معارك الهلال النفطي.. تحجيم لحفتر وتغيير لخريطة التحالفات
عدد القراءات : 65

مع تقدم المعارك في منطقة الهلال النفطي؛ تكاد تكون القوات التابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي قد سيطرت على ثلاثة أرباع المنطقة، ولم يعد بأيدي قوات خليفة حفتر إلا ميناء البريقة الأقرب إلى مدينة إجدابيا.

عندما استولى قائد عملية الكرامة خليفة حفتر على موانئ النفط الليبي منتصف سبتمبر/أيلول 2016 في عملية خاطفة، لم يشكَّ العارفون بالشأن الليبي أن ذلك مجرد جولة في معركة، وأن إمكانية طرد حفتر من الموانئ بنفس الطريقة قائمة، بل ومتوقعة في أي وقت.

ذلك أن المجموعات التي تتكون منها قوات حفتر -باستثناء المقاتلين المستأجرين من اتشاد وحركة العدل والمساواة السودانية- ليس لهم تدريب عسكري ولا خبرة قتالية كبيرة أو منظمة، وبحسب خبراء فإن العسكريين المدربين من مجموع قوات حفتر لا يصل 10%، أغلبهم في محاور القتال ببنغازي وأطرافها، والبقية مجموعات شبابية التحقت بالجبهات في السنوات الأخيرة.

وهي نفس الخصائص التي يتمتع بها مناوئو حفتر؛ فهم مجمعات شبابية لم يسبق لهم العمل ضمن وحدات عسكرية منظمة، إلا أنهم يتميزون بأن كثيرا منهم خاض القتال ضد كتائب القذافي، كما أن لديهم روحا قتالية عالية بالمقارنة مع نظرائهم في صفوف قوات حفتر.

من هنا فإن سيطرة المجموعات التابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي على أغلب موانئ منطقة الهلال النفطي والمعسكرات التابعة لحفتر في المنطقة الوسطى، لم تكن مفاجأة لأن القاعدة الغالبة في مثل هذه الحرب هي: انتصار من يهاجم أولاً.

ومع ذلك فإن هناك عوامل أخرى أسهمت بشكل من الأشكال في سرعة انهزام قوات حفتر وارتباك أدائها، وعدم استفادتها من القدرات الجوية التي مثلت أهم عناصر تفوقها في السابق.

السرايا وتغيير التكتيكات

الواضح -إلى حد الساعة- من المعلومات المتسربة هو أن قيادة سرايا الدفاع عن بنغازي استطاعت أن تغيّر تكتيكاتها بشكل جذري، مما أسهم في زعزعة أقدام القوات التي كانت تحرس المنشآت وتأتمر بأمر حفتر، وهناك ثلاثة معالم لهذا التغيير:

- العامل الأول: هو التأثير على الجبهة الاجتماعية التي شكلت حاضنة لسيطرة قوات حفتر على الموانئ دون قتال يذكر؛ والراجح لحد الساعة أن السرايا استفادت من تململ بعض المقاتلين -المحسوبين على قبيلة "المغاربة" ذات النفوذ الواسع في المنطقة- من إعطاء قيادة الكتائب التي تحرس الموانئ لمنحدرين من مناطق أخرى، ويعني ذلك ضمنيا خسارتهم لبعض الامتيازات التي والَوْا حفتر من أجلها.

وهو ما تشير إليه تصريحات الناطق باسم عملية الكرامة أحمد المسماري الذي تحدث عن "خيانة" تعرضت لها قواتهم في المنطقة.

وتمتلك قوات السرايا إمكانية لذلك التفكيك بسبب علاقة قيادات منها بإبراهيم جضران آمر الحرس الذي أخرجته غزوة حفتر من المنشآت النفطية قبل حوالي ستة أشهر، وكذا وزير الدفاع في حكومة الوفاق الوطني المهدي البرغثي، الذي أخرجه حفتر من مدينة بنغازي بعد أن كان أبرز حلفائه فيها.

كما عملت قيادة الكتائب على تحييد مرتزقة العدل والمساواة السودانية من المعركة عبر آلية لم يكشف عنها حتى الآن، وإن كان ما تسرب سابقا من محاولة فك ارتباطها بحفتر -عبر صفقة تمنحها مبالغ مالية وتسمح لها بانسحاب آمن- يشير إلى نوعية التسويات الممكنة مع هذه القوات.

- العامل الثاني: هو إعلان أن المعركة لا تهدف إلى السيطرة على الموانئ النفطية، أو البقاء فيها، وإنما هي خطوة في طريق السير إلى بنغازي التي ينحدر منها قادة المجموعات، وأغلب، إن يكن كل، العناصر الفاعلة في القتال. ودعوة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المعترف به دوليا إلى استلام الموانئ النفطية، وهي استفادة من تجربة حفتر الذي أعلن تسليم الموانئ إلى المؤسسة الوطنية للنفط حين سيطر عليها.

ويعد هذا الإعلان احتراما للخطوط الحُمْر للدول الغربية التي أعلنت في المرة الأولى أنها تريد استمرار تدفق النفط تحت إشراف المؤسسة التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وهو ما يضعف إمكانية دعوة السراج إلى تدخل خارجي.

ويعطي إشارة إلى مجموعات حرس المنشآت من أبناء المنطقة بأن الإشراف على المنشآت سيعود إلى إدارتهم. وهو ما وقع بالفعل مع تسلم جهاز حرس المنشآت التابع للوفاق تأمين المنشآت.

- العامل الثالث: أن إعلان السير إلى بنغازي قد يسهم في إرباك أي تحرك لقوات حفتر باتجاه دعم جبهة البريقة أو إجدابيا، وذلك لأسباب منها عدم الاطمئنان إلى ولاء المجموعات الحليفة في منطقة الهلال النفطي، وسط حديث عن "تخلي بعض المقاتلين عن الولاء لقوات الكرامة وقائدها خليفة حفتر.

وإضافة إلى العوامل السابقة، فإن جبهة قوات الكرامة ليست في أحسن أيامها؛ فهي لم تتمكن لحد الساعة من حسم معركة بنغازي رغم الإنفاق الهائل، والزمن الممتد الذي قارب ثلاث سنوات، والفارق الهائل بينها وبين قوة مجموعات مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي.

وقد أكدت العملية الأخيرة -التي انهزمت فيها قوات حفتر بنفس السرعة التي "انتصرت" بها- هشاشة معسكره، ومحدودية جاهزية قواته الجوية التي لم تستطع إنقاذ جبهاته، ولا حتى النجاة بسرب من طائراتها قالت كتائب السرايا إنه وقع تحت قبضتها، واعترفت قوات الكرامة باستيلاء المهاجمين على طائرة واحدة.

وهكذا أدت هذه العوامل مجتمعة إلى النيل من صورة حفتر بوصفه الرجل القوي الذي يفاوض الروس في أعالي البحار، ويتنقل بين الجزائر ومصر حاملا معه ما يدعي أنها مفاتيح الحل في ليبيا، ويتلكأ في الاجتماع برئيس الحكومة المعترف به دوليا فائز السراج.

حسابات أطراف الصراع

لم تُضف سيطرة السرايا على معظم المنشآت بمنطقة الهلال النفطي كثيرا من التفاصيل إلى خريطة التحالفات السياسية والعسكرية الليبية، ولكنها عمقت بعض الانقسامات، وباعدت بين بعض الأطراف التي كانت مسافة البعد بينها غير واضحة للمراقب الخارجي. وهو ما نجمله على هذا النحو:

- تبين من خلال البيانين الصادرين صبيحة العملية عن السراج ووزير الدفاع في حكومته المهدي البرغثي أن الهوة بينهما في اتساع مستمر، بعد أن أعلن البرغثي الحرب على حفتر، وسعى السراج جاهدا إلى ضم الأخير إلى الاتفاق السياسي، وحاول استرضاءه أكثر من مرة.

لقد صرح السراج بإدانة العملية متبرئا منها، واعتبرها تهدف إلى إعاقة جهود التسوية السياسية، في حين تحدث عنها البرغثي بلغة هادئة مشيرا إلى إمكانية إنشاء "قوة محايدة" لحماية المنشآت النفطية.

- تبع بيانَ البرغثي تصريحٌ للناطق باسم وزارة الدفاع محمد الغصري الذي أعلن أن قرارا سيصدر بتشكيل قوة لحماية الموانئ النفطية. ولعل مما له دلالة في هذا السياق كون الغصري كان -إلى وقت قريب- ناطقا باسم عمليات "البنيان المرصوص" التي قاتلت تنظيم الدولة الإسلامية في سرت، وهو منحدر من مدينة مصراتة.

وهي الإشارة التي التقطها آمر حرس المنشآت المكلف من المجلس الرئاسي العقيد إدريس بوخمادة (من مناوئي حفتر وينتمي إلى قبيلة "المغاربة")، وأعلن جاهزية الجهاز لتسلم المسؤولية عن الموانئ، مذكرا بكونه يتبع المؤسسة الوطنية للنفط.

- مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني بارك العملية ودعا إلى دعمها، وهو نفس الموقف الذي اتخذته حكومة الإنقاذ بقيادة خليفة الغويل. وهو موقف كان منتظرا مثلَ موقف السياسيين من معسكر الكرامة الذين أدانوا عملية السيطرة على الموانئ.

- لم تصدر لحد الساعة ردود فعل واضحة من المجالس العسكرية أو الاجتماعية بمدينة مصراتة، وإن كان اسم المدينة تردد بكثرة خلال الأيام الماضية؛ فالناطق باسم حفتر اتهمها علنا بدعم العملية.

وهناك أطراف كثيرة تعتبر موقف هذه المجالس حاسما من ميزان القوة المستقبلي، نظرا لكثير من العوامل ليس أقلها شأنا وقوع الهلال النفطي تحت مرمى قوات "البنيان المرصوص" المرابطة في مدينة سرت، واتصال خطوط الإمداد مع منطقة الجفرة حيث امتدادات أذرع "درع الوسطى" التي تشكل مصراتة سوادها الأعظم.

إعادة رسم التحالفات

حقق الهجوم الأول لسرايا الدفاع هدفه بالسيطرة على معظم الموانئ النفطية، ولم يتبق بيد قوات حفتر إلا ميناء البريقة وحده، إضافة إلى مدينة إجدابيا، وهي أكبر المدن الموجودة في المنطقة، ومع الدفعة الإيجابية التي حازتها السرايا بهجومها الأول، إلا أنها فقدت عنصر المفاجأة الذي اعتمدت في العملية الأولى، وهو ما سيعقد الهجوم على ميناء البريقة الذي تفصله مسافة مكشوفة عن أقرب الموانئ إليه، ويعد السير فيها مفاجأة في ظل تفوق حفتر جويا.

كما أن الأيام التي انقضت منذ الهجوم مكنت حفتر من تجميع ما تبقى من قواته في البريقة، وستكون حساسية الموقع، وتيقظ كل القوى عائقا إضافيا أمام أي هجوم جديد للسرايا.

ومع ذلك فقد أكسبهم استلام الموانئ من طرف حرس المنشآت التابع للمجلس الرئاسي نوعا من الأمان النسبي في وجه أي تفكير لحفتر بالهجوم على المواقع التي خسرها في الهوم الأول.

لقد خسر حفتر معنويا بخسارته الموانئ النفطية أكثر بكثير مما خسره ماديا؛ فقد اهتزت صورته التي يقدم بها نفسه للعالم كرجل ليبيا القوي، كما قد تعرضه لخسارة بعض حلفائه الداخليين الذين راهنوا عليه لوقت طويل، وقد كانت مظاهر الامتعاض من بعض تصرفات حفتر تظهر من بعض حلفائه بين الفينة والأخرى.

وهي خسارة يصعب تعويضها في ظل مناخ دولي وإقليمي بات أقرب إلى دعم الاستقرار في ليبيا، ولو بالتنازل عن بعض الحلفاء.

"منحت عملية السرايا فرصة جديدة للمعسكر الداعي إلى الحل السياسي بتمكينه من التفاوض مع حفتر من موقع قوة، ودفعه إلى التنازل لصالح بقية الأطراف، والانخراط في العملية السياسية باعتباره جزءا منها وليس محورا لها. وربما أعطتهم -أكثر من ذلك- إشارة بإمكانية الإجهاز على حفتر أو إضعافه بدرجة كبيرة، ولو إلى حين"

إن الخسارة المباشرة لمنطقة الهلال النفطي -رغم جسامتها بالنسبة لحفتر- ليست أقوى من أثرها السلبي على جبهته الداخلية وصورته الخارجية؛ فإعادته بهذه السهولة إلى مربع المسيطِر على مدن بالمنطقة الشرقية -بعد أن بدأ في تسويق نفسه كقوة أولى في ليبيا- من شأنها أن ترفع أعناق الطامحين إلى الفكاك من سيطرته في معسكر الكرامة.

كما ستجعل بعض القوى الاجتماعية التي استثمرت فيه مدة طويلة نسبيا تعيد حساباتها، بعد أن باتت خسارته أي منطقة أمرا واردا وبأسرع مما يمكن توقعه.

لم تُضف عملية استيلاء سرايا الدفاع عن بنغازي على أغلب موانئ الهلال النفطي بعدا جديدا للصراع الليبي في شقيه السياسي والعسكري، ولكنها رسمت مربعا جديدا في خريطة التحالفات العسكرية والسياسية سمحت باللقاء -أو التقارب- بين بعض مكونات مصراتة (والغرب الليبي عامة) وبعض المكونات السابقة في تحالف برقة السياسي العسكري.

كما أخرجت إلى العلن تقاربا بين المهدي البرغثي -الذي كان إلى وقت قريب ضمن مكونات معسكر الكرامة- وسرايا الدفاع عن بنغازي التي كان أغب قياداتها ضمن تحالف مجلس شورى ثوار بنغازي.

ومثلت ضربةً مزدوجةً لكل من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وقائد عملية الكرامة خليفة حفتر؛ فقد شككت في دعاية الاستقرار القائم على السيطرة العسكرية التي يقدم حفتر نفسه باعتباره رسولها في المنطقة الشرقية، وأظهرت محدودية قوته وأعطت صورة مغايرة للتي يُسوقه حلفاؤه بها.

كما وضعت السراج أمام حقيقة رفضه الاعتراف بتعقيدات الواقع التي هي أبعد وأعمق من مجرد الجلوس مع خليفة حفتر، أو القبول به ضمن المنظومة السياسية والعسكرية. خاصة أن الموقف الدولي بدا غير مبالٍ كثيرا بما يجري في منطقة الهلال النفطي.

وقد منحت العملية فرصة جديدة للمعسكر الداعي إلى الحل السياسي بتمكينه من التفاوض مع حفتر من موقع قوة، ودفعه إلى التنازل لصالح بقية الأطراف، والانخراط في العملية السياسية باعتباره جزءا منها وليس محورا لها. وربما أعطتهم -أكثر من ذلك- إشارة بإمكانية الإجهاز على حفتر أو إضعافه بدرجة كبيرة، ولو إلى حين.

إنها مجرد جولة جديدة في الحرب الأهلية الليبية المتعددة الأطراف، ولا يمكن الجزم بأكثر من كونها فتحت فرصة جديدة لتسوية أفضل، مع إمكانية مزيد من التعقيد إذا لم تُستثمر نتائج المعركة على طاولة السياسة.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة