خطورة "السعار" الروسي
الكاتب : خالد مصطفى
عدد القراءات : 43

بعد سنوات من الكمون والابتعاد عن التأثير في الساحة السياسية العالمية عقب الأزمة التي اجتاحت المعسكر الشيوعي والتي أدت لانهياره تباعا، عادت روسيا من جديد في محاولة لاستدراك ما فات وفرض نفسها على الساحة بشتى الوسائل.. لقد تراجعت موسكو في البداية على أساس أنها يمكن أن تكسب من خلال الانضمام للحلف الغربي والسير في ركابه ولكنها مع مرور الوقت أدركت أن دنيا المصالح في عالم السياسة لن تترك لها سوى الفتات وأن عليها أن تدخل اللعبة بحساباتها الشخصية كما كان الوضع في عهد الاتحاد السوفيتي السابق..

عند وصول ضابط المخابرات فلاديمبر بوتين للرئاسة كانت أحلام السلطة والنفوذ القديم تطارده بقوة لذلك قرر منذ البداية اللعب بعيداً عن الغرب وتشكيل جبهة مناوئة للمصالح الغربية مستغلاً وجود خلافات مصالح بين الغرب وبعض الأنظمة الأخرى مثل نظام الأسد في سوريا ونظام إيران وبدأ في الاقتراب من هذه الأنظمة لكي يضغط على الغرب ويحصل على بعض المكاسب التي غابت عن بلاده لفترة طويلة...

الغياب الطويل عن التأثير على الساحة السياسية العالمية ووجود مساحات متاحة للحركة على أكثر من جبهة أصاب نظام بوتين بالسعار خصوصا مع وجود قيادات غربية مترددة ولا تملك الخبرة الكافية في التعامل مع الدب الروسي الذي استيقظ فجأة للمطالبة بحصته... وقف نظام بوتين إلى جانب نظام طهران ورفض المساس به كما رفض المساس بنظام الأسد في سوريا وتدخل بشكل مباشر وأنشأ قواعد عسكرية دائمة في سوريا، في تهديد صريح للمصالح الأمريكية التي انفردت تقريبا بهذه المنطقة منذ حرب تحرير الكويت...

التدخل الروسي أغرى القوى المتمردة في المنطقة للتمادي مثل المخلوع صالح والحوثيين الذين طالبوا موسكو بالتدخل في اليمن مثلما حدث في سوريا، وموسكو من جهتها لا تمانع وهي تدعم التمرد بشكل غير مباشر حتى الآن خصوصاً في المحافل الدولية كما أن السلاح الذي يستخدمه الحوثيون معظمه من تصنيع إيراني وروسي... موسكو لم تكتف بذلك بل انطلقت للتدخل في صنع القرار الغربي عن طريق اختراق الانتخابات الرئاسية في أمريكا وفرنسا؛ ففي أمريكا أكبر دولة في العالم لازالت قضية اختراق حملة المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون عن طريق قراصنة روس لصالح المرشح الجمهوري دونالد ترامب، تتصاعد حيث أقال ترامب رئيس المباحث الفيدرالية الذي يحقق في هذه القضية رغم تأكيد عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين على تأثير هذا التدخل في الانتخابات...

أما فرنسا فقد تم اختراق حملة المرشح إيمانويل ماكرون من قبل روسيا حيث علقت افتتاحية واشنطن بوست على التسريب الهائل للوثائق عن حملة إيمانويل ماكرون بأنه فشل في منع فوزه الساحق في انتخابات الرئاسة الفرنسية.

وأردفت الصحيفة بأن هزيمة ماكرون ربما لم تكن الهدف من التسريب لأنه كان متقدما بالفعل في السباق عندما نشرت الملفات على شبكة الإنترنت ليلة الجمعة، نتيجة لاختراق قال عنه خبراء الإنترنت إنه يحمل بصمات مجموعة مرتبطة بالمخابرات الروسية، كما يبدو أن الأرشيف المسرب لم يتضمن الكثير من المعلومات المعرضة للخطر... ورأت الصحيفة أن أكثر ما يلفت النظر في هذه العملية ليس تأثيرها على الانتخابات، ولكن جرأتها الواضحة. فالروس الذين شاركوا في الهجوم بدوا غير مهتمين بإخفاء هويتهم، حيث قام أحدهم بتعديل تطبيق بنظام إكسل باستخدام نسخة من برنامج روسي، ليبدو الأمر كما لو كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أراد أن يبعث رسالة صفيقة للديمقراطيات الغربية مفادها "أننا نستطيع اختراق أنظمتكم الانتخابية وليس لدينا أي موانع من القيام بذلك علنا"...

ولهذا السبب -تقول الصحيفة- من الضروري أن ترد الحكومات الغربية بقوة وفعالية على هذه التدخلات، ويجب ردع روسيا عن شن حرب إلكترونية ضد المؤسسات الديمقراطية للولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي "ناتو"... في نفس الوقت قال أكبر عضو ديمقراطي في لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكي: إن محاولات روسيا التدخل في الانتخابات بالدول الأخرى تشكل أحد أكبر التهديدات الأمنية على مستوى العالم... وأضاف السناتور مارك وارنر مع بدء اللجنة جلستها السنوية بشأن التهديدات العالمية والتي تشمل شهادات لرؤساء وكالات المخابرات الأمريكية "التدخل المباشر لروسيا في العمليات الديمقراطية في أنحاء العالم إنما هو اعتداء مباشر يتعين علينا العمل معا للتصدي له...

السعار الروسي لن يقف عند حد وهو يحاول اللعب على التناقضات التي يشهدها العالم وهو لا يفكر إلا في تحقيق أكبر المكاسب دون النظر لأي معايير أخلاقية أو إنسانية المهم أن يضع قدمه بقوة مرة أخرى على خريطة التأثير العالمي ولو على جثث الملايين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة