رحلة مع الرحلة المعجزة
عدد القراءات : 20

ما تزال الرحلة المعجزة، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السموات العلى... مصدر إلهام ودروسٍ عبر العصور، ينهل منه المؤمنون هدى وشفاءً كلما استشرفوا النور في دروب الحياة، أو العلاج لأدواء النفس والمجتمع.

وحين نَرجع البصرَ بين هذه الحادثة، وبين سياقها في أحداث السيرة النبوية، ثم بينها وبين الموضوعات التي عالجتها سورة الإسراء نجد هدياً غَدَقاً.

جاء الإسلام يعلن عن نفسه أنه دين للعالمين، منذ أيامه الأولى، وقبل أن يشيع ذِكرُهُ في الآفاق، ففي سورة القلم مثلاً وهي التي نزلت قبل مُضيّ السنوات الثلاث الأولى على البعثة نقرأ قوله - تعالى -: (وما هو إلا ذِكرٌ للعالمين)، فضلاً عما ذكرته سور مكية أخرى، كسورة الأنعام: (إنْ هو إلا ذكرى للعالمين)، ويوسف: (إنْ هو إلا ذكرٌ للعالمين)، والأنبياء: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، والفرقان: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)...

نعم. ولكن حادثة الإسراء والمعراج كانت كإشارة الانطلاق من مرحلة "المحليّة" إلى مرحلة "العالمية".

فلأول مرة يخرج محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد البعثة خارج الجزيرة العربية، بل يكون خروجه إلى بيت المقدس بإيلياء، ويصلي إماماً بجمع الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام... وكأنه يعلن أنه الوارثُ لهديهم جميعاً، المُتسلِّمُ للراية من أيديهم، الحاملُ للأمانة العظمى ليؤديها إلى العالمين بعد أن أدّاها كل منهم إلى قومه.

والمسجد الأقصى محطة الإسراء العظمى، وصنو المسجد الحرام، وموئل المسلمين... هو أمانة في عنق كل مسلم ليبذل الغالي والنفيس حتى يعيده إلى حوزة الإسلام، ويحرره من طغيان يهود، ويصلي فيه صلاة تعدل خمسمئة صلاة.

وكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وفيه إشارة قوية إلى تنقّل المسلم بين مسجد ومسجد، كالتي كانت في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ورجل معلّق قلبه بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه". رواه الأئمة مالك ومسلم والترمذي.

وكانت الحادثة المعجزة بعد عام الحزن، وبعد سنوات من الأذى والتكذيب والتعذيب... من قوم قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وبعد دعوة وبيان، وصبر جميل، وثبات على الحق أيَّ ثبات، من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن الثلة الطاهرة الكريمة التي آمنت معه.

أليست هذه الحادثة تحمل معنى التكريم والبشرى للصابرين الثابتين المجاهدين، وأن الفجر ينبثق من قلب الظلمات، وأن قلب المؤمن يبقى أبداً معلقاً بالأمل بنصر الله؟!

لقد صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى كانوا مضرب المثل. وأيّنا لا يذكر بلالاً وخباباً وياسراً وسمية وزِنّيرة؟! لقد ثبتوا ثباتاً دونَه ثباتُ الجبال. وما تزال كلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - تدوّي عبر القرون: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته! " بل إن ثبات النبي - صلى الله عليه وسلم - أمام التعذيب وأمام الإغراء معاً كان فوق معهود البشر، لكنه توفيق الله وعصمته وحفظه، وهذا ما أشارت إليه سورة الإسراء نفسها: (ولولا أن ثبتناك لقد كدتَ تركَنُ إليهم شيئاً قليلاً).

ولقد جاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في مكة حق الجهاد. والجهاد إيمان وعقيدة وإقدام، قبل أن يكون سيفاً ورمحاً. وصحيح أنه ليس كل الذين يثبتون في ساحة الدعوة والصبر على الأذى يثبتون في ساحات القتال، إلا أن النفوس التي رُبّيت على حمل هذا الدين، وألِفَتْ تحمّل الأذى في سبيله والتزمته سلوكاً ومنهجاً... هذه النفوس مؤهلة بدرجة عالية للثبات في المعركة. وقد أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في العهد المكي أن يجاهد الكفار بالقرآن، مصداقاً لقول الله - تعالى -في سورة الفرقان: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً).

ويرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الرحلة المباركة، ويحدِّث الناس بها فيكونون بين مصدّق ومكذّب. وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنْ أُسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: لقد صدق. إني لأصدقه بأبعد من ذلك، بخبر السماء غدوة وروحة. فلذلك سُمي الصديق "قال السيوطي: إسناده جيد"

قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن الله سمّى أبا بكر على لسان نبيه صديقاً!.

وكان الإسراء هو المعجزة الثانية من حيث الضخامة والأهمية، بعد المعجزة الأولى للنبي - صلى الله عليه وسلم -، معجزة القرآن. وليست مصادفة أن السورة التي ابتدأت بذكر الإسراء هي ذاتها التي أشارت إلى المعجزة الأولى: (قل: لئن اجتمعت الإنسُ والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً). بل إن هذه السورة قد ذُكرت فيها كلمة (القرآن) عشر مرات! ويكفي أن فيها قول الله - تعالى -: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، وقوله - سبحانه -: (وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا).

ففي القرآن الهداية إلى الأقوم في شؤون الحياة كلها، وفيه الهدى من كل ضلال، والشفاء من أدواء الجاهلية جميعاً.

بل إن السورة أشارت إلى آيات أخرى لله - تعالى -في الأنفس والآفاق. من ذلك قوله - تعالى -: (وجعلنا الليل والنهار آيتين). وقوله: (وآتينا ثمودَ الناقةَ مبصرة)، يعني آية واضحة بينة.

وبذلك تَنْظِمُ السورة حادثة الإسراء في سلك المعجزات الكبرى.

وحادثة الإسراء إذ تشير إلى انتقال راية الهداية إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن سورة الإسراء تشير إلى انقضاء دور بني إسرائيل، وإلى أن مآلهم هو الهلاك. إنهم أو المفسدون منهم سيتحقق لهم العلوّ في الأرض مرتين، وسيكون هلاكهم بعدهما على أيدي عباد الله أولي البأس الشديد.

وإن ما نشهده اليوم هو عُلُوّ أيُّ علوّ، لمفسدي بني إسرائيل. وإن الدور سيكون لعباد الله أولي البأس الشديد، وإنه لدور قادم بإذن الله، وإنا لنراهم قادمين، يحملون القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ويبذلون المهج والأرواح دفاعاً عن الحق.

وإذا كان بنو إسرائيل، وهم أهل كتاب، قد انتهى دورهم حين أعرضوا عن هدي الله، فإنّ أذنابهم من الملاحدة وأبناء الطوائف الكافرة المارقة أولى بأن ينزاحوا عن طريق أهل الإيمان، ويُسلّموا الراية لعباد الله!.

وليس بعيداً عن السياق أن تذكر سورة الإسراء أن هلاك الأمم يكون بتسلُّط مترفيها، وأن تدعو إلى أصول الفضائل ومكارم الأخلاق، من عبادة الله وحده، وبر الوالدين، والإحسان إلى ذوي القربى والمساكين واليتامى... والاقتصاد في الإنفاق، وصيانة الأنفس والأموال.

هذه هي رحلة الإسراء: معجزة، وتكريم، ووعيد بهلاك المفسدين، ووعد بنصر المؤمنين، وبيان لطريق الحق ومنهجه، وإعداد للأمة المرشحة لحمل راية الهدى إلى يوم الدين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة