الحفاظ على هوية المسلمين في الغرب
عدد القراءات : 20

كانت أمة الإسلام تعيش في دولة واحدة، لا يفصل بين أقاليمها الشاسعة حدود سياسية، ولا يتطلب الانتقال من مكان إلى آخر فيها جواز سفر، أو تأشيرة دخول أو خروج.

ثم تحولت هذه الدولة الواحدة إلى دول عديدة مستقلة ذات سيادة، وظهرت فيها فكرة "المواطنة" بالمعنى الذي أفرزه القانون الدولي المعاصر، بحيث صار من العسير -إن لم يكن مستحيلاً- أن ينتقل المسلم من دولة "إسلامية" إلى دولة "إسلامية" أخرى للإقامة فيها، والحصول على نفس الحقوق والواجبات المقررة لمواطنيها.

ومع التطور الحضاري في كثير من الدول غير الإسلامية، وحاجتها إلى العقليات المتميزة والأيدي العاملة ورؤوس الأموال المجمدة، فتحت أبواب الهجرة إليها، ورغبت في الإقامة على أرضها، ويسرت الحصول على حق المواطنة بالميلاد على إقليمها، أو الزواج من رعاياها، مما شجع الكثير من المسلمين على اللجوء إليها؛ طلبًا لحق مهدر، أو هربًا من ظلم واقع، أو التماسًا لعلم نافع، أو استثمارًا آمنًا للأموال، وساعدهم على ذلك شيوع المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان، وانتشار الجمعيات التي تسهر على رعايتها، ووجود القوانين التي تجبر القضاء على رد الحقوق لأصحابها ومعاقبة من يعتدي عليها.

يضاف إلى ذلك عنصر فاعل يلحظُه كل من يعيش في دول غير إسلامية، وهو أن الإسلام ينتشر بنفسه وبدون قوة مساعدة، رغم تخلف الدول الإسلامية المعاصرة؛ علميًّا وخلقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وصدق الله العظيم: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 32، 33] وصدق رسوله الكريم: ((ليبلُغَن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يتركُ الله بيتَ مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر)) [1].

وهكذا صار عدد المسلمين في أستراليا وأمريكا وغرب أوروبا -من المواطنين والمقيمين- يربو على العشرين مليونًا[2] وهم بحاجة إلى من يساعدهم للحفاظ على هويتهم الإسلامية، ويعصمهم من الذوبان في المجتمعات التي يعيشون فيها.

تحصين المسلمين خارج البلاد الإسلامية:

إن الوجود الإسلامي خارج البلاد الإسلامية صار حقيقة واقعة ينبغي علاجها على ضوء هذا الواقع، وإذا كان لنا أن نختار من تراثنا الفقهي -في هذا المقام- فإننا ننحاز إلى ما قرره الفقه الشافعي -في جملته- من أن المسلم: "إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها؛ لما يترجى من دخول غيره في الإسلام"[3].

غير أن الناظر في أحوال كثير من الجاليات المسلمة في الغرب يرى عجبًا؛ فكونهم من الأقليات التي لا تدين بعقيدة الأغلبية يحتم عليهم التمسك بقوله -تعالى-: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون: 52] ولكنهم على العكس من ذلك، حملوا معهم خلافاتهم المذهبية والطائفية (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون) [المؤمنون: 53] ويكفي أن أورد مثالاً واحدًا على ذلك: يتوزع المسلمون في كل بلد أوروبي وفي كل ولاية أمريكية حول دخول شهر رمضان -كل عام- إلى عدة اتجاهات، حتى إني رأيت في بيت واحد الصائمَ والمفطر، ومن يستقبل العيد ومن ينتظر، وهكذا في كثير من الأمور.

فلما أدركت حركات التبشير هذه الحقيقة، سارعت للإفادة منها، وكان بعض أفرادها يطرقون أبواب المسلمين كمندوبي المبيعات، يعرضون عليهم المطبوعات والتسجيلات، ويدعونهم لحضور الحفلات والندوات، ولا يملون من متابعة الكبار والصغار في البيت والمتجر والمدرسة والمنتزه، وبهذا يتعرض المسلمون لشحنات مركَّزة من الضغوط التي تشككهم في عقيدتهم وفي ممارساتهم اليومية، وفي تقاليدهم الموروثة.

والمجال لا يتسع لسرد الوقائع وما ترتب عليها من نتائج[4]، ولكن يثار تساؤل حثيث عن كيفية مواجهة هذه السلبيات لتحصين المسلمين خارج البلاد الإسلامية.

والتحصين لا بد أن يأتي -في المقام الأول- من الداخل، بحيث تعي كل جماعة إسلامية أنها مستهدفة، وأن بقاءها والحفاظ على هُويتها الإسلامية وغرس مبادئ الإسلام في نفوس أبنائها، رهن بتماسك أفرادها واتحادهم مع إخوانهم الذين يعيشون معهم داخل هذا المجتمع، فإذا نجحوا في التجمع تحتَ رابطة موحدة، بذلوا كل جهد في اختيار من يمثِّلهم ويرعى شؤونهم من بين المؤمنين بوسطيَّة الإسلام، بعيدًا عن التشدد والتفريط، وعلى وعي ثقافي وفكري بخصوصيات الأقلية التي يمثلونها، وحاجاتهم الروحية والمادية، بحيث لا يقع أي نوع من التصادم مع مشاعر الأغلبية، وحسن التعامل معها، لتسهيل الإفادة من نفوذها في تحقيق وتنفيذ حاجات المسلمين.

وقد تحقق ذلك -والحمد لله- في كثير من البلاد الغربية التي تضم عددًا كبيرًا من المسلمين، فتكونت الروابط، وتشكلت الاتحادات، وأنشئت المدارس والمعاهد والكليات، وأقيمت المجالس والمراكز والمنتديات، بمباركة الجهات المسؤولة في تلك البلاد، وتقديمها العون الأدبي والمادي في بعض الحالات، وبدعم وتشجيع وتوجيه من المَعنيين في الدول الإسلامية: حكومات وهيئات، وخير مثال على ذلك (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) و(مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا) وغيرهما.

والأمل معقود على أن يستمر هذا الترابط، ويعم كل مكان توجد فيه أقلية مسلمة، للحفاظ على هُويتها، وتعهد أبنائها، وإبراز الجانب المشرق من سماحة الإسلام وأحكام شريعته، بجانب العمل على تحقيق الأمن المعاشي والتكافل الاجتماعي وإصلاح ذات البين داخل مجتمع المسلمين خارج البلاد الإسلامية.

وقولنا: إن التحصين يأتي في المقام الأول من داخل الأقليات المسلمة، لا يعني التقليل من الدور الذي ينبغي أن تقوم به البلاد الإسلامية -حكومات وهيئات وأفرادًا- لمؤازرة المسلمين خارج البلاد الإسلامية، وهذا ما سنلقي عليه بعض الضوء في مقالات قادمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسند أحمد، عن تميم الداري.

[2] نحن لا نعتبر المسلمين في أوروبا الشرقية والهند وجمهوريات آسيا ونحوها من الأقليات أو الجاليات؛ لأنهم مجتمعات إسلامية متكاملة، وإن كانوا بحاجة إلى الرعاية.

[3] ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج: 9 / 269، ابن حجر العسقلاني، فتح الباري: 7 / 230، بجيرمي على الخطيب: 4 / 220، الماوردي، الحاوي الكبير: 14 / 104، النووي، روضة الطالبين: 10 / 282.

[4] ينظر في ذلك: الكتاب القيم الذي وضعه الدكتور جمال الدين عطية بعنوان: نحو فقه جديد للأقليات، دار السلام، 1423 هـ - 2003 م، وكتاب الدكتور يوسف القرضاوي: في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، 1422 هـ - 2001م، وكتاب: من فقه الأقليات المسلمة، لخالد محمد عبد القادر، كتاب الأمة - قطر، العدد (61)، رمضان 1418 هـ.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة