الأقران والأخوة قد تحضر بينهم دواعي الحسد والمنافسة، وخاصة إذا كانوا بارزين، أو يملكون منصباً، وقد يكون بينهم خلاف وتباين بالآراء، فيحضر الشيطان بجميع أساليبه ليفرق بينهم، ويحدث الشقاق والافتراق، بل والتحارب والمعارك التي تفسد قلوبهم وعلومهم، ومن ثم يفسد الجو والعلم والمجتمع.

وما ذاك إلا لغياب فقه الخلاف الإيجابي، وعدم استحضار إمكانية اختلاف الأفهام، وتباين القدرات والمواهب، وتأثير المتغيرات الفكرية والعلمية والمجتمعية، واختلاف قوة العلم والفهم والحكمة والتصور وغيرها، وهذا كله طبعي أن يوجد بين أهل الجيل من أصحاب الشأن في العلم والإمارة والثقافة والمال، والأمر الأهم هنا هل يستوعب هؤلاء أن وجود ذلك لا يسوغ التحارب والتباعد؟ ولا يهون حرمات العرض؟

لقد عظم النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمة عرض المؤمن: ((كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)) ويغذي ذلك نقل الكلام بين أولي الشأن، بل والزيادة عليه بحسن نية أو بسوئها.

أمّا العاقل الحصيف الحكيم، فهو من سد باب النقل، وربّى من حوله باحترام مقامات الناس، يقول النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

حتى لو كان المنقول صحيحاً، فلا يجوز نقله إلا لمصلحة شرعية راجحة، فمن نمَّ لك نمَّ عليك، ومن نقل ذلك أفسد ذات البين، وإلا من الطبعي وجود الهفوات، والصادق حقاً من عالجها مع قائلها مباشرة، أما نقلها فيزيد الجفاء أضعافاً ويفسد القلوب وينزل الوحشة بين المؤمنين.

ويعجبني في هذا مشهد بديع بين الإمامين الشافعي وتلميذه أحمد بن حنبل -رحمهما الله-، والشافعي هو من في العلم والأخلاق، حيث لاحظ بعض مُجالسي الشافعي زيارته لتلميذه أحمد بن حنبل، فقال أحدهم: إن الناس يقولون: الشيخ ينزل قدره لتلميذه والأولى هو الذي يزورك! فأخذ الشافعي الذكي التقي العاقل ورقة وكتب:

قالوا: يزورك أحمد وتزوره *** قلت: الفضائل لا تغادر منزله

إن زارنا فبفضله أو زرته *** فلفضله، فالفضل في الحالين له

فأوصله الناقل للإمام أحمد، فقرأها وفهمها، كيف وهذا أستاذه فتأثر وكتب على ظهر الورقة وردها لشيخه:

إن زرتنا فبفضل منك تمنحنا *** أو نحن زرنا فللفضل الذي فيكَ

فلا عدمنا كلا الحالين منك *** ولا نال الذي يتمنى فيك شانيكَ

ويلاحظ في هذا تواضع الشيخ وحسن القول واللطف، كذلك حسن التدبير والإدارة، إذ لم يصدق ما قالوا، وعمل بخلاف ما قصدوا، وكذلك حسن استثمار الأشخاص، فالناقل للكلام جعلوه حولهم يرى سلوكهم، وأصبح كساعي البريد بينهما، فلم يبعدوه أو يطردوه.

وأما التلميذ فقد أثر به الموقف، ورأى فيه فقه شيخه ونبله، ومدى عقله، ولذا فهم الرسالة مباشرة (قالوا يزورك!) فكان الرد: "ولا نال الذي يتمنى فيك شانيكَ".

فعلاً إذا سمت الأرواح نبلت الأنفس، وصلحت الأعمال، فلم يتمكن النقلة والنمامون إفساد ذات بينهم أو تفرقتهم، فحسن الظن، وسعة الصدر، وجمال المنطق وسمو النفس أمور تحلى بها عظماء الرجال، واستحق هذان الإمامان بجدارة أن يكونا من الأئمة الأربعة المشهورين عبر القرون والأجيال، فهل تتعجب من الشيخ؟ أم من تلميذه؟ -رحمهما الله- وجميع علماء الإسلام.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة