الشرق المسلم.. الفلسفة والخصوصيات الدستورية
الكاتب : مهنا الحبيل
عدد القراءات : 39

يتعرض خطاب النهضة الإسلامي الجديد إلى سؤالين اعتراضييْن من فريقين مختلفين، والمقصود بخطاب النهضة التجديدي هو حقيبة المطارحات الفكرية المتعددة التي تُقدِّمُ للأمة مراجعات نقدية، تشخّص الداء الذي تسبب في أزمات الأمة أو ساهم فيها عبر بعض الفقه والتصور الخاطئ الذي ساد، وعبر تغلّب قوى الاستبداد على العقل الفكري المستقل وخنقه -في ظروف صراعية محبطة- أو محاصرته، إلا في سياق يسمح به هذا الاستبداد ولا يسمح بالخروج عنه.

وبالتالي تراكمت على الخطاب الفكري عهود من النقص والانتكاس، سببت هذا العجز المذموم في توجيهات الشريعة التي تندب مقاصدها لتحقيق العمران، ونهضة الإنسان في كونه، وفهم معارف الدلالة للأحوال والخلق من حوله.

وبالتالي عادت غربة التبشير بخطاب المعرفة الإسلامية وصعوبات ظروفها لتستأنف رحلة ابن خلدون، ليس من خلال ما توقف عنده ولكن ما يستجد من بعده لفهم الرحلة البشرية وإطارها المدني، المتفق بل المعتمد كلياً على الإيمان التوحيدي.

ولتبسيط هذا المعنى نقول إن هذه المهمة الضرورية والصعبة هي جواب لسؤال: ما الذي يؤمن به المفكر وباحث النهضة الإسلامي أمام هذا الكم الهائل من انهيارات حاضر العالم الإسلامي الثقافية والسياسية والعسكرية؟ ليقدمه من مداورة العقل وتدبر الكون في فهم ماذا يجب على المسلمين فعله لتصحيح قاعدة ثقافتهم، وتحولات سياسات بلدانهم، ومواجهة مشاريع عدوهم الظالمة، وهي أفعال تحت التعبد السببي الذي يجب على المسلمين الأخذُ به، وتنص عليه أفكار ووقائع التشريع الإسلامي.

يظن البعض أن مهمة العقل المسلم ربط الخلاص بأن يحوّل الذكر وما جاءه من موعود الله - عز وجل - إلى برنامج تنفيذي يكتفي به ليواجه به الواقع، فيردد الأذكار والإيمانيات دون إعمال هذا الفكر المعرفي العمراني كما يسميه ابن خلدون، والخروج منه بصناعة سببية تَعبّده اللهُ بها وجوبا، وإن كان له -جلّ في عُلاه- الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، وهو ما كانت توجيهات الفاروق عمر تنحته في نفوس الصدر الأول.

ومن كارثة هذا الفهم اعتقاد البعض أن الله يحيي المسلمين حياة طيّبة في معاشهم الدنيوي ومصير بلدانهم لمجرد الإيمان والتسليم، دون العمل بالأسباب والأخذ بصناعتها الفكرية والسياسية اللازمة كلياً، وهو مفهوم خطير ومدمِّر ولا يزال تأثيره يعصف بمجتمعات الشرق، وخاصة حين يستمر هدرُ الشورى الملزمة، وغيابُ مؤسساتها القادرة على ضبط تعسف الفرد إسلاميا كان أو غير ذلك.

بعد تأسيس هذه القاعدة الفكرية، نذكّر بالمفاهيم التي استعرضناها في عدة مقالات، لتبيّن حجم المساحة الدستورية للعدالة الاجتماعية التي تسعها الشريعة في دائرة الاجتهاد المقاصدي، الذي هو المالك لقدرة البناء القانوني والدستوري في الدولة المسلمة، ولا يستغني عن الفقه، لكنه الفقه المؤهل أصوليا لوعي كليّات الشريعة والبناء عليها لمصلحة الإنسان، في دولةٍ سياسية مستقرة ومجتمعِ فضيلة، يحترم الفردَ ومساحة حريته التي تتفق مع السياق القيمي العام، الذي تضع شروطه الدولة في تراضٍ مجتمعي واسع.

وهي أحكام في السياسة والضوابط الاجتماعية وعلاقات الشعوب، تقوم على دائرة اجتهاد متعدد بحسب فقه الشريعة، سواء في دائرة الاختلاف الذي يسعه الفقه، أو في دائرة السكوت الشرعي عن النُّظم المطلوب منها تحقيق العدالة السياسية، وقوة الدولة الراعية اجتماعيا وحقوقيا لمواطنيها من كل دين وقومية.

وقد سكت عنها الشرع لكونها من حاجات التجديد في كل زمان ومكان عبر أطوار الدهر، ولا يُمكن أن تُحبس من خلال فقه شيخ فاضل، اعتسف كل هذه المقاصد فأوّل طريقة الحكم وحصره في تصور محدود، صنعه ضيق مذهبه الفقهي أو قلة وعيه الفكري والسياسي.

والآن نعود إلى سؤاليْ المقال: الأول من طرف أنصار الدولة المدنية بنموذجها الغربي المصمت، أي التطبيق الكلي لجميع مفاهيم الغرب بين نزعته الإلحادية أو المسيحية التي أثّرت على بنائه الدستوري والأخلاقي، وليس الإفادة من مشتركات الديمقراطية بين الإنسانية في الآلة والمفهوم، التي تساعد الشعوب على تنظيم مجتمعاتها سياسيا وقانونيا.

وهناك قضية مهمّ للغاية فهمها في هذا السياق، وهي أن مساحة المشتركات الإنسانية، واحترام الفرد وحقوق الإنسان، وإنصاف الشعوب بعضها بعضاً، ورد الظلم الدولي أو المحلي، هي قضايا تنزع لها مقاصد التشريع الإسلامي، أي وضع تصور عملي لعلاقة إيجابية بين الغرب والشرق المسلم بقومياته، ورعاية المسلمين لطوائفهم المبتعدة والمقتربة، وهو سياق يتطابق مع فرضية السلم العالمي التي يشرعها الإسلام.

لكن تاريخ الأديان والشعوب والجغرافيا السياسية ليس كذلك مطلقاً في الطرف الغربي منذ تاريخه القديم وحتى اليوم، ولا يعتمد أبداً هذه الجغرافيا الموحدة بين الشرق والغرب، حتى وإن وُجدت دعوات إنصاف من اليسار الجديد أو غيره من معتدلي المسيحية، فهي لا يوجد مؤشر على تبنيها من الدولة المدنية التي نشأت في الغرب بين أوروبا القديمة والجديدة، وهي الولايات المتحدة الأميركية.

إن دعوة العالم الإسلامي إلى تبني منهجية الغرب الفلسفية الكلية -باعتبار نهضته مع الغرب تحالفية- وهمٌ كبير، فهذا الشرق عند هذه المنهجية الغربية ليس أخاً إنسانياً متّحداً، لا في هويته الإسلامية الغالبة ولا في مسألة وجوده في سلة الجغرافيا العالمية، التي يستقي منها الغرب قوته الاقتصادية والسياسية، وهذا ليس حديثا عاطفيا بل استقراء لواقع السياسات وتاريخها الكلي، منذ أن قامت الدولة المدنية في الغرب وفقا لهذا السياق.

فهنا الصراع ليس في مسألة دولة مدنية حقوقية دستورية، تحمل هويتها في الشرق فيحتضنها الغرب أو ينافسها باحترام، فهذا ليس واردا، ولكنه في قضية أن هذا الغرب -بمعتقده الديني أو مصالحه- لم يسعَ ولا يسرّه وليس من أهدافه قيام تلك الأمم مدنياً لتشكّل له منافسا.

ولم تُنتج الدولة المدنية في الغرب هذا المفهوم التصالحي، وإنما أنتجت معادلة صراع وحروب ساهمت في بقاء الشرق في محنته، لوجود خلاف أصلي في فلسفة قيام دولته المدنية مع مفاهيم الشرق، وإيمانه بأن الشرق سلة مصالح لا شركاء نهضة إنسانية. فبناءً على أي قاعدة يدعو التيار العربي أو الشرقي إلى مطابقة الغرب فلسفيا؟

المسألة الثانية: في الرد على دعوات التطابق الفلسفي مع الغرب وأنه هو العائق للتقدم والنهضة، فنقول: إن فكرة الإنسان والإيمان والخالق، واستخلاف البشرية لعمارة الأرض، مع ندْب البشرية الملحّ للإيمان، تصطدم بالضرورة مع الفلسفة الاجتماعية الغربية التي ولّدت الدولة الحديثة بمفهوم أن الإنسان يخلق نفسه، ولا دور لضميرٍ روحي، ولا تعترف بقيم روحية ولا طمأنينة نفس، ولا ندب ديني يحرك الإنسان للنهضة والسمو.

وهنا نقطتان مهمتان: الأولى، أن طرح نماذج دينية منحرفة عن التشريع الإسلامي ضد الحقوق والحريات والمرأة، أمام الواقع الغربي المزدوج بين قانونٍ عادل في مساراته السياسية لمواطنيه وحرياتٍ شخصية مفتوحة بما فيها المنحرفة عن الفطرة، هو مقارنة غير منصفة؛ فنماذج الانحراف ليست من منتجات فلسفة المعرفة والنهضة الإسلامية، في حين أن تلك الصور في الغرب هي من منتجات الفلسفة الاجتماعية الغربية الأخيرة، التي قامت عليها الدولة المدنية في الغرب.

وكيف نسلّم لمن يحكم باسم العدالة الإنسانية أنْ يزعم أنّ الأخلاق والقيم الروحية، واستقرار الأسرة ورابطة قداستها، ورعاية النفس بطمأنينة الضمير، ودعم روح الفضيلة في المجتمع، مع مساحة الحق الفردي في الحوار وحقه السياسي والاقتصادي والفكري، هو مشروع فاشل، أمام نموذج الغرب الذي أسقط معيار الأخلاق، ونحّى دور الروح في استقرار المجتمع. هذا افتراض لا دليل عليه.

فلماذا تُشترط ثقافيا على كل محاولات النهوض في الشرق هذه المطابقة، وهذا الاستئصال الكلي لفلسفة الإسلام والنهضة التي هي سرُّ تميّزِ وتفوّقِ فكرته، وإن عصفت به الأحداث السياسية. إن هذا الوعي لا يقف عند الإسلاميين فحسب، بل يوجد حتى لدى شريحة واسعة من العلمانيين في الشرق، الذي يأمل أو يكافح لدولة حقوق وحريات وتداول فكري.

لكنه على الإطلاق لا يميل إلى أن يحوّل مجتمعه إلى فكرة الصراع مع الأسرة، كما تبنته سيمون دي بيفوار -على سبيل المثال- في حركة الغرب النسوية، بل ولا حتى التخلي عن قيم الروح.

إن الإشكال في الحالة العلمانية المعتدلة في الشرق -عربا وعجما- هي شعور أصحابها باعتساف النص من بعض الإسلاميين ضد إنسانيتهم، مع تفهم الكثير منهم بل وإيمانه بأن الشرق يبقى شرقا يعتزون به، والغرب لا يقبل بهم منافسا ديمقراطيا.

هنا نجيب على الفريق الأول في تيار الاشتراط العلماني المتطرف على النهضة الإسلامية، وفي المقال القادم نحرر الجواب على فريق السلفية المحافظة، الرافض لخطاب المعرفة والنهضة الإسلامي.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة