خطورة الغفلة وفضل شعبان
عدد القراءات : 59

 الخطبة الأولى

إن الله -تعالى- سخر لعباده ما في السموات وما في الأرض، ورغبهم بالجنة ورهبهم من النار، وذكرهم بما هم مقبلون عليه بعد الموت من أهوال وكربات عظام، لكن بعض الناس ينسى هذه الحقائق ويغفل عنها، حتى إن المرء لو نظر لأحوال هؤلاء لوجد جرأة عجيبة على الله، وسيرا في طريق المعاصي والشهوات، وتهاونا في الفرائض والواجبات، فيتساءل: هل يصدق هؤلاء بالجنة والنار أم أنهم وعدوا بالنجاة من النار؟ وكأنها خلقت لغيرهم قال - تعالى -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].

1- خطورة الغفلة:

فاتحة لسورة عظيمة في كتاب الله - عز وجل - لو تدبرها الإنسان وفهم معناها لغيَّر سلوكه، ولأقلع عن ضلاله وغيه، ولأقبل على خالقه ومولاه متذللا خائفا راجيا رحمته مشفقا من عذابه، إنها بداية سورة الأنبياء حيث يقول جل جلاله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء: 1 - 3] كلمات تهز الغافلين هزاً، فالحساب يقترب والناس في غفلة، والقرآن يتلى والناس في إعراض، والسبب في ذلك هو أن قلوبهم لاهية وساهية، وإن الغافل عن ربه ومولاه في ضنك وشقاء ولو كان في نعيم ورخاء؛ لأن الله يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [طه: 124]، قال ابن كثير - رحمه الله - تعالى-: "هذا تنبيه من الله -تعالى- لعباده على اقتراب الساعة.. وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الناس عنها في غفلة".

إن الإنسان يُصاب في هذه الحياة الدنيا بأمراض في البدن والجسم فيسارع إلى الطبيب طلبا للعلاج والشفاء، وقد يصاب بأمراض هي أشد فتكاً، وأشد خطراً من أمراض البدن، وهي الأمراض تؤدي إلى خسارته في الدنيا والآخرة، تلكم هي أمراض القلوب.

فحياة القلوب حياة للأبدان، وموت القلوب موت للأبدان، حيث يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ)) [1] فالقلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وتموت كما تموت الأبدان، فإذا مرضت القلوب عظم البلاء واشتد العناء، حيث إن الله - جل وعلا - توعد أصحاب القلوب المريضة بوعيد شديد وعذاب أليم، فقال - سبحانه وتعالى -: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر: 22]، فقد تبين للمسلم بعد سماع هذه الآيات أن مرض الغفلة من أشد أمراض القلوب وأخطرها حيث أنه يصد عن الهداية وينسي الآخرة، فالواجب على المسلم أن يعلم أن سعادته بأن يكون عبدا لربه ومولاه قائما على أمره، منتهيا عما حذر منه ونهاه، ولا تشغله دنياه عن آخراه؛ ولذلك لو تدبرنا كتاب الله في سورة النور نجد أن الله - عز وجل - مدح قوما بأنهم معه - سبحانه - في حركاتهم وسكناتهم وبيعهم وشرائهم فلم تستطيع الدنيا أن تصرفهم عن التعلق بخالقهم -جل جلاله-، حيث قال - عز وجل -: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور: 37 - 38].

2- علامات الغفلة:

أولاً: التكاسل عن الطاعات: وهذه العلامة من أهم العلامات، قال الله -تعالى- في شأن المنافقين: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 142].

ثانياً: استصغار المحرمات والتهاون بها: قال عبد الله بن مسعود -رَضي الله عنه-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذُباب مرّ على أنفه فقال به هكذا"، فقال أبو شهاب: "بيده فوق أنفه" [2].

ثالثاً: إلف المعصية ومحبتها والجهر بها: عن أبي هريرة -رَضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعملَ الرَّجلُ بالليل عملاً ثم يُصبحُ وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) [3].

رابعاً: تضييع الوقت من غير فائدة: فإن الوقت نعمة، ولا يضيعه إلا غافل؛ لأنه لا يعرف أن الوقت هو أغلى ما يملك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ))[4].

وما أحسن قول القائل:

تزوَّد من التُّقَى فإنَّك لا تدري *** إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ *** وكم من عليلٍ عاش حيناً من الدهر

3- أسباب الغفلة:

1- حب الدنيا: فحب الدنيا رأس كل خطيئة، والغفلة هي ثمرة حب الدنيا، قال - تعالى -: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 6 - 7]، يقول ابن كثير في تفسيره: "فإن أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وإكسابها وشؤونها فهم فيها حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها وهم غافلون عن أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة"، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "وَاللَّهِ لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أن يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلَى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ وَمَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ".

فبعض الناس يجلسون مع بعضهم البعض كل حديثهم عن الدنيا، عن المال، عن النساء، عن الشهوات، عن الربح عن الخسارة، وهم عن الآخرة هم غافلون، فالاغترار بالدنيا والانغماس في شهواتها سبب كبير للغفلة، قال الله - عز وجل -: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3].

إن حال هؤلاء ليُنبأ عن سُكْر بحب الدنيا وكأنهم مخلدون فيها، وكأنهم لن يخرجوا منها بغير شيء من متاعها مع أن القرآن يهتف بنا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر: 5].

إن سكران الدنيا لا يفيق منها إلا في عسكر الموتى نادما مع الغافلين، وهؤلاء الصنف يقول عنهم - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة)) [5] الجَعظري هو: الفظُّ الغليظ المتكبر، والجواظ: الجموع المنوع، والسخَّاب كالصخَّاب أي: كثير الضجيج والخصام. فهذا الرجل كأنه لم يخلق للعبادة وإنما خلق للدنيا وشهواتها فإنه إن فكر فكر للدنيا وإن أحب أحب للدنيا، وإن عمل عمل للدنيا، فمن أجلها يخاصم ويزاحم ويقاتل، وبسببها يتهاون ويترك كثيراً من أوامر الله - عز وجل - وينتهك المحرمات.

وإن من الخسارة العظيمة: أن تضيع حياة العبد ما بين أمل طويل وعمل سيء، فتراه في نهاره عاملاً ناصباً صاخباً جامعاً مانعاً، وللفرائض والآداب مضيعاً، فإذا جاء الليل ارتمى على فراشه كالخشبة الملقاة أو الجيفة القذرة، لا يقوم لصلاة فريضة فضلاً عن قيام ليل وعبادة رب كريم!

إن حال هؤلاء يصدق فيه قول القائل:

نهارك يا مغرور سهو وغفلةٌ *** وليلك نومٌ والردى لك لازمٌ

وشغلك فيما سوف تكره غِبَّهُ *** كذلك في الدنيا تعيش البهائم

2- من أعظم أسباب الغفلة: الجهل بالله - عز وجل - وأسمائه وصفاته، والحق أن كثيرًا من الناس لم يعرفوا ربهم حق المعرفة، ولو عرفوه حق المعرفة ما غفلوا عن ذكره، وما غفلوا عن أوامره ونواهيه؛ لأن المعرفة الحقيقية تورث القلب تعظيم الرب ومحبته وخوفه ورجاءه، فيستحي المؤمن أن يراه ربه على معصية، أو أن يراه غافلاً، فأُنس الجاهلين بالمعاصي والشهوات، وأُنس العارفين بالذكر والطاعات.

3- المعاصي: وهي من أعظم أسباب الغفلة، قال الله - عز وجل -: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14]، وقال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق".

4- صحبة السوء: والعرب تقول الصاحب ساحب، والطبع يسرق من الطبع، فمن جالس أهل الغفلة والجرأة على المعاصي سرى إلى نفسه هذا الداء: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) [الفرقان: 27 - 29]، وحديث أبي موسى -رَضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة))[6] عن أبي هريرة -رَضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) [7]، وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري -رَضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)) [8].

وما أحسن ما قال القائل:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينة *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

5- طول الأمل: فيعيش في الدنيا وهو يظن أنه لن يفارقها فهو مقبل عليها غافلا عن آخرته، قال الله -تعالى-: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3]، وحديث أنس بن مالك -رَضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر))[9]، وقال عليٌّ بن أبي طالب -رَضي الله عنه-: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدةٍ منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرةِ ولا تكون من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل"[10].

6- كثرة الكلام في غير ذكر الله -تعالى-: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يرفعه: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله -تعالى- قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله -تعالى- القلب القاسي"[11]، ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين، فليتخير العبد أعجبهما إليه وأَولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة".

7- الغفلة عن الموت والدار الآخرة: وقد أخبر الله عن هذا الصنف بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس: 7 - 8]، وقد نقل ابن كثير - رحمه الله - عن أشعر الناس أبو العتاهية حيث قال: "الناس في غفلاتهم ورحا المنية تطحنُ".

4- علاج الغفلة:

أولاً: العلم بالله: معرفة الله - عز وجل -، ومعرفة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة دينه وشرعه، قال الله -تعالى-: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 9]، وعن معاوية -رَضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) [12].

ثانياً: ذكر الله -تعالى- على كل حال: فعن أبي موسى الأشعري -رَضي الله عنه- أن النبي قال: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت))[13].

ثالثا: مجالس الذكر: فهي العلاج الناجع لعلاج غفلة القلوب، فعن أنس بن مالك -رَضي الله عنه-: أن رسول الله قال: (( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر)) [14].

رابعاً: قراءة القرآن: قال خبَّاب بن الأرتِّ -رَضي الله عنه-: "تقرّب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحب عليه من كلامه"، وقال عثمان -رَضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم"، وقال عبد الله بن مسعود -رَضي الله عنه-: "من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله".

خامسا: الدعاء والتضرع إلى الله -تعالى-: عن أبي سعيد -رَضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يُصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذاً نكثر، قال: "الله أكثر)) [15].

سادساً: المحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة: عن أبي هريرة -رَضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين))[16]، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)) [17].

سابعا: الحرص على قيام الليل: ولو بعشر آيات في قيامه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين)) [18]، وعن سهل بن سعد -رَضي الله عنه- قال: جاء جبريل إلى النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقال له: (( يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، واعلم أن شرفُ المؤمن قيام الليل، وأن عزُّهُ استغناؤُه عن الناس)) [19].

ثامنا: الإكثار من ذكر الموت: عن أبي هريرة -رَضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات" (يعني الموت)، وفي لفظ لابن حبان: "أكثروا ذكر هاذِم اللذات، فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وَسَّعَهُ عليه، ولا ذكره وهو في سعةٍ إلا ضَيَّقَه عليه)) [20].

عباد الله: جدير بنا أن نعلم أن في تقلب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، فالأيام تمر كلمح البصر، فبغروب شمس البارحة ودعنا شهر رجب ليهل علينا هلال شعبان، وما أدراك ما شعبان، ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات ننظر فيها حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحال سلف الأمة الذين أمرنا بالاقتداء بهم مع ذكر بعض فضائله وأحكامه، عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) [21]، وعن أنس بن مالك -رَضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان"[22].

إن هذا الحديث تضمن معنيين مهمين:

أحدهما: أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان.

وثانيهما: أن الأعمال ترفع وتعرض على رب العالمين، فأما كون شعبان تغفل الناس فيه عنه، فإن ذلك بسبب أنه بين شهرين عظيمين، وهما الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فاشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان؛ لأن رجب شهر محرم، وهذا ليس بصحيح، فإن صيام شعبان أفضل من صيام رجب للأحاديث المتقدمة.

ومن شدة محافظته - صلى الله عليه وسلم - على الصوم في شعبان كان أزواجه يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- تقول: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان" [23]، وفي رواية عن النسائي والترمذي قالت: "ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله"، وفي رواية لأبى داود قالت: "كان أحب الشهور إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان"، هذا حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شعبان فهل أنت مستعد لتشمر عن ساعد الجد فتكون مقتديا برسولك وحبيبك فتخص هذا الشهر بمزيد من العبادة والإقبال على الله -تعالى- كما كان حال رسول الله في شعبان؟ أم أنك ستبقى مع الغافلين اللاهين الذين تمر بهم الشهور والأيام وهم معرضون فلا يشعرون إلا بعد نقلتهم من هذه الدنيا التي كانوا فيها نائمين لينتبهوا في عالم البرزخ بعد فوات الأوان... ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس وهومن؟ هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يجدّون في شعبان، ويتهيؤون فيه لرمضان. قال سلمة بن كهيل: "كان يقال شهر شعبان شهر القراء، وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران".، قال أبوبكر البلخي: "شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع"، وقال أيضا: "مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان".

وها قد مضى رجب فما أنت فاعل في شعبان إن كنت تريد رمضان، هذا حال نبيك وحال سلف الأمة في هذا الشهر المبارك، فما هو موقعك من هذه الأعمال والدرجات.

مضى رجب وما أحسنت فيـه *** وهذا شهر شـعبان المبـارك

فيـا من ضيع الأوقـات جهلا *** بحرمتها أفق واحـذر بوارك

فسـوف تفـارق اللذات قهـرا *** ويخلى الموت قهرا منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا *** بتوبة مخلص واجعل مـدارك

على طلب السـلامة من جحيم *** فخير ذوي الجرائم من تدارك

--

1- البخاري: (52)، ومسلم: (1599).

2- البخاري: (6308).

3- البخاري: (6069).

4- رواه البخاري: (6412).

5- صحيح الجامع: (1878).

6- البخاري: (5534) ومسلم: 2628).

7- رواه أبو داود: 4833، وحسنه الألباني.

8- رواه أبو داود: (4832) وحسنه الألباني.

9- مسلم: (1047).

10- البخاري: (89).

11- رواه الترمذي: (2411).

12- البخاري: (24)

13- البخاري: (6407).

14- أخرجه الترمذي: (3510) وحسنه الألباني.

15- أحمد: (214).

16- رواه ابن خزيمة: (1142) وصححه الألباني.

17- رواه أحمد: (6576) بإسناد جيد.

18- رواه أبو داود: (1398) وصححه الألباني.

19- أخرجه الحاكم: (7921) وحسنه الألباني.

20- صحيح ابن حبان: (2993) وحسنه الألباني.

21- رواه أحمد: (21753).

22- رواه الإمام أحمد.

23- رواه البخاري:1969)، ومسلم: 1156).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة