ويأبى الله إلا أن يتم نوره
عدد القراءات : 69

الخطبة الأولى

عباد الله: لا يألو المفسدون جهداً في السعي لإفساد دين وقيم وأخلاق وعفاف هذا المجتمع الطاهر.. يبذلون الأموال.. ويستقطبون الأفكار.. لنشر نتن فكرهم وبث سموم قلوبهم وألسنتهم.. لكن.. كتاب الله لهم بالمرصاد.. يوضح سبيلهم ويبين طريقهم ويرد كيدهم ومكرهم.. قال - تعالى -: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ).. وقال - سبحانه -: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).. وقال جل في علاه: (´يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).. وقال - سبحانه -: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).. وقال - سبحانه -: ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا).. ينفقون أموالهم في الصد عن سبيل الله ثم تكون الغلبة والحسرة عليهم.. قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)، فالأمر فيهم محسوم والقدر عليهم محتوم.. ويرد الله كيدهم ويكف شرهم.. متى ما نصرنا الله في أنفسنا أولا.. بامتثال أمره واجتناب نهيه... قال - تعالى -: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويبت أقدامكم).

فعلينا أن نستعين بالله ونتوكل عليه في كبح الشهوات المحرمة والأهواء المضللة.. قال - تعالى -" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ " عندها يتحقق شرط الله فينا.. قال الله - تعالى -: (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال - سبحانه -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

عباد الله.. يجب علينا أن نعي حقيقة ما خلقنا له وندرك المآل والمصير الذي سنرجع إليه قال الله - تعالى -: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، وقال - سبحانه -: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، وقال - سبحانه -: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

المؤمن.. حياته كلها لله.. لا يبصر ولا ينطق ولا ينظر ولا يجلس إلا فيما يرضي الله - سبحانه وتعالى -... قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ذكرنا الله بكلامه، فقال - سبحانه وتعالى -: ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) كل الحياة متاع.. كل الحياة غرور.. الفرح فيها.. فرح الطاعة.. الفرح فيها.. فرح الانتصار على الشهوات المحرمة.. فرح امتثال الأمر.. واجتناب النهي.. فرح المسابقة للخيرات.. فرح الكف عن المحرمات.. قال الله - تعالى -: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، وقال - سبحانه -: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).

هذه سعادتك ياعبد الله.. هذه نجاتك وفلاحك، فإن أبيت وعصيت.. فسنة الله عليك جارية وقدره عليك قادم... قال - تعالى -: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) قال الشيخ بن باز - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: " هذا وعيد شديد لمن أعرض عن ذكر الله وعن طاعته فلم يؤد حق الله، هذا جزاؤه، تكون له معيشة ضنكا وإن كان في مال كثير وسعة لكن يجعل في عيشته ضنكاً، لما يقع في قلبه من الضيق والحرج والمشقة فلا ينفعه وجود المال، ويحشر يوم القيامة أعمى إذا لم يبالِ بأمر الله وارتكب محارمه وترك طاعته قال - تعالى -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).

أيها المفسدون الساعون لهدم أخلاقنا وقيمنا... مجتمعنا مجتمع مسلم.. استشرب الإيمان.. وتعاظم فيه أمر الواحد الديان.. فليس لكم مما تسعون إليه إلا الخزي والذل والخسران.. ؟ ستغلب برامجكم... مآذننا السامقة التي تدوي "الله أكبر الله أكبر".. كل يوم وليلة خمس مرات.. فتلامس أسماعنا.. وتسري في قلوبنا.. وتخالط أبشارنا.. وتوقظ أبناءنا وبناتنا.. الذين جاؤكم غفلة أو استطلاعا.. ستغلبكم صلوات أبنائنا وبناتنا... ودوي قرآننا في المحاريب والمساجد وأعماق البيوت والقلوب.. ستغلبكم دعوات أمهاتنا العابدات وآبائنا القانتين الخاشعين.. الذين يلحون على الله في سجودهم.. ويقولون.. اللهم اكفنا شر الأشرار وكيد الفجار ياعزيز ياغفار.

ستغلبكم نفوسهم المشرقة.. التي تمتلئ إيمانا وحبا لله ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه.. ستغلبكم طاعاتهم وصدقاتهم وتطوعهم وأعمالهم الخيرة التي لا يفترون عنها مهما قصروا أو فرطوا، قال - صلى الله عليه وسلم -: (( وفعل المعروف يقي مصارع السوء)).. ابحثوا لكم عن بلد غير بلاد الحرمين.. ابحثوا لكم عن بلد غير مهبط الوحي ومنبع الرسالة... فانشروا فيها معاصيكم وآثامكم... فهذه البلاد قد استشربت الإيمان... واستنارت بالقرآن... بنيانكم ريبة في قلوبهم وسيهدم بلا إله إلا الله... لن تفرضوا علينا خياركم.. ولن نقبل أفكاركم.. قال الله - تعالى -: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء)، هل ستنازعون الله في قضائه؟ لقد قضى الله أن كلمته هي العليا وأن دينه هو الغالب.. فقال - سبحانه -: ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

قبل عقود من الزمن كان التغريب والإفساد وتغييب الهوية وتطويع الدين وتذويبه وتهميشه على أشده... فلما ظن الظانون أنهم نجحوا وغرّبوا وأفسدوا الشعوب والأجيال والأمة كلها.. إذ بالنور الرباني يسطع من جديد كأشد ما يكون وهجا وضياء... عاد الدين وعاد الإيمان... ليشرق على الأمة وينهض بها من جديد.. عاد الدين حتى أصبح اليوم أكبر من أن يواجهه أحد... قال - تعالى -: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). مهما على شأنكم اليوم فإنكم ستذهبون ويبقى عملكم وصحائفكم شاهدة عليكم.. وستحملون أوزاركم وأوزار الذين تضلونهم كاملة يوم القيامة قال الله - تعالى -: ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)، وقال - سبحانه -: ( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

الخطبة الثانية:

عباد الله: يقول الله - تعالى -: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) تمسكوا بدينكم واستعينوا بربكم.. قال الله - تعالى -: ( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) في قلويكم كنز الإيمان وخلق الحياء والعفاف.. فلا تجعلوا للمفسدين عليكم سبيلاً ولا تركنوا إلى مجالسهم وكلامهم وفكرهم، فإن الله حذركم من ذلك، فقال - سبحانه -: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ).

ألا وصلوا وسلموا......

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة