ففروا الى الله
الكاتب : حسن السبيكي
عدد القراءات : 49

الخطبة الأولى

يقول الله - تعالى -: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات 50  51 (

أيها الاخوة المؤمنون، كلنا نرى ونسمع ونقرأ، عما تمر به الامة الاسلامية من شدائد البلاء، بما تكابد من المحن والنكبات والازمات، وما يصيبها من الاعداء من الهجمات والضربات، وما يلقاه اخوتنا في كثير من البلدان، من القهر والتعذيب والتشريد والتقتيل والتنكيل..

يقع كل هذا ونحن نتجرع غصصه متألمين، متحسرين، ولا نملك غير ذلك، والأمة بأقطارها الكثيرة وشعوبها الوفيرة، في خدر السلبية والصمت، وكأنها استعذبت المحن واستمرأت الآلام، ورضيت بمهانة الخضوع والانقياد لأعدائها، يغزون ديارها، ويستنزفون خيراتها، ويسفكون دماءها، ويغتالون كرامتها وعزتها!؟

فأين يكمن مصدر الداء وسبب البلاء؟ قد تكثر التفسيرات والتأويلات، ولكن سبباً واحداً جامعاً، يغني عما سواه، إنها حال البعد عن الله - جل وعلا -، وابتغاء العزة عند غير الله، فما نكابد من المصائب إنما هو من عند أنفسنا و بسبب ذنوبنا، في غفلة و نسيان للآخرة وانغماس في الملذات واقتراف للمنكرات، فماذا ينتظر الشاردون عن ربهم إلا أن تتيه بهم مسالك الشقاء والبلاء، وتضيع منهم أمجاد الوحدة والعزة والتمكين، التي عاش عليها أسلافنا الأولون، فلابد من المسارعة الى المصالحة مع الله - تعالى -، بالعودة اليه تائبين خاضعين خاشعين، والإنابة إليه معتصمين بحبله المتين، متبرئين من عهود الشرود، والغفلة وعبودية الدنيا والاهواء، ومذلة الخضوع والخنوع لغير الله!.

إن الإنسان بطبيعة خلقه ضعيف، وقد شهد عليه خالقه بذلك (وَخُلِقَ ٱلإِنسَٰنُ ضَعِيفاً)، فلا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولو كان نبي الأمة - عليه الصلاة والسلام - وقد تبرأ من حوله وقوته أمام الله - تعالى -: (قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوء) [الأعراف: 188]، فلابد للإنسان الضعيف، أن يلجأ الى من يحميه ويوفر له الأمن والسكينة والاطمئنان، ليبثه همومه ومخاوفه وآماله؟ ولن يجد ذلك إلا بالعودة إلى جوار ربه ومولاه.

فكيف تكون العودة اليه - سبحانه - والمصالحة معه، ذلك ما عبر القرآن الكريم عنه بالفرار الى الله، الفرار بكل ما يعنيه من الهرب في خوف وفزع وهلع نحو ملجأ النجاة والامان والاطمئنان، في جنب الله- تبارك وتعالى -: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات 50  51 (

آية من أعظم آيات القرآن الكريم، تضم معاني الخوف والرجاء: الخوف من الله - تعالى -، والإنابة إليه - سبحانه -، إذ لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. ففي سياق الآيتين، حذر الله - تعالى -من غضبه وعقابه فيما ذكر من مصير الامم السابقين، الذين أصابهم بالعذاب والهلاك، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون. وفي ذلك دعوة للاعتبار والادكار بآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، ثم أمر بما هو مقصود من ذلك، وهو الفرار إليه. فرار يعني ترك أسباب سخطه إلى أسباب مرضاته، والفرار من عقوبته إلى معافاته، ومنه إليه - سبحانه - كما جاء ذلك في دعاء سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). (الترمذي).

يقول الإمام ابن القيم في (منزلة الفرار): "فحقيقة الفرار: الهرب من شيء إلى شيء، وهو نوعان: فرار السعداء: الفرار إلى الله - عز وجل -، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه". وللناس في فرارهم إلى غير الله أحوال لا تزيدهم إلا هواناً وخسراناً، فمنهم من يفر إلى المال والسلطان والأعوان افتتانا، ومنهم من يفر إلى نفسه غروراً واستكباراً، ومنهم من يفر إلى الشيطان انقياداً، وإلى الذنوب والمعاصي استهتارا، ظاناً أن شيئاً من ذلك يسعده ويخلصه مما يعاني من ضنك أو ضيق أو شقاء مادي أو معنوي.

أن حقيقة الفرار إلى الله أن تقبل عليه في خوف وشوق ورجاء، لا يشغل قلبك ولا فكرك شيء من متاع الدنيا، وإنما يكون أكبر همك، أن تنال عنده الرضا والرضوان، فتجعل كل دنياك وحياتك لله، مأكلك ومشربك وعملك وسعيك، كل ذلك لله، وإذا أحببت ففي الله، وإذا أبغضت ففي الله، أي أن تحيا لله على شعار: (قُل اِنّ صَلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومَماتيَ للهِ ربِّ العالمينَ لا شَريكَ له وبِذلكَ أُمِرتُ) وفي ذلك مطلق التفويض والتسليم لله كما أوصى النبي الكريم أن يكون من دعاء المؤمن قبل نومه: ((اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلتَ وبنبيك الذي أرسلت)) (متفق عليه).

ومقتضى ذلك: الفرار مما لا يرضاه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحب ويرضى: بالفرار من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، والفرار من ذلّ الشهوة ومرارتها إلى عز الطاعة وحلاوتها، ومن مهانة الافتقار الى الخلق، إلى عزة الافتقار إلى الخالق القدير.. فإذا خفت من غضبه ففر إلى حلمه ومعافاته، وإذا خفت من سخطه ففر إلى رضاه، وإذا خفت من عذابه ففر إلى رحمته وغفرانه.. فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يعيش مع الله وبالله ولله منقادا ومستسلما، يفر إليه ويستعيذ به منه خوفاً ورجاء، فيقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (رواه مسلم).

ومن المعلوم أن كل من نخاف منهم، نفر منهم، إلا الله - تعالى -، فلا يكون الفرار منه إلا إليه، اتقاء غضبه وسخطه وعقابه، ورجاء عفوه ورحمته وغفرانه، وعلى قدر مبلغ الخوف منه، يكون الفرار إليه، وعند صاحب الظلال، " أن التعبير بلفظ الفرار عجيب حقاً، وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال، التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق، وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال، ومن ثم يجيء الهتاف قوياً للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الأثقال والقيود! الفرار إلى الله وحده منزهاً عن كل شريك، ولا عذر بعد قيام الحجة وتكرار التنبيه التحذير في آيتين متجاورتين: (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ).

أيها المؤمنون: إن من رحمة الله - تعالى -بعبده، أنه إذا علم منه صدق الفرار إليه، أعانه ووفقه، ولم يتركه وحده، بل يقبل عليه بالرضا والعناية والتوفيق، كذلك الوعد منه - سبحانه - في الحديث القدسي: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِ رَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) (رواه البخاري).

إن النفس مجبولة على الخوف مما يهددها بالعذاب أو الهلاك، فليتصور أحدنا أنه يواجه أسداً شرساً جائعاً، أو عدواً لدوداً مسلحاً مصمماً على قتله، كيف يكون الحال، وتصرفه؟ فليس له إلا الفرار، هروباً في فزع وهلع، لا يشغله أو يهمه حينها شيء إلا أن ينجو من الهلاك الأكيد! ومهما تكن هذه المخاوف، فليس شيء أشد على الإنسان خوفاً وهلعاً من لهيب النار، كل شيء يهون إلا النار، فالخائف من نار الدنيا قد يقفز من شاهق وهو على يقين الموت المحتوم، ولكنه يقول: كل شيء إلا النار، وهذه نار الدنيا، نفر منها ولو إلى الهلاك بغيرها، فلا نطيق منها ولو دقيقة واحدة، وماهي إلا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، النار التي ورد مبلغ حرها في الأثر: ((أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَة)) (الترمذي). جهنم التي يتحتم مرور الخلق عليها، فمنهم ناج بحسن عمله، ومنهم واقع فيها بسوء عمله (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) (مريم 71  72)، فكيف يفر الناس من مخاطر الدنيا ومخاوفها، ولا يفرون للنجاة من عذاب الآخرة (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، ولا يكون الفرار من النار إلا بالفرار إلى الله - تعالى -خشية ورهبة ورجاء، إنه الفرار من الله إلى الله، من غضبه وسخطه وعذابه، إلى رضاه ورحمته ورضوانه.

أيها المؤمنون، إنه على قدر الهدف والمراد يكون فعل الانطلاق بطيئاً أو عادياً أو سريعاً: فحين أوصى الله - تعالى -بطلب الرزق قال: (فامشُوا في مَناكِبها وكُلوا من رِزقه)، وحين أمر بالصلاة قال: (فاسعَوا إلى ذِكرِ اللهِ.. )، وحين رغّب في الجنة قال: (سَارِعوا إلى مَغفِرة من ربِّكم وجَنةٍ عَرضُها السّمواتُ والأرض) فكان في كلِها، إما المشي أو السعي أو المسارعة، لكنه في الإقبال عليه - سبحانه - قال: (ففروا إلى الله..) فالماشي قد يبطئ أو يسرع، وقد تشغله في مشيه أشياء، ولكن الذي يفر خوف الهلاك، ليس يشغله إلا هم الخلاص والنجاة!.

فماذا يملك العبد إلا أن يفر إلى سيده ومولاه، وإلا فلن يجد راحة نفسه وطمأنينة روحه وسعادة قلبه، في خضم حياة تموج بالمكاره والفتن، والناس هالكون لا محالة، ما لم يعرفوا ربهم، ويقبلوا عليه بالعبودية والعبادة، خاضعين خاشعين، فمن عرف ربه، وأقبل عليه بالعبودية له وحده، فقد أدرك غاية وجوده، ومغزى حياته، وسبيل سعادته (وما خلقتُ الجنَّ والانسَ الا ليَعبُدونِ)، وتحرر من قيود العبودية لغير الله، وانعتقت روحه من جواذب الحياة المادية الدنية، لتسمو إلى بارئها، حيث مستقر سكينتها ورضاها، إن السعادة كل السعادة في الإقبال على الله، وإن الشقاء كل الشقاء في الإعراض عنه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه 124). فماذا يجد من فقد ربه!، إلا أن يحيا شقياً محروماً!، وماذا يفقد من وجد ربه، وهو على صلة وتواصل ببارئه!.

أيها الإخوة الكرام، هيا إلى الفرار إلى الله من كل ما يبعدنا عنه، ويشغلنا عن ذكره وشكره وحسن عباته:  نفر من فقرنا وعجزنا وضعفنا إلى الله الغني القوي الحميد، معترفين بأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) فاطر 15  17).  ونفر من جهلنا إلى الله الذي علم آدم الأسماء كلها، -فسبحانه - لا علم لنا إلا ما علمنا انه هو العليم الحكيم.  

ونفر إليه من مضلات الهوى ومسالك الضلال، ليهدينا سبيل الرشاد، فلا يهدي اليه إلا هو (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).  ونفر اليه - سبحانه - من ذنوبنا وخطايانا، ونحن المسرفون، وهو الغفور الرحيم (ومن يغفر الذنوب إلا الله).  ونفر إلى الله من الشيطان الرجيم الذي يتربص بنا ليصرفنا بالغواية عن طاعة ربنا، فلا حول لنا ولا قوة عليه الا باللجوء إلى الله والاستعاذة به من مكره وغوايته (إن الشيطانَ لكم عَدوّ فاتخِذوهُ عدُواً إنما يدعو حِزبَه ليكونوا من أصحابِ السعيرِ).  ونفر إلى الله من شرور أنفسنا، وهي أمارة بالسوء، فلا خلاص من قيود أهوائها ونزواتها إلا باللجوء إلى بارئها، والاستعانة به عليها والاستعاذة به من غرورها (ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها.. ).

وفي كل تلك الأحوال لا ينفع إلا الفرار، هرباً من الخوف إلى الأمان، ومن الضيق إلى السعة، ومن السخط والغضب إلى الرضا، ومن العذاب إلى الثواب، فمن منا لا يحتاج إلى هذا الفرار في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، والفتن والأزمات، والفواحش والمنكرات، فإن مما يبعث على الحسرة والألم، أن تجد أكثر الناس يعكسون الاتجاه، فيفرون من الله، من توحيده وعبادته، وخشيته ورجائه، إلى معبودات دنياهم، إلى عبودية الأهواء والأموال والسلطان والأضرحة والقبور والسحرة والمشعوذين، فمن أجلها يظلمون ويبغون ويفتك بعضهم ببعض، طمعاً في مال أو امرأة أو شهرة أو منصب أو غير ذلك، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر أصحابه فيقول: ((والله ما الفقرَ أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)). (البخاري ومسلم).
 إِن مسّنا الضّر أو ضاقت بنا الحيَلُ *** فلن يخيب لنا في ربنا أملُ

 وإِن أناخَت بنا البلوى فإِن لنا *** ربّا يحوّلها عنّا فتنتقلُ

 الله في كل خَطبِ حسبنا وكفَى *** إليه نرفع شكوانا ونبتهلُ

 من ذا نلوذ به في كشفِ كُربتنا *** ومن عليه سوى الرحمن نتّكِلُ

 فافزع إلى الله واقرع باب رحمته *** فهو الرجاء لمن أعيت به السبُلُ

الخطبة الثانية:

يقول الله - جل وعلا -: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍۖ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (الشورى 30  31)

أيها المؤمنون، إن الله - تعالى -إذا أوجع الأفراد أو الجماعات أو الأمم والشعوب بالبلاء، فبما كسبت أيديهم، وإنما يريد بذلك أن يفر الناس إليه وأن يقبلوا عليه تائبين ضارعين مستغيثين، ويقولوا: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) (الدخان 12)، فهلا تضرع الناس عندما يتألمون، هلا علموا بأن لهم رباً حليماً كريماً، غفوراً رحيماً، (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً) ولكن أكثر الناس، يأبون إلا الفرار من الله إلى مراتع سخطه بالجحود والمعاصي: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام 43.

فيا أخي المسلم، إن الفرار يقتضي قوة الإرادة والعزيمة، كما يقتضي المبادرة والمسارعة والمسابقة، فالذي يعنيه الإقبال على الله، والإخلاص له، يعنيه العمل الصالح الذي يرضي الله، فيجتهد في ذلك مستعيناً بالله - تعالى -، ولسان حاله: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) [العنكبوت: 26] (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات: 99). فرار التعلق بالله خوفاً ورجاءً، كفرار الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وقال - تعالى -في شأنهم: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ۖ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ۖ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِۖ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواۖ ۖ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة: 118)

فإذا لم تفر إلى الله الآن وأنت بكامل قوتك وعافيتك فمتى تفر؟ أترجئ الفرار إلى أن يشيب شعرك وتضعف قوتك وتتراكم عليك الأمراض والعلل؟ أم ترجئ الفرار إلى الله إلى أن يدركك الأجل المحتوم، فتقول: (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون 10).

إياك أن تكون من الغافلين الذين لا يفكرون في الفرار إلى الله في دنياهم، ويؤخرون ويسوفون، ويلههم الأمل بغير عمل، حتى إذا فات الأوان وبعثوا ليوم الحساب، وعاينوا الأهوال يوم القيامة، أدركوا أنه لا ملجأ ولا مفر حينئذ  (فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلْإِنسَٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ (القيامة: 7-10]، ها قد بدأوا يسألون عن المفر، بينما كانوا في غفلة عنه في دنياهم، فهل ينفعهم ذلك مالم يكونوا فارين إلى الله في دنياهم، (مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ) [الشورى: 47.

ففروا إلى الله في دنياكم، قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه إشكال الفرار إلى غير الله (يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(عبس 34)

جعلني الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة