مجاعات الصومال منذ "جفاف المعكرونة"
عدد القراءات : 41

عانى الصومال لنحو قرن كامل من مجاعات قاسية قتلت وشردت ملايين الأشخاص، من أشهرها مجاعة 1964 و1992 و2011. وما يزيد من حدة الأزمة في المنطقة تزايد حالة الجفاف والتصحر، وانتشار حالة الفوضى الأمنية نتيجة الحروب المستمرة بين الحكومة المركزية والمنظمات المسلحة، إلى جانب عدم وفاء المجتمع الدولي بتعهداته بتقديم الإغاثة الضرورية للمواطنين الصوماليين.

ويضع خبراء الأمم المتحدة شروطا يجب توفرها في منطقةٍ ما قبل الإعلان عن وجود حالة مجاعة فيها، وهي أن تعاني 20% من الأسر على الأقل نقصا شديدا في الغذاء مع قدرة محدودة على التعامل الأزمة، وأن يتجاوز مدى انتشار سوء التغذية الحاد أكثر من 30%، وأن يتجاوز معدل الوفيات يوميا حالتي وفاة من كل عشرة آلاف شخص.

وفي ما يلي أبرز المجاعات التي عاشها الصومال منذ العام 1964:

مجاعة 1964

سميت "عام جفاف المعكرونة" نسبة إلى علب المعكرونة التي كانت توزع على المتضررين، ولقي عدد كبير من المواطنين مصرعهم نتيجة لذلك، ولا توجد أرقام رسمية تضبط عدد الضحايا.

وما زاد من حدة المأساة إلى جانب مواسم الجفاف المتتالية القاسية، نفوق المواشي التي كان يعتمد عليها السكان في توفير الألبان والغذاء، مما تسبب في انتشار الأمراض بسبب سوء التغذية.

مجاعة 1974

اشتهرت محليا باسم "الجفاف الطويل الأمد"، ونجحت الحكومة المركزية في بذل الجهود الضرورية حيث تم توزيع مساعدات ونقل المتضررين من الأقاليم الوسطى المتضررة إلى الأقاليم الجنوبية على ضفاف نهري جوبا وشبيلى.

مجاعة 1992

تعتبر المجاعة الأقسى في القرن العشرين، ولقي بسببها نحو ثلاثمئة ألف مصرعهم. فإلى جانب الجفاف الشديد ونفوق المواشي وانتشار الأمراض، دخل الصومال في حرب أهلية ضارية تسببت في سقوط آلاف القتلى والجرحى، وانتشار الفوضى في المدن والقرى، مما زاد من حدة المأساة على المواطنين.

وإثرها قررت الولايات المتحدة ودول أخرى إرسال قوات عسكرية إلى الصومال بموجب قرار أممي، "لحماية" المواطنين الصوماليين وضمان وصول الإغاثة الغذائية والطبية إليهم، وعرفت باسم حملة "إعادة الأمل".

مجاعة 2011

تسببت في وفاة 260 ألف شخص نصفهم من الأطفال، وقد وصلت المساعدات متأخرة جدا. وبحسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء العالمية التابعة للأمم المتحدة وشبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة، فقد أودت المجاعة التي ضربت الصومال بين عامي 2010 و2012 بحياة 260 ألف شخص، أكثر من نصفهم أطفال تحت سن الخامسة، حيث توفي في ذلك الوقت ما يقدر بـ4. 6% من مجموع سكان البلاد، بالإضافة إلى 10% من الأطفال دون سن الخامسة في جنوب الصومال ووسطه.

وتسبب غياب الاستقرار الأمني والسياسي إلى نزوح أكثر من مليون صومالي داخل بلدهم، خاصة من المناطق القروية والزراعية، ولجوء قرابة مليون آخرين إلى الدول المجاورة، حيث تقلصت المساحات المزروعة، وفاقم ذلك موجات الجفاف، فارتفعت أسعار المواد الغذائية، واستشرى الفقر المدقع.

مجاعة 2017؟

حذرت الأمم المتحدة والهيئات الدولية منذ العام 2016 من مخاطر حدوث مجاعة قاسية تهدد الصومال، وقدرت أن نصف سكان البلاد (نحو 6.2 ملايين شخص) محتاجون إلى دعم عاجل لتجنب آثار الجفاف القاتل، نصفهم تقريبا مسجلون ضمن خانة الخطر.

وإلى حدود مايو/أيار 2017، اشتكت الحكومة الصومالية من عدم وصول الدعم المطلوب من الدول التي وعدت بذلك، إلى جانب استمرار المشاكل الأمنية المرتبطة بالحرب المستمرة على حركة الشباب المجاهدين.

وطلبت منظمة الصحة العالمية توفير عشرة ملايين دولار بشكل عاجل، في إطار توسيع نطاق استجابتها لتوفير الخدمات الصحية الضرورية لنحو 1. 5 مليون صومالي متضررين من ظروف الجفاف القاسية وأزمة الغذاء المستفحلة. وحذرت المنظمة من أنه إذا استمر الوضع الغذائي على ما هو عليه من تدهور، فستتضاعف هذه الأرقام مرتين خلال العام 2017.

ولا تقتصر المجاعة وتوابعها على المناطق الشمالية والشرقية في البلاد، بل ضربت كذلك المناطق الوسطى والأقاليم الزراعية في الجنوب، بسبب نضوب مياه نهري "جوبا" و"شبيلي" أو تراجع مستويات مياههما، وعدم هطول الأمطار الموسمية، وقلة التساقطات في المواسم الماضية، وفق ما ذكره مركز مقديشو للبحوث والدراسات.

الصومال.. لماذا؟

يعد الصومال من الدول الأكثر معاناة من المجاعة في العالم، بسبب وجوده في مجال مناخي جاف يتميز بتناقص حاد في معدل تساقط الأمطار السنوية لسنوات متتالية، مما يؤثر على الأنهار والآبار فيجعلها تجف، وهو ما يتسبب في انخفاض الموارد المائية للشرب والزراعة والصناعة، بالإضافة إلى نفوق الماشية التي تعتمد عليها نسبة مهمة من السكان.

فالمناخ الصومالي مناخ صحراوي يتميز بارتفاع الحرارة في كل الفصول، حيث تصل إلى أربعين درجة في مناطق الداخل، وما بين 15 و30 درجة على السواحل، وبرغم ارتفاع درجة الحرارة وتبخر المياه، فإن الرياح التي تشهدها المنطقة تتميز بقدرتها على امتصاص بخار الماء من الهواء، فتنعدم تقريبا فرصة تكثيفه وسقوط الأمطار.

كما يتسبب الجفاف في تقلص مساحات الأراضي الفلاحية وتزايد ظاهرة التصحر، مما يدفع مئات الآلاف من السكان المعتمدين على الزراعة إلى الزحف نحو المناطق الجنوبية على ضفاف نهري شبيلى وجوبا.

كل ذلك يرفع من نسبة انتشار الفقر فيفقد الناس القدرة على توفير الغذاء المناسب، والتحصيل العلمي الضروري لتحسين الوضع المعيشي.

وإلى جانب العامل الطبيعي، يضاف العامل البشري في انتشار المجاعة بالصومال، حيث إن توالي الحروب الأهلية والصراعات المسلحة وانتشار الفوضى الأمنية، يمنع من قيام حكومة مركزية قوية قادرة على وضع استراتيجية وطنية لتنمية البلاد وجعلها قادرة على مواجهة التحديات الجغرافية، علما بأن الصومال يقع في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية التي تقع بمرمى مطامع الدول الكبرى.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة