العشر الأواخر أغلى من الذهب فاغتنموها
الكاتب : خميس النقيب
عدد القراءات : 128

الأيام تتسارع والأعوام تتوالى والليالي تتعاقب والساعات تنقضي والأزمان تنتهي، تشدنا إلى الله شدا ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه).

السلطان يزول والجاه لا يدوم، المال يفني والعز لا يبقى، ( كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) الرحمن.

الشمس والقمر تتناوبان والليل والنهار يتعاقبان

( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) الفرقان

الشمس تشرق وتغرب والصحة تقوي وتضعف والأيام تقبل وتدبر وربك يخلق ما يشاء ويختار وكل شيء عنده بمقدار، يقول الله - سبحانه - متحدثا عنه ذاته - جل جلاله – (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) الرحمن.

هي الأيام كما شاهدتها دولٌ *** من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ

وهذه الدار لا تبقي على أحد *** ولا يدوم على حال لها شانُ

وأين ما حازه قارون من ذهب *** وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ

أتى على الكل أمر لا مرد له *** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

يقولون الوقت كالذهب إن لم تقطعه قطعك، لكن في الحقيقة الوقت أغلى من الذهب لأن الوقت هو الحياة، أما العشر الأواخر من رمضان فهي حياة أخرى وارفة كيف؟!!

الله تعالى فضل الشهور بعضها علي بعض فاختار شهر رمضان، وفضل الليالي بعضها على بعض فاختار العشر الأواخر، واختار من العشر الأواخر ليلة القدر، فلا يفوتك أجرها، ولا يخطئك طيفها، ولا تغب عن ظلها لتكن في ظل الله يوم لا ظل الا ظله، إنها تعدل أكثر من ثلاثة وثمانين عام، فتضيف لك عمراً فوق عمرك، وأجراً فوق أجرك، وقدراً فوق قدرك كيف (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) القدر
ومن الملاحظ في هذه الأعوام سرعة انقضاء الأعمار و مرور الليالي والأيام.

انتزعت البركات وكثرت السيئات وضاعت الصلوات ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسموات

فكم نرى ونسمع من يشتكي قلة البركة في الأعمار وكم من تمر عليه الأعوام كأنها أيام وهذا ما أخبرنا به سيد الأنام - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَة)). (والسعفة هي الْخُوصَةُ)

وقد اختلف العلماء في معنى تقارب الزمان على أقوال كثيرة، وأقوى هذه الأقوال:

قال النووي: الْمُرَاد بِقِصَرِهِ عَدَم الْبَرَكَة فِيهِ، وَأَنَّ الْيَوْم مَثَلا يَصِير الانْتِفَاع بِهِ بِقَدْرِ الانْتِفَاع بِالسَّاعَةِ الْوَاحِدَة.
وقال الحافظ: وَالْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد نَزْع الْبَرَكَة مِنْ كُلّ شَيْء حَتَّى مِنْ الزَّمَان، وَذَلِكَ مِنْ عَلامَات قُرْب السَّاعَة

يقول بن مسعود - رحمه الله تعالى -: "إذا رأيتَ العبدَ تزداد دنياه وتنقُص آخرته وهو بذلك راضٍ فذلك المغبونُ الذي يُلعَب بوجهه وهو لا يشعر"

لكن يجب أن يعمل العبد لمعاده كما يعمل لمعاشه، ولغده كما يعمل ليومه ولا آخرته كما يعمل لدنياه..

يقول محمد بن واسع: "إذا رأيتَ في الجنة رجلاً يبكي، ألستَ تعجَب من بكائه؟! " قيل: بلى، قال: "فالذي يضحَك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجبُ منه"

ومع مرور الأيام كم في الأمة من المآسي والآلام…

 كم من فقير هام على وجهه من الجوع والعطش؟!

كم من مشرد كان له بيت فصار بلا مسكن ولا مأوى؟!

كم من بريء مسكين قتلته رصاصات الغدر والظلم؟!

كم من حرة عفيفة هتك سترها فاجر عتل غليظ؟!

كم من بلد استبيحت حرمته وسلبت أراضيها؟!

كم من أرض أحرقت ظلماً لا لشيء إلا لأن أهلها يقولون: ربنا الله؟!

وسوريا وبورما وفلسطين والعراق ليسوا منا ببعيد

" حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزوار أعمالكم قبل أن توزن عليكم… " الفاروق عمر - رضي الله عنه -

قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها و أغلالها؛ فقلت لنفسي: أي نفسي، أي شيء تريدين؟، قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا؛ فأعمل صالحاً قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي.
عن ميمون بن مهران قال: التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص، ومن شريك شحيح.
قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله؛ فكان لها قائدا.

مطلوب من الإنسان الإكثار من الحمد والشكر على ما أنعم به من مهلة العمر والاستزادة من العمل الصالح قال - تعالى -: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) التوبة.

 وقال - تعالى -: ( وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) الأعراف.

فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر هم من طال عمره وساء عمله، عن الحسن عن أبى بكرة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: (( من طال عمره وحسن عمله، قيل فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله))).

فعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ" [البخاري ومسلم]، وفي رواية لمسلم: "وجدَّ". ]

طوبى للذين يقيمون ليلة القدر إيمانا واحتسابا، طوبي للذين يعقدون مجالس الذكر والعلم لله –عز وجل-، ورد عن النبي - عليه الصلاة والسلام -: تنصب المجالس يوم القيامة كما كانت تنصب في الدنيا الواقف فيها واقف والجالس فيها جاس، وكل المجالس حسرات علي أصحابها يوم القيامة الا مجلس فيه ذكر الله وما والاه....، مجلس العلم تحضره الملائكة، وتغشاه الرحمة، وتتنزل عليه السكينة، ويذكره الله في الملأ الأعلى،... لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون...

والمؤمن الذي تزود من الطاعة في رمضان، واستزاد من الإيمان مع القرآن، يجب أن يسير الشريعة حيث سارت ركائبهم، ويستقر مع السنة متى استقرت مصارفها ويستظل بظلها أينما كانت مشاربها، كيف؟ يكون مصليا مع المصلين، ومزكيا مع المزكين، وصائما مع الصائمين، وحج لبيت الله - تعالى -إذا استطاع إلى ذلك سبيلا مع الحاجين، هذا هو مسلم رمضان وغير رمضان

وقد سميت ليلة القدر بهذا الاسم، لأن الله - تعالى -يقدّر فيها الأرزاق والآجال، وحوادث العالم كلها، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والحاج والداج، والعزيز والذليل، والجدب والقمط، وكل ما أراده الله - تعالى -في تلك السنة، ثم يدفع ذلك إلى الملائكة لتتمثله، كما قال - تعالى -: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) الدخان وهو التقدير السنوي، والتقدير الخاص، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما صحت بذلك الأحاديث.

نعم فهي ليلة يحدث فيها الوفاق و تقدر فيها الأرزاق وتتألق فيها الأخلاق ويعلو فيها خلق العفو..

اغتنموا العشر الاواخر واستثمروا رمضان ففيه الخير الكثير..

عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إسلامهما جميعاً فكان أحدهما أشد اجتهادا من الآخر فغزا المجتهد منهما فاستشهد ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي قال طلحة فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخر منهما ثم خرج فأذن للذي استشهد ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد فأصبح طلحة يحدث به الناس وعجبوا لذلك فبلغ ذلك رسول الله -صلى اللهم عليه وسلم-وحدثوا الحديث فقال: ((من أي ذلك تعجبون)) فقالوا يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد ودخل هذا الآخر الجنة قبله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أليس قد مكث هذا بعده سنة قالوا بلى قال وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة قالوا: بلى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض)).

اللهم بلغنا ليلة القدر اللهم وفقنا لصيام نهارها وقيام ليلها لنيل أجرها…

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة