التمرد الفكري في إيران بين الدين والسياسة
الكاتب : مهنا الحبيل
عدد القراءات : 31

استبعدت لجنة القبول في مجلس صيانة الدستور الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد من الترشح للانتخابات الرئاسية في إيران، وهذا المجلس -وإن بُني على أسس قانونية دستورية للجمهورية الدينية في إيران منذ قيام الثورة- يخضع للنفوذ الأكبر لمرشد الجمهورية علي خامنئي، وللأقطاب السياسية والاقتصادية المتنفذة في النظام.

وبالتالي فإن من استبعد نجاد هو ذاته من دعمه ضد الحركة الخضراء والتمرد الإصلاحي الديني والسياسي في انتخابات 2009، التي انتهت بمصادمات دموية عنيفة وقتلى وحملة اعتقالات وأحكام بالسجن صدرت بحق المحتجين على تزوير الانتخابات لصالح نجاد وضد منافسه مير حسين موسوي، الذي أُودع -مع شريكه مهدي كرّوبي- الإقامة الجبرية المشددة حتى اليوم.

وفي فبراير/شباط الماضي، تقدم آلاف من مؤيدي الحركة الخضراء بخطاب لإطلاق سراح الزعيمين المعارضين، تزامنت مع نقل كروبي إلى المستشفى بعد تدهور حالته الصحية، وقرار استقالته الاحتجاجية من حزبه كرسالة تذمر من مستوى البطش الذي تواجهه المعارضة، وانحسار فرص إصلاح النظام سياسيا وحقوقيا من داخله، وكان كرّوبي بعث برسالة إلى روحاني سُجن على إثرها نجل كروبي، في إطار التضييق الشرس على محيط الحركة الخضراء وأسرهم في الإقامة الجبرية.

وكروبي كان شخصية عقائدية قبل تحالفه السياسي مع الإصلاحيين الخضر، وهو من أبرز الرموز المحافظة التي ساندت مرشد النظام في مواجهة الإصلاحيين اليساريين والدينيين قبل تحوّله الفكري.

وقد عَبّرت زوجته -في رسالتها إلى خامنئي- عن رمزية عميقة لهذا الانقسام الاجتماعي الديني في إيران، حين قالت للمرشد: ما علاقة خلافك الشخصي مع زوجي بمنع أسرتنا من الحياة؟

لا تزال حركة الخضر -بزعامة مير حسين موسوي- تمثّل مشروعاً فكرياً سياسياً يُهدد بالفعل منظومة الحكم الخاصة جدا حول خامنئي وفكرها العقائدي المتشدد، وتطرح بيانات موسوي الصادرة من إقامته الجبرية وخطاباته لأنصاره بنية فكرية جديدة كبديل لإعادة صناعة نظام الثورة الدينية في إيران، لكن عبر إصلاح ديمقراطي ديني عبّرت عنه بياناتهم وفعالياتهم السياسية.

لا يُمكن أن نحتوي قضية التمرد الفكري وعلاقته بمستقبل الجمهورية الدينية بإيران في مقال واحد، وخاصة هذه التيارات التي نشأت شخصياتها في حضن الثورة وتحت رعاية مرشدها آية الله الخميني، وهي الأكثر خطراً على بنية النظام بحسب مواقفه وقلقه، وبحسب لغة التغيير التي تعتمدها.

ومن هنا نؤكد الحاجة إلى فهم المسار الإيراني الديني والسياسي بعقلية التحليل لا البروباغندا العاطفية، التي تعيشها البيئة العربية في مواجهاتها الفاشلة لتدخلات إيران وزحفها الذي أنتجته منظومة الولي الفقيه، فلم توقفه وإنما طرحت في مقابله خطابا طائفيا آخر، لم يُنقذ أي بلدٍ من الشرق بل هيأ الواقع الجغرافي لهذا التأميم الجديد للمشرق العربي، من قبل المشروع الأميركي أو الغربي أو الروسي.

هذا فضلاً عن استنزاف إنسان الشرق وجغرافيته في هذه الحروب، التي ساهمت فيها عقيدة التوسع الطائفي للجمهورية الإيرانية وتوظيفات الاستبداد العربي، ليحصد عالم الشمال استثمارات الدم والنفط على حساب المسلمين بطوائفهم وأقلياتهم.

ولعل كتاب د. فاطمة صمادي "التيارات السياسية في إيران" -وهو أهم مرجع لهذا المقال- جزء من الأرشيف المهم للباحث العربي، وصنّاع السياسة الذين يسعون لفهم دقيق للواقع الاجتماعي الديني السياسي في إيران.

وكذلك لفهم حركات الرفض للتابوهات العقائدية المتزمتة من داخل بنية التيارات الدينية المتحولة اليوم، ولما تسميه "الإسلام الأخضر" ومفاهيمه لديمقراطية إسلامية تتجه للحداثة وصيانة الحق الإنساني، ومن يشاركها من جماعات علمانية صرفة، أو قوميات وأقاليم مضطهدة، وحالات تمرد وتقلب فكري داخل التيارات الأصولية الإيرانية المحافظة.

وسنلاحظ أن ثنائيتين تحضران في هذا التمرد الفكري السياسي، الأولى: حقيقة التوظيفات السياسية والعسكرية للعقائد الخرافية، ودورها بالفعل في تجييش الشارع أو تبرير التكتلات المواجهة للإصلاحيين التقدميين في إيران، أو دعم السياسة الخارجية، والحاجة إلى استقطاب أنصار الثورة الإيرانيةمن المحيط الشيعي في العالم الإسلامي.

والثانية: تأثير القمع الديني وانغلاق فكرته عن الإنسان والحياة في إيران ولي الفقيه، ودوره في دفع حركة الصراع الفكري والسياسي، حيث تضغط هذه المساحة وتبرز داخل إيران ومنظومتها الاجتماعية والسياسية، فيما تغيب كلياً عن حركة الجدل داخل أنصارها من الشيعة العرب.

فهذا التشدد والحصار للحق الأخلاقي والسياسي والاجتماعي لإنسان الشرق المسلم في إيران، هو اليوم عنصر باعث لصناعة التيارات وتدحرج فكر الحرية المتمردة. وصحيح أن النظام الديني السياسي لا يزال يسيطر على الوضع السياسي والأمني، واستطاع أن يحتوي بالقمع والتبشير الديني العقائدي والثوري الحركة الخضراء.

غير أن ضمان إنهاء هذه الفكرة والتمرد ليس في يده اليوم، سواءً عبر عودة الحركة الخضراء أو بديل آخر يستثمر خطابها ويصنع برنامجا جديداً لصناعة الجمهورية الثانية للثورة، التي تتوجه للإنسان لا للحرمان الديني لحقوقه وحياته، ولا للصراع الطائفي مع الشرق، وإنما مشاركته في جذور الانتماء المشترك والمصالح، لا الطائفية الانفصالية.

وهذا لا يعني أن هذه الثورة الفكرية تتجه بالضرورة إلى مشاريع في صالح العرب، بل ستبقى الروح القومية الإيرانية ذات تأثير بالغ، مع تفصيلات مهمة بين حلفاء مير موسوي المتعددين في الحركة الخضراء، ومنهم أنصاره من قوميات الأقاليم المختلفة غير الفارسية الذين لا يقبلون بمرجعية آية الله الخميني لحياتهم الدستورية.

ولكن الجسور السياسية الثقافية للعرب مع هذا الفكر قد تساعد في صناعة مستقبل أفضل للمنطقة، يوازن به الجميع بين مصالحهم وسلة الغرب المتوحشة التي تريد أن تلتهم الجميع.

هذا إن قُدر لطهران أن يولد فيها نظام سياسي جديد، وهي مهمة لا تزال بعيدة عن المستقبل القريب، لكن تأثيرات هذه الثقافة والصراعات الفكرية العميقة في طهران قد تساعد في الدفع لاتخاذ موقف إيجابي، يفكك بعض براكين المنطقة وحروبها الوظيفية المدمرة.

إن أبرز السمات لمراجعة حركة التمرد الفكري في إيران هي أنها اليوم تتسرب إلى البنية المحافظة حول المرشد، وأن تطويق هذا التسرب يتم أيضاً بقرارات قمع مباشرة، وهنا مدخل مهم للغاية في حالة الرئيس محمود نجاد.

فبين مرحلتين رئاسيتين هناك تحولات فكرية من الرئيس الذي حوّل اعتقاده بخروج المهدي لمنظومة من السلوك السياسي والخطاب الوطني الملزم للشعب الإيراني، إلى التأثر والإيمان بمفهوم المدرسة الإيرانية المشتركة مع الإسلام المذهبي، والتي صنعت "إسلاماً جديداً" أنقذه من الأفول، بحسب نظرية المدرسة الإيرانية، فهو تدين مختلف إذن.

وهي الفكرة التي تبناها مساعده السابق وصهره المثير للجدل إسفنديار رحيم مشائي، وأثرت في استدعاء حضور القومية الفارسية ورمزها "كورش" في ثقافة وخطاب الاتجاه النجادي، وتراجع بنية خطابه لصالح الأمة القومية الملهمة بدل الأممية الدينية التي استقطبت بها إيران أنصارها خارج حدودها. وقد تسبب ذلك في الهجوم الذي تعرض له من مراجع دينية خشية تأثير هذا الخطاب في السمعة الإسلامية لإيران.

"قررت الجهة العليا إبعاد أحمدي نجاد بعد أن دخل على ملفات فساد ضخمة تكشف أرقاماً كبيرة سُحبت لأرصدة الحرس الثوري البحرية وشركات متعددة، ولعب التهريب جراء حصار إيران دوراً ضخماً في صب المليارات وفي الفساد الثوري الذي هيمن على حريات الناس باسم الدين والثورة"

والمسألة الأهم في فهم دوافع التغيّر الفكري كتمرد ديني وسياسي في البناء المحافظ قبل بناء الحركات الإصلاحية؛ هي أن من استخدم نجاد ودوره التصعيدي الطائفي -باسم حماية الثورة، وباسم بنوّته المعنوية للمرشد خامنئي وتحالفه معه ضد تيار "الفتنة" الذي أطلق النظامُ مصطلحَه على الحركة الخضراء- هو ذاته من استبعد نجاد عبر البنية الخاصة للنظام الديني للمرشد، فشُنت عليه حرب إعلامية حين انتهت مهمته، وحين أبدى تمردا فكريا سياسياً، قبل قرار تصفيته السياسية الأخير في ترشيح الانتخابات.

فما الذي دفع نجاد إلى هذا التمرد؟ وما الذي اصطدم به بعد أن خدم المرشد وقاعدة المحافظين ومؤسساتهم الخاصة؟

هذا ما يعنينا، ومن المهم هنا فهم الفشل الذي واجهه نجاد لدى رعاته في مؤسسات المرشد، كشخصية دينية عُليا لها قوّتها الشعبية والأمنية، والحرس الثوري وتحالف رجال الدين والمحفظة الاقتصادية الخاصة من رجال أعمال وشركات.

فقد تصادم معها نجاد بعد أن استُخدم في اتهام الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني وعائلته بأنهم لوبي اقتصادي فاسد، ثم اتضح له أن ذات القوة التي صنعته رئيساً لها لوبي أقوى وأكبر من رفسنجاني، وأن المساحة التي سُمح له بولوجها -كشخصية تطالب بالعدالة الشعبية عبر طبقة الفقراء والبسطاء التي قُدم نجاد باسمها- كانت لتجديد صورة الرئيس الثوري للمحرومين وإقناع الرأي العام لمواجهة الحركة الخضراء بشعبية الطبقة الكادحة.

كانت تلك مرحلة اقتضت استثماره، ثم قررت الجهة العليا إبعاده بعد أن دخل على ملفات فساد ضخمة تكشف أرقاماً كبيرة سُحبت لأرصدة الحرس الثوري البحرية وشركات متعددة، ولعب التهريب جراء حصار إيران دوراً ضخماً في صب المليارات وفي الفساد الثوري الذي هيمن على حريات الناس باسم الدين والثورة.

ولعل هذا الحصار بقرارات السلطة العليا ولوبيها الخاص هو أحد دوافع نجاد بعد صدمته في تحوّله الفكري والسياسي، والذي يُمثل حالة تمرد داخل البنية الدينية الخاصة للثورة وتناقضاتها، ومع المصير الحقوقي لحاجات الشعب، وليس بالضرورة أن يكون الفساد في مستوى حالات الاستبداد العربي، التي تُصادَر فيها الثروة الوطنية كحسابات شخصية.

لكن في المجمل؛ حين تُبقَى الثروة والقوة الدستورية للقرار السياسي في قبضة المرشد وحلفائه باسم الدين الذي هو من يحدد معالمه كولي للفقيه بإنابة مقدسة، فهنا تتعطل مساحة الحرية الدستورية، ليس للفرد فقط بل حتى لرئيس الجمهورية. وهو مأزق يحرك روح التمرد الذي سنواصل مستقبلاً استعراضه في حالة الحركة الخضراء وقراءتها الفكرية.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة