أهلا بكم أيها الأحبة في لقاء جديد، نستكمل فيه الحديث حول الصوم، فبعد أن تحدثنا عن الصيام وفلسفته وحكمته، نتحدث اليوم عن أحكامه حتى نعرف كيف نصوم، وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامه فسوف نركز في حلقة اليوم حول محورين اثنين هما أركان الصيام وشروطه. فنبدأ على بركة الله.

مقدمة في الفرق بين الشرط والركن:

فمن عادة الفقهاء عند البحث في أمور الفقه تقسيم المسائل الى أبواب وفصول وترتيبها حتى يتم فهمها بالشكل الدقيق، ولذلك يذكرون للعبادة من صيام أو صلاة وغيرهما أركاناً وشروطاً، وحتى الشروط يقسمونها إلى قسمين شروط صحة وشروط وجوب.

وحتى أختصر الموضوع لكم ولا ندخل في نقاشات الأصوليين والفقهاء ونتيه فيها نقول: لا فرق في الحقيقة بين الشرط والركن من حيث أنه لا بد من كل منهما لصحة العمل، بمعنى في الصلاة أو الصيام لا تعتبر الصلاة صلاة أو الصيام صياماً إلا بوجود الشروط والأركان، بحيث يشترك الركن والشرط في كونهما من أسباب تمام صحة العمل.

ولكن يختلفان في كون الركن يقع من ماهيّة العمل نفسه فمثلاً السجود والركوع وقراءة الفاتحة من أركان الصلاة التي تبطُل الصلاة بتركها، بينما الشرط يقع من خارج ماهيّة العمل فمثلاً الوضوء والطهارة من شروط صحة الصلاة ولكنه يتم الإتيان به قبل الدخول بالصلاة.

وللتّمثيل كالبنيان، الشّروط بمثابة الأُسس والقواعد التي يقوم عليها البنيان، فإذا غابت القواعد سقط البناء، قال - تعالى -: (فأتى اللهُ بُنيانَهم من القواعد فخرّ عليهم السّقف من فوقهم) والأركان بمثابة الأعمدة التي يقوم عليها البُنيان فيَسقط بدونها أيضا.

قال بعض العلماء:

الشرط عن ماهية قد خرجا *** والركن جزؤها بها قد ولَجَا

لكن كلاهما إذا ما انعدما *** انعدمت ماهية بينهما.

وقال آخر

الركن ما في ذات شيء ولجا *** والشرط عن ماهية قد خرجا

أولاً: شروط الصيام:

أما الشروط فهي واحدة عند جميع المذاهب إجمالاً إلا أنهم رتبوها وقسموها كل مذهب حسب تراتيبهم وتقسيماتهم، ونحن في هذه المقالة نبتعد عن جدال ذلك التقسيم ما دامت الشروط هي هي عند الجميع ولذلك فالشروط تنقسم الى قسمين شروط وجوب وشروط صحة، ولكنني سأدمجها حتى لا نتشعب في الموضوع كثيراً:

1- الإسلام، فهو شرط أساسي لوجوب الصيام، وسبب عدم وجوب الصيام على الكافر في الدنيا، لأنه ليس من أهل العبادات، وأنه لو أسلم لا يلزمه قضاء ما أفطره من الصيام الواجب زمن كفره، فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، قال - تعالى -: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: 38].

2- التكليف، أي أن يكون بالغا عاقلا، فالصبي والمجنون رفع عنهما القلم، فلا يكلفان بالصيام ولا بغيرهما من العبادات، وإن كان مطلوبا في حق الصبي من اجل التدريب والتعويد، لما رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني عن عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل)).

3- القدرة على الصيام، فإن هذا من شروط وجوب الصيام، فلا يجب الصوم على غير القادر عليه، فديينا ولله الحمد مبني على التيسير ورفع الحرج، قال - تعالى -: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [الحج: 78]. وقال أيضاً: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، وهنا نتحدث عن المريض الذي يضر معه الصيام، أما إذا مرض الصائم مرضاً لا يضره فيه الصوم ولا يشق عليه ولا يتأذى إن صام، مثل الزكام أو الصداع اليسيرين، أو وجع الضرس، وما شابه، فلا يجوز له أن يفطر، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة وذلك لأن المريض إذا لم يتأذَّ بالصوم كان كالصحيح فيلزمه الصيام.

أما إن كان ذا مرضاً يشق عليه الصوم فيجوز له الفطر، وعليه القضاء بعد شفائه إن كان مرضه يرجى برؤه منه ولا يجوز له الإطعام، إذ الواجب عليه القضاء بعد شفائه، قال - تعالى -: ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) [البقرة: 185].

أما إذا كان مرضه مزمناً لا يرجى برؤه ويشق عليه الصوم يفطر ويطعم عن كل يوم أفطر فيه مسكيناً، قال - تعالى -: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) [البقرة: 184].

4- الإقامة، إن من شروط وجوب الصيام الإقامة، فالمسافر لا يجب عليه الصيام ويجوز له أن يفطر وعليه القضاء، قال - تعالى -: ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، وتصح منه.

5- وهو للمرأة ان تكون طاهرة، ولا أرغب في استعمال كلمة طاهرة؛ لأن عكسها تدل على أنها نجسة وهذا غير صحيح، فأقول أنها خالية من المانع الشرعي وهو لا تكون حائضاً ولا نفساء

ثانياً: أركان الصيام:

الركن الأول النية:

والنية عمل من أعمال القلب يقصد به العزم على العمل واخلاصه لله لقوله - سبحانه -: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) 5 سورة البينة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب: (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئ ما نوى)).

إذاً فالنية معناها القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه من غير تردد، والمراد بها هنا قصد الصوم، ومحل النية القلب، ولا يشرع التلفظ بها، وهو خلاف السُّنَّة، لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، وحقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله - تعالى -، وطلباً لثوابه.

وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية، فإن النية لا تحتاج إلى تكلف، فمن عقد قلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى، ومثله ما لو تسحر بنية الصوم غداً.

وهي ركن في الصيام عند الشافعية والمالكية، أما عند الحنابلة فهو شرط، ولا اساس له عند الأحناف

فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة استدلوا لما رواه أصحاب السنن بسند صحيح عن حفصة بنت عمر بن الخطاب -رضى الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)).

لكنهم اختلفوا هل هو في عموم الصيام أم الفرض منه فقط، فالمذهب الأول وهو مذهب السادة المالكية: حيث قالوا لا صيام إلا بنية قبل الفجر سواء كان فرضا أو نفلا سواء كان أداء أو قضاء، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد عمم بقوله في الحديث ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)) صيام الفرض والنافلة ولم يخصص أي صيام فوجب أن لا يصح صيام لم تقارنه النية، ومعنى الحديث لا صيام صحيح إلا بنية قبله.

أما السادة الشافعية والحنابلة فقالوا في الصيام الواجب فقط، أما في صيام النافلة فلا يشترط، بل يجوز عندهم بعد الفجر أيضاً لما رواه مسلم والنسائي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوماً فقال: ((هل عندكم من غداء؟ قالت: لا، قال: فإني إذا أصوم)).

أما السادة الأحناف فلا يرون تبيت النية قبل الفجر في الصيام الواجب او النافلة شرط ولا ركناً، وعللوا أن من صام بنية قبل الفجر أو بعده سمي صائما للشهر.

مستدلين بقوله بما رواه البخاري عن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((أيها الناس إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر)).

قالوا فهنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد أجاز الصيام بغير تبييت النية للصيام فدل على أن التبييت ليس بشرط في صحة كل صيام.

ورد الأحناف على حديث ((لا صيام...)) بأنه لا صيام كامل إلا بنية.

وخلاصة المسألة أنه يجب تبيت النية من الفجر موافقة للجمهور وحتى الأحناف قالوا الأفضل التبييت من الليل خروجاً من الخلاف.

وهنا سؤال: هل تكفى نية واحدة لصيام الشهر كله؟

والجواب أن العلماء قد اختلفوا في ذلك على قولين:

الأول: للمالكية حيث قالوا بأن نية واحدة في أول الشهر تكفي لصيام الشهر كله، بشرط التتابع، أما انقاطع الصيام برخصة الافطار في السفر أو لمرض أو لحائض فلا.

واعتبر المالكية صيام شهر رمضان عبادة واحدة كركعتي الصلاة لا يجب في كل ركعة النية للصلاة بل يكفي لبدايتها فقط وقالوا إنما وجبت النية لتمييز العبادات عن غيرها وبما أن صيام شهر رمضان هو صوم لا يتخلله صوم غيره أجزأ المكلف نية واحدة في أول ليلة منه كالصلاة الواحدة والحج والعمرة وغيرها.

أما القول الثاني وهو قول جمهور الفقهاء حيث قالوا لابد من تبييت النية لكل يوم، ولأن كل يوم عبادة مستقلة، لا يرتبط بعضه ببعض، ولا يفسد بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها، وهو الليالي التي يحل فيها ما يحرم في النهار.

الركن الثاني الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس:

وهو الإمساك عن المفطرات من طعام، وشراب، وجماع، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، ودليل ذلك لقوله - سبحانه -: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)187 سورة البقرة

أي حتى يتميز سواد الليل من بياض النهار، ويتداخل مع هذا الموضوع قضية طول النهار في البلاد الاسكندنافية وقد شرحنا هذا الموضوع قبل سنوات سوف نفرد لهذه المسألة حلقة خاصة إن شاء الله لتوضيحه بشكل مفصل.

كما سنبين في الحلقات القادمة تلك المفطرات التي يجب على الصائم الإمساك عنها حتى يعتبر صيامه صحيحاً.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة