السوريون.... والخذلان العربي
الكاتب : زياد الشامي
عدد القراءات : 36

بينما يطوي السوريون عاماً جديداً من الحرب الدائرة على أرضهم الطاهرة وتتداعى على ثورتهم المباركة الأكلة من مختلف شذاذ الأرض ومرتزقتها... لا يجد أهل الشام من إخوانهم في العقيدة والدين - قبل اللغة والجغرافيا - ما كانوا يأملونه منهم من عون ومساعدة ومؤازرة!!

صحيح أن الشعوب العربية عموماً ترحب بالسوريين في بلادهم وتعاملهم معاملة الأخ لا اللاجئ وتحاول مساعدتهم بما تيسر لهم من إمكانات.... إلا أن المشكلة تكمن في موقف الحكومات لا الشعوب، فمعظم الدول العربية الآن - إلا ما ندر - تفرض على السوريين تأشيرة دخول، وإذا كانت بعض تلك الدول قد سهلت دخول السوريين إلى أراضيها بشكل أو بآخر مراعاة لظروفهم الاستثنائية فإن دولا أخرى ما زالت ترفض استقبال واستضافة بضعة عشرات من السوريين عالقين على حدود أراضيها.

الحديث هنا عن محنة حوالي 55 لاجئا سوريا على الحدود بين الجزائر والمغرب منذ ما يقرب من شهر، يعيشون في منطقة شبه صحراوية في ظروف إنسانية متردية تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وسط غياب رسمي للدعم الطبي والإغاثي من قبل السلطات الجزائرية والمغربية، واقتصار الدعم على مساعدات بعض الناشطين والأهالي في المنطقة.

كنت أظن حين كثرت الكتابة والحديث عن وضع هؤلاء العالقين على الحدود على وسائل الإعلام أن أياما معدودة ستكون كفيلة بحل مشلكتهم وإنهاء أزمتهم، وأن الجزائر أو المغرب سيسارع لاستقبال هؤلاء لعدة أسباب أدناها رفع الحرج الأخلاقي والحقوقي عن كاهل الحكومة في كلا البلدين في موضوع حساس كهذا.... إلا أن ظني لم يكن بمحله وللأسف الشديد.

كثيرة هي الشخصيات الرسمية والإعلامية والهيئات الحقوقية الدولية التي حاولت التدخل لإنهاء معاناة 8 عائلات سورية فقط بينهم 18 طفلا ورضيعة و20 سيدة دون أن تجد مناشداتهم ومطالباتهم صدى أو استجابة حتى الآن.

فقد ناشد البرلماني المغربي خالد البوقرعي سلطات بلاده استقبال اللاجئين السوريين العالقين على الحدود مع الجزائر وقال خلال اجتماع لجنة الخارجية بمجلس النواب "الغرفة الأولى بالبرلمان": "يجب علينا أن نجد حلا لما يزيد على خمسين سوريا عالقين في الحدود مع الجزائر".

وأضاف النائب المغربي عن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي: إن هؤلاء السوريين قصدوا المغرب "لكرم شعبه" ما يقتضي استقبالهم بغض النظر عن طبيعة العلاقة التي تربط المغرب بالجزائر.

من جهته طالب الكاتب والإعلامي الجزائري المعروف أنور مالك سلطات بلاده إنقاذ السوريين العالقين على الحدود قائلا في تغريدة له على حسابه على تويتر: "كجزائري أطالب السلطات الجزائرية بإنقاذ سريع لهؤلاء العالقين السوريين فما يحدث لهم ليس من الشهامة وستبقى وصمات عار في جبين #الجزائر و #المغرب".

لم تقتصر المناشدات والمطالبات لإنهاء مأساة السوريين العالقين على الحدود بين الجزائر والمغرب على الشخصيات الرسمية والإعلامية فحسب، بل تدخلت تنظيمات حقوقية وثقافية مغربية وأجنبية على خط الأزمة مطالبة الرباط والجزائر بالوفاء بتعهداتها الدولية حول اللاجئين الهاربين من الحروب ببلدانهم، لدفعهما إلى التكفل بالحالة الإنسانية لعائلات سورية عالقة على الحدود منذ قرابة شهر.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" طالبت قبل أيام حكومتي المغرب والجزائر في بيان لها، بحلّ ملف اللاجئين السوريين العالقين وسط الصحراء بين حدود البلدين داعية السلطات المغربية والجزائرية إلى "التدخل لتشارك المسؤولية والنظر في طلبات الحماية اعتمادا على رغبات طالبي اللجوء السوريين، وضمان إتاحة الخدمات الضرورية لطالبي اللجوء جميعا، لا سيما الحوامل والمرضعات".

وقالت "سارة ليا ويتسن" المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في "هيومن رايتس ووتش": إنه "فيما تتجادل السلطات الجزائرية والمغربية حول أي دولة عليها قبول السوريين، هناك رجال ونساء وأطفال عالقون في منطقة شبه صحراوية قرب الحدود بين البلدين، ينامون في العراء، غير قادرين على تقديم طلبات اللجوء".

ليست محنة العائلات السورية على الحدود الجزائرية المغربية وحدها التي تشير بشكل أو بآخر إلى حجم الخذلان العربي للسوريين وثورتهم المباركة، فهناك العديد من الحوادث والمشاهد الأخرى التي تشير إلى هذا الخذلان المشين.

فبالأمس تناقلت وسائل الإعلام نبأ اقتحام الجيش اللبناني مخيما للاجئين السوريين في قضاء عكار قيامه باعتقال عدد كبير من السوريين دون معرفة الأسباب، خبر أكده المتحدث باسم الجمعية الاغاثية التنموية في عكار، "محمد نور قرحاني"، لشبكة شام الاخبارية قائلا: إن "الجيش اللبناني دخل اليوم مخيم الريحانية في قضاء عكار، وأخذ 114 لاجئ سوري، تتراوح أعمارهم دون سن الخمسين".

اللافت في الخبر هو تعليق الـ "قرحاني" الذي اعتبر ما قام به الجيش اللبناني في مخيم الريحانية مجرد إجراءات أمنية روتينية تتم كل عدة أشهر للتأكد من قاطني المخيمات اذا كان عليهم شيء، ويطلق سراحهم بعد ثبوت عدم تورطهم بأي تهمة.... ما يعني أن الأصل في هؤلاء اللاجئين جميعا هو الاتهام لا البراءة حتى يثبت العكس!!!!

ليست هذه الاقتحامات والمداهمات خاصة بمخيم الريحانية فحسب، بل جميع المخيمات التي يقطنها السوريون في لبنان تتم مداهمتها واقتحامها من قبل الجيش اللبناني كل عدة أشهر وتعتقل منها ما تشاء بدعوى التحقيق معهم!!!

مخطئ من يظن أن تداعيات الخذلان العربي للسوريين ولثورتهم المباركة ستقتصر على مجرد استمرار معاناة وألم السوريين على الحدود أو في مخيمات اللجوء أو على مجرد المساهمة بقصد أو بغير قصد بإجهاض ثورة من أعظم الثورات وأكثرها أهمية في العصر الحديث..... فتداعيات هذا الخذلان إن استمر ستكون عواقبه وخيمة ليس على المستوى الإقليمي العربي فحسب، بل على مستوى الأمة الإسلامية ككل.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة