سلوا اللهَ العافية
عدد القراءات : 68

الخطبة الأولى

الحمدُ لله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيُّوم، لا تخفَى عليه في ملَكُوته خافِية، لا تأخُذه سِنةٌ ولا نَوم، ولم تكُن عنايتُه حينًا مِن الدَّهر غافِية، نِعمُه سحَّاء ورِعايتُه لأوليائِه كافِية، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً مُنجِيةً وافِيةً، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفِيُّه مِن خلقِه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبِه ذوِي القلوبِ الصافِية، أمرَهم نبيُّهم أن يسألُوا اللهَ العافِية، وحذَّرَنا مما حلَّ بعادٍ وثمُود وفِرعون ومَن قبلَه والمُؤتَفِكات؛ لتكُونَ مصارِعُهم تذكِرةً وتعِيَها أُذُنٌ واعِية.

أما بعد: فأُوصِيكُم - أيها الناسُ - ونفسِي بتقوَى الله - تعالى -، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

اجتهِدُوا في العمل، فإن قصَّر بكم ضعفٌ فكُفُّوا عن المعاصِي. الدنيا ما مضَى منها فحُلُمٌ، وما بقِيَ فأمانِيٌّ، وما أرَى إساءةً تكبُرُ عن عفوِ الله؛ فلا ييأسَنَّ أحدُكم، وربما أخذَ الله على الصَّغِير فلا تأمَنُوا.

وكُن بين الخوفِ والرِّجاء، وإذا فعَلتَ الحسنةَ فافرَحْ بها واستقلِلها؛ فإنك إذا استقلَلتَها زِدتَّ عليها، وإذا فرِحتَ بها عُدتَّ إليها، (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) [طه: 112].

أيها المسلمون: فوقَ كل حاجةٍ حاجةُ النفوسِ إلى مولاها، هو ربُّها وخالِقُها الذي سوَّاها، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 9، 10].

النُّفوسُ إليه مُفتقِرَة، وبين يدَي جلالِه وعظمَتِه مُنكسِرَة، حاجَتُها إليه فوقَ حاجتِها إلى الطعامِ والشرابِ، بيدِه مقالِيدُ الأمور وهو الغنيُّ الوهَّاب، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15].

نادَى عبادَه فقال: (( يا عبادِي! كلُّكُم ضالٌّ إلا مَن هدَيتُه، فاستَهدُوني أهدِكُم، يا عبادِي! كلُّكُم جائِعٌ إلا مَن أطعَمتُه، فاستَطعِمُوني أُطعِمكُم، يا عبادِي! كلُّكُم عارٍ إلا مَن كسَوتُه، فاستَكسُونِي أكسُكُم)). ولهذا كان الدُّعاءُ هو العبادة، وكان نِصفُ سُورة الفاتِحة خالِصًا في الدُّعاء.

وأكمَلُ الخلقِ وأعلَمُهم بربِّه مُحمدٌ - عليه الصلاة والسلام -، وهو أخشَاهم وأتقَاهم، وأفصَحُهم لِسانًا، وأصدَقُهم بيانًا، كلامُه بعد كلامِ الله أحسَنُ الكلام، وهَديُه أحسَنُ الهَديِ، وهو أنصَحُ النَّاسِ للنَّاسِ، ما ترَكَ خيرًا إلا دلَّهم عليه، وهو أعلَمُ النَّاسِ بما يحتاجُه العبدُ في سُؤالِه مِن ربِّه، وما يُصلِحُه في دينِه ودُنياه، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه؛ فقد كانُوا يتعلَّمُون من الدُّعاء كما يتعلَّمُون السُّورةَ مِن القرآن.

وفي دعَوَاتِه وجوامِعِ كلِمِه مِن توحيدِ الله وتعظيمِه، والرَّغبةِ إليه، والوَفاءِ بحاجاتِ العبدِ في الدُّنيا والآخرة ما يدعُو إلى التِزامِ تلك الدعَوات، والابتِهالِ بها، وتدبُّر معانِيها والحياة بها، وما يكون معه الانصِرافُ عنها إلى غيرِها مِن الأحزابِ والأدعِية غَبنًا وخَسارةً على صاحبِهِ، فكيف إذا كانت تلك الأدعِيةُ والأحزابُ مُخالِفةً لسُنَّتِه وهَديِه؟!

أيها المُسلمون: ومِن عظيمِ دُعائِهِ الذي صحَّ مِن سُنَّتِه: ما رواه الترمذيُّ وغيرُه عن العباسِ بن عبد المُطلب - رضي الله عنه - قال: قُلتُ: يا رسولَ الله! علِّمنِي شيئًا أسألُه اللهَ، قال: ((سَلِ اللهَ العافِيةَ))، فمَكَثتُ أيامًا ثم جِئتُ فقُلتُ: يا رسولَ الله! علِّمني شيئًا أسألُه اللهَ، فقال لي: ((يا عباسُ يا عمَّ رسولِ الله! سَلِ اللهَ العافِيةَ في الدُّنيا والآخرة)) (قال الترمذيُّ: "حديثٌ صحيحٌ").

عباد الله: إنه لدُعاءٌ عظيمٌ علَّمَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لعمِّه العباس، وقد كان يُنزِلُه منزِلةَ أبِيه، ويرَى له مِن الحقِّ ما يرَى الولَدُ لوالِدِه، وفي تخصِيصِه بهذا الدُّعاء بعد تكريرِ العباسِ سُؤالَه بأن يُعلِّمَه شيئًا يسألُ اللهَ به دليلٌ على أن الدُّعاء بالعافِية لا يُساوِيه شيءٌ مِن الأدعِية، ولا يقومُ مقامَه شيءٌ مِن الكلامِ الذي يُدعَى به ذُو الجلالِ والإكرامِ.

وفيه: تحريكٌ لهِمَم الرَّاغِبين على مُلازَمَة هذا الدُّعاء، وقد تواتَرَ عنه - صلى الله عليه وسلم - دُعاؤُه بالعافِيةِ لفظًا ومعنًى في نحوِ خمسين حديثًا؛ ذلك أن العبدَ إذا نالَ العافِيةَ في الدُّنيا والآخرة فقد نالَ غايةَ المطلُوب.

مَن رُزِقَ العافِية فقد حازَ نفائِسَ الرِّزقِ؛ فهي مِفتاحُ النَّعيم، وبابُ الطيِّبات، وكَنزُ السُّعداء، والخَيرُ بدُونِها قليلٌ ولو كثُر، والعِزُّ بدُونِها حقيرٌ ولو شَرُف، والعافِيةُ لا يعدِلُها شيءٌ مِن أمرِ الدُّنيا بعد الإيمانِ واليقينِ؛ لأن عافِيةَ الدين فوقَ كلِّ عافِية، يُدرِكُ قيمتَها مَن فقَدَها في دينِه ودُنياه.

قال - صلى الله عليه وسلم -: ((سَلُوا اللهَ العافِيةَ؛ فإنه لم يُعطَ عبدٌ شيئًا أفضلَ مِن العافِية)) (رواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه).

وأعظمُ العافِية: سلامةُ العبدِ مِن الذنوبِ، وفي التوبةِ وصِدقِ الإنابةِ، وإذا وقعَ العبدُ في شيءٍ مِن الذنوبِ فليَستَتِر بسِترِ الله، وفي الحديث: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعافَى إلا المُجاهِرين))؛ متفق عليه.

فمَن جاهَرَ بالذنوبِ، وأعلَنَ الفِسقَ فقد حُرِمَ العافِية، (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: 16].

ولهذا كان تحوُّلُ العافِية مِن أعظَمِ المصائِبِ التي كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يستَعِيذُ مِنها ويقول: ((اللهم إنِّي أعوذُ بِك مِن زوالِ نِعمتِك، وتحوُّل عافِيَتك، وفُجاءَةِ نِقمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك)).

والله - تعالى -يُرخِي على النَّاسِ سِترَه، ويُسبِغُ عليهم عافِيتَه، والمخذُولُ مَن استجلَبَ بالتغيير الغِيَر، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11].

أيها المُسلمون: والعافِيةُ في السلامةِ مِن حقوقِ النَّاسِ، وأن تلقَى اللهَ وليس أحدٌ يطلُبُك بمظلَمَةٍ في عِرضٍ ولا مالٍ.

كتبَ رجُلٌ إلى ابنِ عُمر - رضي الله عنهما -: أن اكتُب لي بالعلمِ كلِّه، فكتَبَ إليه ابنُ عُمر: "إن العلمَ كثيرٌ، ولكن إن استَطعتَ أن تلقَى اللهَ خَفيفَ الظَّهر مِن دماءِ المُسلمين، خَمِيصَ البَطنِ مِن أموالِهم، كافَّ اللِّسانِ عَن أعراضِهم، لازِمًا لأمرِ جماعَتِهم، فافعَل، والسلام".

ومَع انتِشارِ التِّقانَة، واعتِمادِ النَّاسِ على وسائِلِ التواصُلِ الحديثةِ، كم يحسُنُ الوَرعُ والكَفُّ عن أعراضِ النَّاسِ، ومَن عُوفِيَ فليحمَدِ الله، والسلامةُ لا يعدِلُها شيءٌ، (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) [النور: 12]، (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا) [النور: 16].

العافِيةُ في السلامةِ مِن الفتن أن يخُوضَ الإنسانُ فيها ولو بشَطرِ كلِمةٍ بعد إذ نجَّاه الله منها.

وفي حديثِ المِقدادِ بن الأسوَد - رضي الله عنه -، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ السَّعيدَ لمَن جُنِّبَ الفِتَن، إنَّ السَّعيدَ لمَن جُنِّبَ الفِتَن، إنَّ السَّعيدَ لمَن جُنِّبَ الفِتَن، ولمَن ابتُلِيَ فصَبَرَ فواها)) (رواه أبو داود).

إن مِن الخُذلانِ أن تسعَى لجَلبِ البلاءِ وقد نجَّاك الله منه، وأن تخُوضَ في الفِتنِ وقد عافاكَ اللهُ مِنها، وأن تكون سببًا لفِتنِ الشُّبُهات أو الشَّهَوات، وتَهتِكَ سِترَ العافِيةِ والمُعافاةِ الذي أسبَغَه الله عليك وعلى مُجتمعِك، (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [البقرة: 211].

عباد الله: ومِن العافِية: عافِيةُ الأوطانِ والدِّيارِ، والأمنُ والاستِقرارُ، ((لا تتمنَّوا لِقاءَ العدُوِّ، وسَلُوا اللهَ العافِية)).

العافِيةُ في اجتِماعِ القلوبِ، ووِحدةِ الكلِمة، وفي الوِلايةِ الشرعيةِ التي تخافُ اللهَ وتتَّقِيه، وترعَى مصالِحَ الناس.

العافِيةُ أن يُصبِحَ العبدُ آمِنًا في سِربِه، مُعافى في بدنِه، عنده قُوتُ يومِه، كأنَّما حِيزَت له الدُّنيا بحَذافِيرِها، يدعُو في صَبيحَةِ كلِّ يومٍ دُعاءَ العافِية الذي رواه ابنُ عُمر - رضي الله عنهما - فقال: لم يكُن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدَعُ هؤلاء الدَّعَوات حين يُمسِي وحين يُصبِحُ: (( اللهم إنِّي أسألُك العافِيةَ في الدُّنيا والآخرة، اللهم إنِّي أسألُك العَفوَ والعافِيةَ في دِينِي ودُنيايَ، وأهلِي ومالِي، اللهم استُر عَورَاتِي، وآمِن رَوعَاتِي، اللهم احفَظني مِن بين يدَيَّ، ومِن خَلفِي، وعن يَمِينِي، وعن شِمالِي، ومِن فَوقِي، وأعُذُ بعظَمَتِك أن أغتالَ مِن تحتِي)) (رواه الإمام أحمدُ وأبو داود وابنُ ماجَه بإسنادٍ صحيحٍ).

احفَظُوا هذا الدُّعاء، وعلِّمُوه أولادَكم وأهلِيكم: "اللهم إنِّي أسألُك العفوَ والعافِيةَ في الدُّنيا والآخرة".

قال يَزيدُ بن أبي سُفيان يومًا لبعضِ جُلسَائِه: "مَن أنعَمُ النَّاسِ عَيشًا؟ "، قالوا: أنت أيها الأميرُ، قال: "لا، ولكنَّه رجُلٌ مُسلِمٌ له زَوجةٌ مُسلِمة، لهما كَفافٌ مِن عيشٍ، قد رضِيَت به ورضِيَ بها، لا يعرِفُنا ولا نعرِفُه".

أيها المُسلمون: ومِن عظيمِ دُعاء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما رواه الإمامُ أحمدُ في "مُسنده" عن بُسْر بن أرطأة - رضي الله عنه -، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعُو: (( اللهم أحسِن عاقِبَتنا في الأمورِ كلِّها، وأجِرنا مِن خِزيِ الدنيا وعذابِ الآخرة)). قال ابنُ كثيرٍ في "تفسيره": "هذا حديثٌ حسنٌ".

وفي هذا الدُّعاء إقرارٌ بالعَجزِ، وتسليمُ الأمورِ إلى الله؛ فإنه الذي يعلَمُ ولا نعلَمُ، ويقدِرُ ولا نقدِرُ، وهو علَّامُ الغيُوبِ.

وإن العبدَ لا يزالُ في يومِه وليلتِه يلِجُ في أمورٍ لا يَدرِي عن عواقِبِها، ويفتَتِحُها وهو لا يدرِي عن الخِتامِ مِن أمورِ دينِه ودُنياه، فليسأَل اللهَ أن يُحسِنَ عاقِبتَه في الأمورِ كلِّها؛ فرُبَّما سرَّه ما كان يحذَرُه، ورُبَّما ساءَه ما كان يرجُوه.

وإذا أحسنَ اللهُ العاقِبةَ كان النَّجاحُ والتوفيقُ حَلِيفَ العبدِ في دُنياه، وكان له الفَوزُ في الآخرة، فيُجِيرُه اللهُ مِن خِزيِ الدنيا ومِن عذابِ الآخرة.

فينبغي اللَّهَجُ بهذا الدُّعاء في كل نازِلةٍ تنزِلُ بالأمةِ، وعند كلِّ حادِثةٍ تطرُقُ أو مُلِمَّة، دُعاءً بأن يُحسِنَ اللهُ عاقِبةَ الأمور، ومصائِرَ الحوادِثِ، ومنها الثَّباتُ على الدِّين عند الفِتَن، والسلامةُ مِنها ومِن الزَّيغ، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].

اللهم أحسِن عاقِبَتَنا في الأمورِ كلِّها، وأجِرنا مِن خِزيِ الدُّنيا وعذابِ الآخرة.

بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنَّة، ونفعَنا بما فيهما من الآياتِ والحكمة، أقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ الله - تعالى -لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله على إحسانِه، والشُّكرُ له على توفيقِه وامتِنانِه، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.

أما بعدُ: فمِن عظيمِ دُعاء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما روَى مُسلمٌ في "صحيحه" عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( اللهم أصلِح لي دِيني الذي هو عِصمةُ أمرِي، وأصلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشِي، وأصلِح لي آخرتِي التي فيها معادِي، واجعَل الحياةَ زِيادةً لي في كلِّ خيرٍ، والموتَ راحةً لي مِن كل شرٍّ)).

خَمسُ دعَواتٍ طيِّباتٍ مُبارَكاتٍ تجمَعُ صلاحَ المرءِ في أحوالِها كلِّها، في دينِه ودُنياه وأُخراه؛ ذلك أن صلاحَ الدنيا إذا لم يكُن معه صلاحُ الدين فليس بصلاحٍ، ولا خيرَ في بناءٍ يُشيَّدُ على هَدمِ القِيَم، وليست الدُّنيا إلا وسِيلةً لإقامةِ الدِّين، كما أن صلاحَ الدين مع عدمِ صلاحِ الدُّنيا واستِقامةِ معايِشِ النَّاسِ صلاحٌ ناقِصٌ.

والصلاحُ كلُّ الصلاحِ أن يُصلِحَ اللهُ للعبدِ دِينَه ودُنياه، دِينَه الذي هو عِصمةُ أمرِه، ودُنياه التي فيها معاشُه، ويُتِمَّ له الصلاحَ في آخرتِه التي إليها معادُه، فيكونُ له الفوزُ بالجنَّة والنَّجاةُ مِن النار، (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185].

ومِنه يُؤخَذُ وُجوبُ السعيِ في تحصِيلِ أسبابِ صلاحِ الدينِ والدُّنيا، ومَنعِ كلِّ سببٍ يُؤدِّي لفسادِهما؛ فإن نظرةَ الإسلام إلى الدين والدنيا هي العدلُ والمِزانُ، نِبراسُها مِن قولِ الله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143].

فلا رهبانيَّةَ في الإسلام، إنه الدينُ والدُّنيا، وإنه المسجِدُ والسُّوقُ، والمُصحفُ والحَرفُ، (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15]، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10].

عباد الله: ومِن عظيمِ الدُّعاء: ما رواه الإمامُ أحمدُ في "مسنده" من حديث شدَّاد بن أَوسٍ - رضي الله عنه - قال: سمِعتُ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إذا كنَزَ النَّاسُ الذَّهبَ والفِضَّةَ فاكنِزُوا هؤلاء الكلِمات: اللهم إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمر، والعَزيمةَ على الرُّشد، وأسألُك شُكرَ نِعمتِك، وأسألُك حُسنَ عبادتِك، وأسألُك قلبًا سليمًا، وأسألُك لِسانًا صادِقًا، وأسألُك مِن خيرِ ما تعلَم، وأعوذُ بك مِن شرِّ ما تعلَم، وأستغفِرُك لما تعلَم، إنك أنت علَّامُ الغيُوب)).

وهذا الدُّعاء نِعمَ الكَنز، وهو حقيقٌ بأن يُحفَظَ ويُقتَنَى؛ لأنه الذي يبقَى ولا يفنَى، (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف: 46].

وقد جمَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيه خَيرًا كثيرًا، وأولُ ذلك: سُؤالُ الثَّباتِ على الدِّين، ثباتٌ في الحياةِ وعند المماتِ، وثَباتٌ على الصِّراطِ يوم تزِلُّ الأقدام، وعلى قَدرِ ثَباتِ القَدَمِ على الصِّراطِ المُستقيمِ في الدُّنيا يكونُ الثَّباتُ على صِراطِ القِيامة.

ثم سألَ اللهَ العزيمةَ على الرُّشدِ، وهي الرَّغبةُ في الخيرِ والنَّشاطُ إليه، والصَّبرُ عليه والثَّباتُ، ومَن رأَى كثرةَ النَّاكِصِين عن الحقِّ، وضَعفَ الهِمَم في الخَير، علِمَ قَدرَ الحاجةِ لهذا الدُّعاء.

هذا وصلُّوا وسلِّمُوا على مَن أمرَكم الله بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال - عزَّ مِن قائلٍ -: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابتِه الغُرِّ الميامِين، ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الطُّغاةَ والملاحِدَة والمُفسِدين، اللهم انصُر دينَك وكتابَك، وسُنَّة نبيِّك، وعبادَك المؤمنين.

اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتِك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكَر يا رب العالمين.

اللهم من أرادَ الإسلامَ والمُسلمين ودينَهم وديارَهم بسُوءٍ فأشغِله بنفسِه، ورُدَّ كيدَه في نَحرِه، واجعَل دائرةَ السَّوء عليه يا رب العالمين.

اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلِك في فِلسطين، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم فُكَّ حِصارَهم، وأصلِح أحوالَهم، واكبِت عدوَّهم.

اللهم حرِّر المسجدَ الأقصَى من ظُلم الظالمين، وعُدوان المُحتلِّين.

اللهم إنا نسألُك باسمِك الأعظَم أن تلطُفَ بإخوانِنا المُسلمين في كل مكانٍ، اللهم كُن لهم في فلسطين، وسُوريا، والعراق، واليمَن، وفي كل مكانٍ، اللهم الطُف بهم، وارفَع عنهم البلاء، وعجِّل لهم بالفرَج، اللهم أصلِح أحوالَهم، واجمعهم على الهُدى، واكفِهم شِرارَهم، اللهم اكبِت عدوَّهم.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالِمين ومَن عاونَهم فإنهم لا يُعجِزونَك، اللهم عليك بالطُّغاة الظالِمين ومَن عاونَهم فإنهم لا يُعجِزونَك يا قويُّ يا عزيز.

اللهم وفِّق ولِيَّ أمرِنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تُحبُّ وترضَى، وخُذ به للبرِّ والتقوَى، اللهم وفِّقه ونائبَيه وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العبادِ والبلادِ.

اللهم احفَظ وسدِّد جُنودَنا المُرابِطِين على ثُغورِنا وحُدودِنا، والمُجاهِدين لحفظِ أمنِ بلادِنا وأهلِنا وديارِنا المقدَّسة، اللهم كُن لهم مُعينًا ونصيرًا وحافِظًا، اللهم تقبَّل شُهداءَهم، اللهم ارحَم شُهداءَهم، وعافِ جَرحاهم، وقوِّ عزائِمَهم يا حيُّ يا قيُّوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين لتحكيم شرعِك، واتِّباع سُنَّة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعَلهم رحمةً على عبادِك المؤمنين.

اللهم انشُر الأمنَ والرخاءَ في بلادِنا وبلادِ المسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار، وشرَّ طوارِق الليل والنهار.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

ربَّنا اغفِر لنا ذنوبَنا، وإسرافَنا في أمرِنا، وثبِّت أقدامَنا، وانصُرنا على القومِ الكافِرين.

اللهم اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، اللهم اغفِر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم وذُريَّاتهم، وأزواجِنا وذريَّاتِنا، إنك سميعُ الدعاء.

نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ ونتوبُ إليه.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغَيثَ ولا تجعَلنا من القانِطِين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، سحًّا طبَقًا مُجلِّلًا، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والباد.

اللهم سُقيَا رحمةٍ، اللهم سُقيَا رحمةٍ، اللهم سُقيَا رحمةٍ، لا سُقيَا بلاءٍ ولا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرَقٍ، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِلِ السماءَ علينا مِدرارًا.

ربَّنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.

سُبحان ربِّنا ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة