الأمة بين الصالح والصالح المصلح
عدد القراءات : 23

في محطة القطار اجتمعوا ليودعوا صديقهم المسافر إلى مدينة الإسماعيلية شمال مصر ليتسلم عمله الجديد هناك، وفي انتظار وصول القطار امضوا وقتهم يتجاذبون أطراف الحديث، كان من بين المودعين رجل ذو تقوى وصلاح، كان آخر ما قاله وهو يودع الصديق المسافر:

إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً أينما حل.

ونحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه"

صافرات القطار قطعت شجون حديثهم، فهموا بوداع صديقهم الذي استقل القطار، وجلس وحيداً يفكر في المجهول الذي ينتظره في الإسماعيلية، وفي تلك الكلمات التي سمعها، والتي أخذت مكانها في نفسه، والتي عاش بها وعاش لها بقية حياته والتي لم تدم طويلاً.

إن تلك النصيحة التي قيلت للمسافر منذ ما يقرب من نصف قرن بينت له ووضحت أن هناك فرقاً بين الصالح و الصالح المصلح، وأن المسافة بين الصالح، والصالح المصلح مسافة شاسعة. لذلك أيقن الرجل حينها أن الأمة ليست في حاجة إلى نموذج الفرد الصالح، بقدر حاجتاها إلي نموذج الفرد الصالح المصلح الذي يجب أن يترك أثرا صالحا أينما حل وأينما نزل وأينما تواجد. هكذا فهم المسافر، وهكذا عمل، ومن ثم أخذ يورث الفكرة إلي طلابه وأحبابه وإخوانه في كل مكان، وهذا ما يجب أن نؤمن به نحن اليوم.

فالواقع البئيس للأمة اليوم يدعونا أن نتساءل عن جدوى وجود أهل الصلاح و أهل التقوى في مجتمعات لا يعود تأثيرهم علي من يحيون داخل هذه المجتمعات؟! وما جدوى وجود أهل العلم وأهل الخير كل داخل محرابه يصلي لله، ويعبده حق عبادته، بينما المجتمع من حولهم يعج بصنوف الفساد والمفسدين؟! ما فائدة علم لا ينفع المجتمع، ولا ينهض به ولا يعالج مشكلاته ويضمد جراحاته؟! ما فائدة أبحاث ودراسات مؤلفات بذلت فيها الجهود الميدانية المضنية ومع ذلك انتهى بها المقام إلى أن تكون حبيسة الأدراج؟!

إن الأمة أحوج ما تكون إلي نموذج الفرد الصالح المصلح، الذي يتحرك بصلاحه وعلمه، وفقهه، وأخلاقه، وسلوكه بين الناس، يعيش في قلب الواقع بحلوة ووحله، يوقظ النائم، يذكر الغافل، ينصح المقصر، ينبه العاصي، يشجع الجاد، يحي السنة، ويميت البدعة، يرد الناس إلى الله رداً جميلاً.

يأمر بالمعروف بمعروف، وينهى عن المنكر بمعروف، يرد الظالم عن ظلمه، يرد الناس إلى الله، والي منهج الله، والى كتاب الله، يحبب عباد الله إلى الله، ويحبب الله إلى عباده، وإلا فما فائدة صلاح الصالحين، وعلم العالمين، وتقوى المتقين دون أن يكون لها اثر ومردود؟

إن مشكلة الكثيرين منا أننا نخلط بين الوسائل والأهداف. فمثلا الصلاة والزكاة والصيام والحج ما هي إلا وسائل. وسائل الهدف منها خلق إنسان صالح في المجتمع، هذا الإنسان الصالح إذا ما تحقق في المجتمع ووجد، فيجب أن يكون لها دور في العمل وفي الإصلاح. دور في البناء، وفي تقليل هوامش الفساد في المجتمع، دور في جعل الإنسان يعيش على هذه الأرض بالطريقة التي يحبها الله ورسوله، وليس مطلوباً منه أن ينعزل عن الناس ومشاكلهم وهمومهم.

أما أن يصلي المصلون ولا يكون لصلاتهم مردود في أرض الواقع، أو يصوم الصائمون، ولا يكون لصيامهم اثر يعود بالنفع على من هم حولهم، أن يذهب الحجيج في رحلات شاقة يحجون فيها أو يعتمرون ويعودون بلا مردود يجود الواقع الذي يعيشون فيه، فهذا هو الخلل، بل هو الخلل الكبير، نفس الخلل بل وأفظع منه أن يتواجد في المجتمع عدد من الصالحين، ولا يكون لهم لا مردود ملموس، ولا تأثير ايجابي على المجتمع الذي يعيشون فيه.

إن هذا الخلط بين الوسائل والأهداف يذكرنا ببعض من ينتمون إلى الجماعات أو الحركات الإسلامية في عالمانا الإسلامي، وهم يظنون أن مجرد انتمائهم إلى جماعة من الجماعات العاملة على الساحة هو هدف في حد ذاته.

ولكن إن الانتماء للحركات الإسلامية هو وسيلة وليست هدف، فكل من ينتمي إلى جماعة تعمل لنصرة الإسلام، ويكتفي بهذا الانتماء فقط فهو عبء ثقيل، وبطالة مقيتة، وعدد في الليمون كما يقولون، لأن الانتماء الحقيقي لهذا الدين يجب أن يكون انتماء العطاء، والإنتاج كل حسب قدراته ومواهبه، فلا بد لمن يندرج تحت لواء العاملين لنصرة هذا الدين أن يكون لانتمائه مردود واثر: مردود يشعر به المجتمع واثر يسعد بالبشر، وليس مقبولا من هؤلاء أن يكتفوا بإصلاح أنفسهم وفقط، ويعيشون في المنطقة الدافئة، بل لا بد وأن يصلحوا أنفسهم بالتزامن مع دعوة غيرهم ودلهم على الخير وإرشادهم إلي الصواب، وحثهم على العمل والبناء.

ولكن الواقع يخبرنا أن هناك عوائق تعشش في أذهان الكثيرين من أهل الصلاح وأهل التقوى وأهل الورع أهل والخير في مجتمعاتنا -وهم كثر بفضل الله-، هذه العوائق تحول بين انتقالهم إلى دائرة (الصالح المصلح) سبب ذلك ظن هؤلاء أن الأمر عظيم وله تبعاته ومسؤولياته، وإنهم لا طاقة لهم بها، كما ويخشى بعض هؤلاء ألا يكونوا على قدر هذه التبعات ولا لهذه المسؤوليات، ولا للجهود المطلوب لذلها، لذلك فهم يفضلون البقاء في المنطقة الدافئة ألا وهي منطقة الفرد الصالح، ويربأون بأنفسهم أن يقتحموا أو يمارسوا دور الفرد الصالح المصلح في المجتمع، ولكن عظمة هذا الدين انه وسع في مفهوم الإصلاح وبسطة لدرجة أن كل فرد في الأمة يستطيع أن يكون له أوفر الحظ والنصيب من كعكة الإصلاح المرجوة، كل حسب قدراته وإمكانياته.

ودعونا نؤكد على هذا المعنى من خلال صحابي جليل جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم وسأله:

يا رسول الله علمني شيئاً ينفعني الله -تبارك وتعالى- به.

فرد عليه رسول الله بسبع كلمات، ولكنها تلخص فلسفة وعظمة هذا الدين العظيم في بساطة وعمق. كلمات تلخص وتبسط مفهوم الإصلاح أمام المسلمين. كلمات تحل مشكلة الكثير من المترددين في الانتقال من منطقة الصالح إلى منطقة الصالح المصلح. قال له رسول الله يا أبا برزة:

انظر ما يؤذي الناس فاعزله عن طريقهم.

وهي مقولة توضح لنا إن مجالات الإصلاح لا حدود لها، كما وفيها منهاج عمل يكفي ويغري كل صالح أن يتحول من المنطقة الدافئة إلي منطقة الصالح المصلح.

فلو أقدم كل صالح على تنفيذ هذا التكليف كل حسب قدرته واستطاعته وتخصصه وطاقته لحلت كثيراً من مشاكل المسلمين صغيرها وكبيرها، لو أقدم كل صالح على تنفيذ هذا التكليف لارتقت الأمة، ونهضت من كبوتها، فالأمية، والبطالة، والفقر، والجهل، والمرض، وإقصاء القرآن عن منصة التشريع، وغياب دولة الخلافة الإسلامية، والانهيار الحضاري والأخلاقي والعلمي الذي ابتليت به الأمة، وغياب الشورى عن واقع حياة الأمة، وعدم احترام حقوق الإنسان، والانبهار بكل إفرازات الحضارة الغربية، والحكم بغير ما أنزل الله، وتداعي الأمم علينا، والحملة الشرسة على الأمة ومقدساتها وغيرها وغيرها كلها أمور تؤذي المسلمين، فمن يعزل هذا الأذى ويميطه عن طريق وعقول المسلمين؟ فهذه الأمور -وغيرها- تؤذي المسلمين، وتعمق جراحاتهم، وتعرقل مسيرتهم، وتعيقهم عن القيام بالمهمة التي خلقهم الله لها، فمن يعزلها عن طريقهم؟ ومن يتقدم لتضميد جراحهم؟

إن واقع الأمة اليوم يتطلب من قادتها ومؤسساتها، وأهل الخير فيها أن يسعوا جادين إلى توفير نموذج الفرد الصالح المصلح في الأمة، فالأمة في حاجة إلى فرد يتحرك ويعمل وينتج ويقدم لدينه شيئاً ما، فرد لا يكفيه أن يعيش لنفسه، بل يعيش لدينه، فرد إذا ما نظر إلى حال المسلمين اليوم، وما آلت إليه أحوالهم، وإذا ما نظر إلى المخططات التي تحاك ليل نهار لإفساد عقيدتهم يمتلئ طاقة وإقداماً لا حسرة وألماً، فرد ينطلق يغير ويصلح ويبدع ويطور في هذا الواقع البئيس حتى تعود الأمة إلى سابق مكانتها. فرد يصلح ويستفيد من كل دقيقة في الإصلاح والبناء -بناء شيء ما- وكما يقول الدكتور عبد العزيز الخويطر:

القراءة بناء، وتعود الكتابة بناء، وتدوين الأفكار بناء، والعمل النافع بناء، والقول النافع بناء، والمشي في الخير بناء، وكلها أمور تصب في خانة تبسيط مفهوم الإصلاح أمام الناس حتى لا يكون بيننا من يستثقل مفهوم الإصلاح ويخشى اقتحامه.

فلننطلق ولتنطلق، ولينطلق الصالحون صوب دائرة الإصلاح ولنضع جميعاً نصب أعيننا أن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً، ولكنه يعيش صغيراً، ويموت صغيراً، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء فما له والنوم وما له والراحة، وما له الفراش الدافئ، وما له العيش الهادئ، وما له المتاع المريح، كما يقول سيد قطب -رحمه الله-.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة