مقدمة:

كلما كانت الدولة الإسلامية معنيةً بأمر الدين وحراسته ونشره في أرجاء الأرض، كانت جهاديةً من الطراز الأول، وكلما كانت راية الجهاد مرفوعة، ويد الدولة مبسوطة تفتح كيف تشاء بإذن الله -عز وجل-، كانت الأجواء مناسبةً ومواتيةً لظهور الكفاءات والقيادات والأبطال الأفذاذ الذين لم يكن لظهورهم وبزوغ كفاءاتهم سبيل إلا بالجهاد في سبيل الله.

ولعل ذلك يفسر لنا سر ازدحام الدولة الأموية بالكثير من الأبطال والكفاءات، وهذه قصة أحد هؤلاء الأبطال، الذي يستحق لقب: "كبير مجاهدي الدولة الأموية"، وصاحب النصيب الأكبر من الغنائم التي أثرت الدولة الإسلامية في نهاية القرن الأول الهجري، وإليه يرجع الفضل بعد الله -عز وجل- في فتح بلاد الأندلس.

النشأة الجهادية:

هو القائد الفاتح "موسى بن نصير اللخمي"، ولد في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة الفاروق -رضي الله عنه-، في قرية "كفر متري" بالشام، وكان أبوه "نصير" من سبايا "عين التمر" الذين سباهم خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، أثناء فتح العراق، وكان نصير ضمن مجموعة مكونة من أربعين غلامًا يتعلمون الرهبنة في كنيسة عين التمر، فسباهم خالد فأسلموا جميعًا، ثم انتقل نصير وهو شاب صغير إلى الشام، حيث التحق بخدمة معاوية، فجعله على حرسه، وصار أحد قواده، وارتفعت منزلته عند معاوية -رضي الله عنه-.

نشأ موسى في بيت جندية وجهاد، فأبوه من قادة الفتح الإسلامي على الجبهة الشامية، فلا عجب أن يكون الفتى صنو أبيه، ويلمح فيه معاوية النجابة والذكاء والقدرة على القيادة، فيعهد معاوية له ببعض المهام الحساسة، فيغزو موسى البحر لفتح قبرص وبناء بعض الحصون هناك مثل حصن "المعاوض" و"يانس" وظل نائبًا على قبرص فترة.

أصبحت الصلة وثيقة جدًا بين "موسى بن نصير" و"عبد العزيز بن مروان" والي مصر وأخوال الخليفة عبد الملك بن مروان، كان بمثابة المستشار والوزير له، وظل معه فترة طويلة، فلما عُزل "حسان بن النعمان" من منصبه، لم يجد عبد العزيز خيرًا ولا أكفأ من موسى بن نصير ليوليه المغرب العربي وإفريقية وذلك سنة 85هـ، أي وهو في الستين من العمر.

البداية الموافقة:

دخل موسى بن نصير المغرب سنة 85هـ، ولم يكن قد دخلها من قبل أو اشترك في فتح شيء منها، بالجملة كان شخصية مجهولة للجند والمسلمين والبربر على حد السواء، فلما دخلها توافد الناس إليه من كل مكان وكانت جموع كثيرة في انتظاره، فقام فيهم خطيبًا وفي كلمات موجزة بليغة واضحة كالشمس قال لهم:

"إنما أنا رجل كأحدكم فمن رأى مني حسنة فليحمد الله، وليحض على مثلها ومن رأى مني سيئة، فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون، وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها ثلاثًا، فخذوها هنيئًا مريئًا، ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا وله عندنا قضاؤها على ما عزَّ وهان، ومع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله".

وبهذه الخطبة الموجزة، أرسى موسى بن نصير دعائم قيادته القائمة على المساواة الكاملة بين القائد وجنوده، والزيادة في العطايا، مما حفز الجند للعمل القوي والمسارعة فيه، وأوضح أيضًا استعداده الكامل والدائم لسماع احتياجاتهم كلها وتلبيتها، وهو بذلك يضع نفسه في إطار المسؤولية التامة لما أنيط به من مهمة ثقيلة وشاقة.

الخطة العسكرية الحكيمة:

لم يضيِّع موسى بن نصير وقتًا بعدما تولى القيادة بإفريقية، فلقد قرر إتمام أعمال من سبقوه من قادة عظام، متبعًا في ذلك سياسة عسكرية حكيمة قائمة على مبدأ قتال العدو القريب أولًا، حتى إذا انتهى خطره وزال أمره، انتقل لقتال العدو البعيد، وهو بذلك قد استفاد من أخطاء من سبقوه من قادة المغرب، خاصة الخطأ الذي وقع فيه الأمير الكبير عقبة بن نافع، عندما توغل في أرض العدو، غير واضع في حساباته الحشود الكبيرة للعدو خلفه.

وتنفيذًا لهذه السياسة الحكيمة، بدأ موسى باستعادة ما خرج عن طاعة المسلمين من بقاع وحصون خاصة وأن بعض قبائل البربر قد خلعت الطاعة، فاستعاد جبل زغوان، ثم أخضع المغرب الأوسط من صحراء درعة إلى السوس الأقصى إلى بلاد الصامدة "نسبة إلى قبيلة مصمودة الكبيرة" ومهد السبيل نحو فتح أهم مدن المغرب العربي "طنجة" و"سبتة".

فتح طنجة:

كانت مدينة طنجة هي قصبة بلاد المغرب وأهم مدنه، ومفتاح المغرب الأقصى، وأكبر مدنه، لذلك فلقد اهتم بها موسى اهتمامًا خاصًا، وخرج بنفسه في جيوش كبيرة من القيروان، ونزل على المدينة وحاصرها بشدة، وكان بها قبائل بربرية من التبر "البربر البدو" والبرانس "البربر الحضريين" ولم تكن هذه القبائل قد أسلمت أو التقت مع المسلمين من قبل، فلما نزل عليهم المسلمون لم يقووا على قتالهم واستسلموا سريعًا للمسلمين، فنزل فيها موسى وبنى فيها للمسلمين محال ومساجد، واختط بها تجمعًا سكنيًا للمسلمين يشبه القيروان، وجعل "طارق بن زياد" البربري واليًا على طنجة وضواحيها وكان هذا التعيين أول فاتحة أعمال طارق بن زياد المجيدة.

حاول موسى بعد فتح مدينة طنجة، فتح مدينة سبتة الساحلية الهامة، وكانت هذه المدينة تابعة لحكم إسبانيا أو الأندلس، وعليها حاكم من طرفه وهو جوليان، ولذلك كانت الإمدادات تنهال باستمرار على المدينة أثناء محاصرة موسى لها، فلم يستطع المسلمون فتحها لشدة التحصين وكثرة الإمدادات وقربها من إسبانيا أو الأندلس.

لم تمنع فتوحات موسى بن نصير البرية، اهتمامه بمثيلاتها البحرية، ذلك لأن الروم ما زالوا يسيطرون على جزائر البحر الأبيض، والتي تعتبر بمثابة قواعد انطلاق للإغارة على بلاد المسلمين بالشام والشمال الأفريقي، وليظهر أهمية الغزوات البحرية، قام بنفسه بركوب البحر ودعا الناس لذلك، فتسارعوا لإجابة دعوته، وسميت هذه الغزوة بغزوة الأشراف، من كثرة أشراف الناس الراكبين للبحر، وخلال هذه الغزوة، فتح موسى بعض المدن مثل: صقلية، ثم سرقوسة، ثم سردانية، ثم ميورقة، ومنورقة، ولكنها لم تكن فتوحًا ثابتة دائمة، بل هي في مجملها بعثات استكشافية لاستطلاع الأحوال بهذه الجزر، والقضاء على بؤر الروم بها.

فتح الأندلس الأعظم:

كان فتح الأندلس حلمًا يراود قادة الفتح الإسلامي، منذ أيام الفاتح الأول "عقبة بن نافع" الذي همَّ بالفعل في عبور البحر، لولا خيانة كسيلة البربري، فلما مهد موسى بن نصير الطريق أمام فتح الأندلس وفتحت بلاد المغرب من ليبيا إلى المحيط، أخذ في دراسة الأساليب والاستعدادات اللازمة لهذا المشروع الخطير.

كانت الأحوال بالأندلس في هذه الفترة شديدة الاضطراب، وقد قامت ثورة عنيفة بالأندلس أطاحت بالملك وامبا، وجاءت بحاكم جديد هو رودريجو، الذي انتقم من أعوان الملك المخلوع ومنهم جوليان حاكم سبتة، ولقد اغتصب رودريجو ابنة جوليان، فأصر جوليان على الانتقام لشرفه، فأرسل إلى الأمير موسى بن نصير يطلب منه اللقاء للاتفاق على عبور المسلمين إلى الأندلس وفتحها للانتقام لشرفه ولصديقه وامبا المخلوع.

وجد موسى بن نصير في هذا العرض فرصة سانحة لتحقيق هدفه الأسمى "فتح الأندلس" ولكنه كان رجلًا عسكريًا منضبطًا، يعرف معاني الطاعة والقيادة، فأرسل إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يعرض عليه الأمر، فرد عليه الوليد قائلًا: اختبرها بالسرايا، ولا تغرر بالمسلمين، أي لا تقتحم بجيوش كبيرة قبل أن تستطلع أخبارها وتتعرف على قوة رجالها.

أرسل موسى بن نصير سرية مكونة من خمسمائة مقاتل يقودهم بطل بربري هو "طريف بن مالك" فنزل إلى أرض الجزيرة الخضراء ففتحها وعرفت من يومها باسم "جزيرة طريف" وعاد بالأخبار والغنائم للقائد موسى الذي أعد جيشًا كبيرًا في رجب سنة 92هـ، معظمه من البربر، يبلغ تعداده سبعة آلاف مقاتل يقودهم البطل الكبير طارق بن زياد، وقام جوليان بتوفير السفن اللازمة لعبور الجيش، ودخل المسلمون الأندلس بمنتهى القوة، واستعد رودريجو لصد المسلمين، فأرسل طارق إلى موسى يطلب منه إمدادات، فأرسل إليه خمسة آلاف مقاتل بقيادة طريف بن مالك، والتقى الجيشان في 28 رمضان سنة 92هـ عند منطقة وادي لكة، واستمرت المعركة ثمانية أيام انتهت بانتصار حاسم فتحت به بلاد الأندلس لدولة الإسلام التي ستظل قائمة طيلة ثماني قرون.

أغرى هذا الانتصار طارق بن زياد على التوغل في بلاد الأندلس الواسعة، فتحرك بمنتهى السرعة والقوة وفتح عدة مدن مثل شذونة، والمدور، وقرومنة، وقرطبة، وطليطلة، والبيرة، وفرَّق جيشه من أجل ذلك لعدة أجزاء، مما أدى لإحاطة العدو به مرة أخرى ووقوعه في الحصار نتيجة هذا الخطأ التكتيكي، فأرسل طارق إلى موسى يطلب منه النجدة وبسرعة.

بلغت الأخبار لموسى الذي غضب من طارق لأنه قد أمره من قبل ألا يتوغل في أرض العدو ولكنه سارع بالعبور إلى الأندلس لإنقاذ المسلمين في جيش قوامه ثمانية عشر ألفًا، واتبع سياسة تحصين قواعد الفتح المتقدمة، وتأمين خطوط ومواصلات الفتح وحماية الجناح الغربي لمنطقة فتح طارق السابقة، وذلك قبل الهجوم الفعلي على قواعد الأندلس.

كان نزول المسلمين بالأندلس كفيلًا بفك الحصار عن طارق ومن معه، فانطلق كل من موسى ومن معه من جهة، وطارق ومن معه في جهة أخرى، لاستكمال فتح الأندلس، ففتح موسى كلًا من إشبيلية وماردة واشتبك مع رودريجو ومن معه في معركة حامية، انتهت بمقتل رودريجو والقضاء على فلول المقاومة بالأندلس.

بعدما قضى موسى بن نصير على رودريجو وفلول المقاومة الإسبانية، أرسل بالبشارة إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك الذي خر ساجدًا لله -عز وجل- لما وصلته الأخبار، وأرسل إلى موسى بن نصير يطلب منه القدوم إلى الشام، وكان موسى بن نصير قد عزم على فتح شمال الأندلس وبالتحديد منطقة جليقية في أقصى الشمال الغربي "إقليم الباساك الآن" ليتم فتح شبه الجزيرة الإسبانية بالكامل ولا يبقى أي مكان لتجمع فلول الأعداء مرة أخرى، وكان ينوي أيضًا نية عظيمة، ألا وهي اقتحام أوروبا من الجانب الغربي حتى يفتح رومية، وتأخر موسى بن نصير في العودة إلى دمشق مما أغضب الوليد بن عبد الملك.

شبهات وأباطيل:

المتابع والقارئ لسيرة البطل "موسى بن نصير" يدرك حقيقة هامة، تفسر التحامل التاريخي على سيرة هذا البطل المجاهد، هذه الحقيقة أن هذا الرجل كان محسودًا من قبل الكثيرين في الشام، وله خصوم دسوا عليه عند الخلفاء أنه يفكر في الاستقلال عن الخلافة، وربطوا بينه وبين قتيبة بن مسلم الذي رفض مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأكد هذه الأباطيل عند الوليد ثم سليمان ابني عبد الملك، أن موسى بن نصير قد توغل في الأندلس وأبطأ في القدوم إلى الشام عندما استدعاه، ثم إن الوليد ثم سليمان خافا من أن موسى بن نصير قد غرر بالمسلمين وأقحمهم في العمق الأوروبي.

أما ما يقال عن أن الخليفة سليمان بن عبد الملك قد أهان القائد موسى وأذله وأبقاه في حر الشمس حتى أغمي عليه، فلا يصح ولا يثبت تاريخيًا، وكل ما فعله سليمان أن عزل موسى من منصبه، ولكنه أبقى ولده عبد العزيز في الولاية، والبطل موسى لم يفكر أبدًا في الاستقلال.

ويظهر هذا جليًا عندما سأله المهلب بن أبي صفرة عن ذلك صراحة فأجاب: "والله لو أردت ذلك ما نالوا من أطرافي طرفًا، ولكني آثرت الله ورسوله، ولم نر الخروج عن الطاعة والجماعة".

الخاتمة:

لم يكن استدعاء الشيخ البطل موسى بن نصير إلى دمشق ثم عزله، ومحاصرته بالاتهامات، والشكوك بالشيء الهين على قلب رجل فني حياته مجاهدًا في سبيل الله -عز وجل-، وأسدى خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، أعظمها فتح الأندلس، وما زالت النكبات تتوالى عليه حتى جاءه خبر مقتل ولده الكبير عبد العزيز والي الأندلس، فهده الخبر، وشعر البطل بدنو أجله، فأراد أن يختم حياته بحج بيت الله، وطلب منه الخليفة سليمان بن عبد الملك أن يكون رفيقه في الركب، فاعتذر موسى لضعفه وكبر سنه، ثم قام موسى بن نصير بأداء فريضة الحج وفي طريق العودة مات في الطريق ودفن في وادي القرى، وذلك سنة 97هـ، فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه الله -عز وجل- أعظم الجزاء عما قدمه للإسلام والمسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

• تاريخ الرسل والملوك.

• فتوح البلدان.

• الكامل في التاريخ.

• قادة فتح المغرب العربي.

• البداية والنهاية.

• سير أعلام النبلاء.

• المنتظم.

• وفيات الأعيان.

• تاريخ الخلفاء.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة