْلى بالاتباع، وأعلمُ بالتأويل.

الثالث: الأسرى من المسلمين: يَشمل سهمُ وَفِي الرِّقَابِ افتداءَ الأسرى المسلمين، وبه صدَر قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. "قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته 18 في ماليزيا الفترة من 24 29 جمادى الآخرة 1428 هـ قرار رقم 165".

الصنف السادس: الغارمون: وهم المدينون العاجزون عن سداد ديونهم.

والغارم لإصلاح ذات البَين: هو مَن يَستدين مالًا ويصرفه في إصلاح ذات البَينِ، بأنْ يَخاف فتنةً بين قَبيلتين أو طائفتين أو شخصين، فيَستدين مالًا ويصرفُه في تسكينِ تلك الفِتنة.

فمِن الغارمين الذين يستحقُّون الزكاة: الغارمُ لإصلاح ذات البَيْن، ولو كان غنيًّا.

عن قَبِيصةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ - رضي الله عنه - قال: "تَحمَّلتُ حَمَالةً فأتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أسألُه فيها، فقال: ((أقِمْ حتَّى تأتيَنا الصدقةُ فنأمُرَ لك بها، قال: ثم قال: يا قَبِيصَةُ، إنَّ المسألةَ لا تحِلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رَجُلٍ تحمَّلَ حَمَالةً، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَها، ثم يُمسِك، ورجُلٍ أصابتْ مالَه جائحةٌ فاجتاحتْ مالَه، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَ سِدادًا من عَيش، أو قِوامًا من عيش، ورجُلٍ أصابتْه فاقَةٌ أو حاجةٌ حتى يَشهَدَ - أو يقولُ - ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومِه: إنَّ به فاقةً وحاجةً، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَ سِدادًا من عيش، أو قِوامًا من عيش، ثم يُمسِك)). أخرجه مسلم في صحيحه (1044).

وجوه الدلالة: الوجْه الأوَّل: قولُه - عليه الصلاة والسلام -: (( رَجُلٍ تحمَّلَ حَمَالةً، فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيبَها، ثم يُمسِك)) دليلٌ على أنَّه غنيٌّ؛ لأنَّ الفقير ليس عليه أن يمسِك عن السؤال مع فقْره.

الوجْه الثاني: أنَّه عطَف الذي ذهَب مالُه، والفقيرَ ذا الفاقةِ على مَن تحمَّلَ الحَمَالةَ، فدلَّ على أنه لم يذهبْ مالُه ولم تُصِبْه فاقةٌ.

الوجْه الثالث: أنه أطلق دفْع الزكاة إلى مَن تحمَّل حَمَالة، ولم يشترطْ فيه الفقر.

الصنف السابع: في سبيل الله: والمراد بذلك، إعطاء الغزاة المتطوعين للجهاد، وكذا الإنفاق في مصلحة الحرب وكل ما يحتاجه أمر الجهاد.

فمصرِف هذا السَّهم هو في الجهاد في سبيل الله، وهذا باتِّفاق المذاهب الفقهيَّة، وهو قولُ أكثر العلماء.

فعن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (( وأمَّا خالدٌ فإنَّكم تَظلِمونَ خالدًا، قدِ احتبس أدْراعَه وأعتادَه في سبيلِ اللهِ)) (أخرجه البخاري في صحيحه (1468)، ومسلم في صحيحه (983).

وجه الدَّلالة: أنَّه لا شكَّ أنه حبَس أدراعه وأعتاده في الجهاد.

الصنف الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده.

وقيل: هو الغريبُ الذي ليس بيده ما يرجِع به إلى بلده، وإنْ كان غنيًّا فيها.

حكم دفع الزكاة للأصول: تباينت آراء الفقهاء في حكم صرف الزكاة للأصول وهم: الوالدين وإن علوا، ومن هنا يمكن لنا أن نتناول هذا المطلب من خلال المسألتين التاليتين:

المسألة الأولى: الأحوال التي يحرم فيها دفعها لهم:

اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز صرف الزكاة للوالدين، وإن علو من سهم الفقراء والمساكين إذا كان المزكي موسرًا وهم فقراء؛ لأن نفقتهم واجبة عليه، ولأنه بالدفع إليه يجلب إلي نفسه نفعًا وهو منع وجوب النفقة عليه.

قال ابن المنذر: « أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة ».

فلا يجوز صرف الزكاة للأصول من سهم الفقراء والمساكين؛ لما يلي:

لأن مال الولد مال لوالديه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( أنت ومالُك لأبيك، إن أولادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُم، فكُلُوا مِنْ كَسْبِ أوْلادِكُم)). (أخرجه أبو داود 3530، وأخرجه أحمد رقم 6678 و 6902 و 7001 وإسناده حسن.، وأخرجه ابن ماجة رقم 2291. ).

وجه الدلالة: فإذا كان مال الرجل مضافًا إلى أبيه وموصوفًا بأنه من كسبه فهو متى أعطى ابنه فكأنه باق في ملكه؛ لأن ملك ابنه منسوب إليه فلم تحصل صدقة صحيحة، وإذا صح ذلك في الابن فالأب مثله؛ إذ كل واحد منهما إلى الآخر من طريق الولادة؛ ولهذا لا تقبل شهادة بعضهم لبعض فلم يجز دفع زكاة بعضهم إلى بعض.

أيضا: أنَّ صرْف الزكاة إلى مَن تجِب نفقته عليه: يجلب إلى نفْسه نفعًا كما ذكرت آنفا، فهو يوفِّر نفقته الواجبة عليه، فيقي بذلك مالَه، فكأنه دفعَها إلى نفْسه، فلم تجُزْ، كما لو قضى بها دَينَه.

ولابد أن نعلم: أنَّ القاعدة أنه لا يجوزُ للإنسان أن يُسقِط بزكاته أو بكفارته واجبًا عليه. والله - تعالى -أعلم.

المسألة الثانية: الأحوال التي يجوز فيها دفعها لهم:

* يجوز أن يعطي الإنسان الأصول من الزكاة لكونه غازيًا أو مؤلفًا أو عاملاً أو غارمًا لإصلاح ذات البين؛ لأنه يستحق الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه.

قال الإمام النووي: « قال أصحابنا: ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة، إذا كان بهذه الصفة.

*  ويجوز دفع الزكاة للوالدين وإن علوا إذا كانوا فقراء والولد عاجز عن نفقتهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وإلى الوالد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم؛ لوجود المقتضى السالم عن المعارض العادم، وهو أحد القولين في مذهب أحمد: قال: وإذا كانت أم فقيرة ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضر بهم أعطيت من زكاتهم».

*  إن دفع زكاته إلى ولي الأمر ثم دفعها ولي الأمر لوالده وزوجته؛ جاز ذلك؛ لأن الزكاة بدفعها إلى ولي الأمر المسلم قد بلغت محلها وبرئت ذمة المزكي منها، ولولي الأمر أن يصرفها في مصرفها الشرعي بحسب الحاجة والمصلحة. هذا والله - تعالى -أعلم.

حكم دفع الزكاة للفروع: كثيرا ما يقرأ البعض في كتب الفقه في بحث مصارف الزكاة العبارة التالية: "ولا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقته من أصل أو فرع"، ويبني عليها حكماً خاطئاً وهو عدم جواز دفع الزكاة إلى الأصول أو الفروع على الإطلاق، علماً أنها عبارة واضحة، ولكنها تحتاج إلى شيء يسير من التفصيل، ونحن إذا رجعنا إلى بحث "النفقة" في كتب الفقه يتبين لنا أن: الفروع تجب نفقتهم على الأصول بثلاثة شروط:

1- الصغر مع الفقر.

2- الفقر والمرض المزمن.

3- الفقر والجنون، وإنما وجبت النفقة عند هذه الثلاثة لتحقق الاحتياج عند وجودها، فمتى أصبح الفرع بالغاً عاقلاً صحيح الجسم، قادراً على الكسب اللائق بمثله ويجد العمل سقطت نفقته عن أصله وإن لم يكن مكتسباً بالفعل على الأصح.

فحكم دفع الزكاة للفروع بناء على ما سبق يحتاج إلى تفصيل وهذا ما سيتم تناوله إن شاء الله - تعالى -من خلال مسألتين:

المسألة الأولى: الأحوال التي يحرم فيها دفع الزكاة للفروع:

لا يَصحُّ صرفُ الزكاة مِن سهم الفقراء إلى القَرابة الواجبة نفقتُهم، ولا شك أن الفروع وهم: الأولاد وأولاد الأولاد، وإن نزلوا، من القرابة التي تجب النفقة عليهم.

لذا: لا تحل زكاة الرجل لأولاده أو أولاد أولاده ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا لأنه ملزم بالنفقة عليهم إذا احتاجوا، وكذا زوجة الابن لأن نفقتها على زوجها ونفقة زوجها على والده.

قال الإمام النووي - رحمه الله - في المجموع -: " لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين: إحداهما، أنه غني بنفقته، والثانية: أنه بالدفع إليه يجلب إلى نفسه نفعاً وهو منع وجوب النفقة عليه. ".

إذن: مدار جواز الإعطاء والمنع يدور مع وجوب النفقة وعدم وجوبها. والله - تعالى -أعلم.

المسألة الثانية: الأحوال التي يجوز فيها دفع الزكاة للفروع:

علمنا فيما سبق أن مدار جواز الإعطاء والمنع يدور مع وجوب النفقة وعدم وجوبها.

* بناء على ذلك يجوز للوالد وإن علا أن يعطي الفرع وإن نزل من مال الزكاة عند تحقق الاحتياج، وانتفاء الشروط الثلاثة المتقدمة.

* إذا كان الولد فقيراً أو مسكينا وقلنا في بعض الأحوال "لا تجب نفقته" فيجوز لوالده وولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين لأنه حينئذ كالأجنبي.

* ويجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقته من سهم الغارمين بل هم أفضل من غيرهم لا من سهم الفقراء والمساكين، إلا أن يكفيهم ما يعطيهم إياه.

* لو كان الولد فقيراً وله عائلة كزوجة يحتاج للنفقة عليها جاز له أن يأخذ من الزكاة ما يصرفه في ذلك، لأنه إنما يجب على أصله نفقته لا نفقة عياله، فيأخذ من صدقة أبيه ما زاد على نفقة نفسه.

وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -"ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وإلى الولد وإن سفل، إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم. قال: وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد ".

وعند المالكية كما في المدونة الكبرى للإمام مالك - رحمه الله تعالى -: " لا تجب النفقة إلا على الأب لأولاده الذين من صلبه بشرط أن يكونوا صغاراً، وأن يكون لهم مال، ويستمر وجوب النفقة على الذكور إلى البلوغ، والإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن، بخلاف ولد الوالد فلا نفقة لهم على جدهم، كما لا تلزمهم النفقة على جدهم، وتلزم الولد النفقة على أبويه الفقيرين".

مما سبق يمكن لنا أن نقول:

1- الأصول تجب نفقتهم على الفروع بشرطين:

الأول: الفقر.

الثاني: المرض المزمن، أو العاهة التي تمنع عن الكسب اللائق بالمثل، وبانعدام هذين الشرطين تسقط النفقة على الفروع للأصول.

2- الفروع فتجب نفقتهم على الأصول بثلاثة شروط:

الأول: الصغر مع الفقر.

الثاني: الفقر والمرض المزمن.

الثالث: الفقر والجنون، وإنما وجبت النفقة عند هذه الثلاثة لتحقق الاحتياج عند وجودها، فمتى أصبح الفرع بالغاً عاقلاً صحيح الجسم، قادراً على الكسب اللائق بمثله ويجد العمل سقطت نفقته عن أصله وإن لم يكن مكتسباً بالفعل على الأصح.

3- أنه يجوز للوالد أن يعطي ولده من زكاته عند تحقق الاحتياج.

4- متى جاوز الذكر البلوغ، ومتى تزوجت الأنثى ودخل بها زوجها سقطت النفقة عن أبيهما لهما، وجاز للأب أن يدفع الزكاة لهما.

5- يتبين لنا من خلال البحث أن دفع زكاة الوالد إلى ولده الفقير بالشروط المعتبرة جائز.

     هذا والله - تعالى -أعلم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة