عندما تجمع أحاديث استغفار النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه، وأحواله في هذا الاستغفار، ثم تنظر إليها من زوايا متنوعة سوف تلحظ أموراً مدهشة منها:

كثرة الاستغفار واللهج به بحيث يُحصي له أصحابه في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة: استغفر الله وأتوب إليه، ولك أن تتساءل فكم استغفر إذاً قبل أن يحضر هذا المجلس؟ وكم استغفر بعد أن قام منه؟!

ويخرج على أصحابه يوماً وهم جلوس فيقول لهم: "ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت فيها مئة مرة"، والغداة هي صباح الصباح ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ففي بكور يومه يستغفر مئة مرة، فكم يكون استغفاره بقية يومه؟!

كما نلاحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا ربه فإنه يدعو بجوامع الدعاء من خيري الدنيا والآخرة من غير تفصيل في الدعاء، إلا في الاستغفار فإنه يفصِّل فيه ما لا يفصَّل في غيره فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وسره وجهره، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

وهذا التفصيل في الاستغفار له دلالته على تأكيد الاعتراف، ودلالته على مزيد التذلل لله والإلحاح في طلب المغفرة، والاستعلان بالتقصير في أداء الحق وما يجب تجاه الرب المنعم المتفضل.

وهنا نتساءل ممَّ وعمَّ يستغفر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الاستغفار بهذا الإكثار وهذا التفصيل مع أنَّا نعلم من سيرته -صلى الله عليه وسلم- أن حياته صافية كالزجاجة، فلا ذنب ولا خطأ ولا خطيئة، فمم يستغفر من كانت حياته صافية هذا الصفاء، وأوقاته متواصلة بالعبادة لله والتقرب إليه.

إن الجواب عن هذا التساؤل هو أن هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أعلم الخلق بالله، وأعظمهم له تقوى وخشية، ولكمال معرفته بربه فإنه يعلم أن كل ما يعمله العبد مهما عمل، ومهما توقى واتقى فسيظل قاصراً ومقصراً عما يجب أداؤه للرب الجليل الذي غمر فضله وتتابعت نعمه وتوالى إحسانه.

ولذا فإنه يستغفر استشعاراً للتقصير فيما وجب عليه من أداء هذا الحق.

فتراه يستغفر كل غداة مائة مرة، ولك أن تتساءل ما لذي سبق هذا الاستغفار الصباحي من عمل عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، لقد سبقه قيام الليل، والوتر، وركعتي سنة الفجر، ثم صلاة الفجر، وقرآن الفجر، ثم أذكار الصباح، ثم يعقب كل هذه العبادات المتتابعة بالاستغفار مائة مرة.

إن هذا الاستغفار ليس لخطيئة سلفت أو ذنب مضى ولكنه استشعار لعظيم حق الله ونعمته وفضله مع التقصير في أداء هذا الحق، ولذا يلحف في الاستغفار.

ولذا جاء استغفار النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أداء الأعمال الصالحة، فبعد السلام من الصلاة يستغفر ثلاثاً، مع أنه فرغ من عبادة من أعظم العابدات وأفضلها.

وعندما بشر بالفتح جاءته معه البشرى بمغفرة ذنوبه ما تقدم وما تأخر (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).

فلما وقع الفتح جاءه الأمر بكثرة الاستغفار (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، قالت عائشة - رضي الله عنها - ما -صلى الله عليه وسلم- صلاة بعد أن نزلت عليه: (إذا جاء نصر الله والفتح) إلا يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي))، يتأول القرآن.

فبعد عشرين سنة من الجهد والجهاد والدعوة والبلاغ، وبعدما تحققت الهداية ودخل الناس في دين الله أفواجاً، يلح في الاستغفار زيادة على إلحاحه، ويكثر منه زيادة على إكثاره، وكأنما يقول لربه: ومع كل ما عملت لك يا رب فإني استغفر من تقصيري عن أداء حقك، وشكر فضلك، فاغفر لي تقصيري فيما عملت، فعملي قليل وجهدي قاصر، وحقك علي عظيم، فاغفر عظيم تقصيري في أداء عظيم حقك.

ولما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لن يُدخل أحداً الجنة عملُه))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة)).

فالعمل مهما وُفِّي وكُمِّل قاصر عن أداء الحق الإلهي العظيم.

فالنعم من الله إلى عبده غير متناهية، وقوته لا تدرك أداء أقل القليل من شكرها، فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، ولذا فالاستغفار استعتاب إلى الله، واعتراف بالتقصير في عظيم حقه.

ويوضح ذلك جوابه -صلى الله عليه وسلم- للصديق عندما سأله فقال: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)).

فهذا الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو الذي يدعى من أبواب الجنة الثمانية كلها، ومع ذلك يعلّمه المصطفى دعاء فيه الاعتراف بظلم النفس، وليس أي ظلم ولكن ظلماً كثيراً، ثم يستجدي ربه ويستغفره بهذا التذلل والاسترحام: ((ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)).

إن هذا المعنى إذا تجلى لنا لفت بصائرنا إلى حاجتنا للاستغفار، وأننا عندما نستغفر فلا يلزم أن نتذكر ذنباً نراه نصب أعيننا، ولكن نتذكر عظيم حق الله علينا، وسابغ إنعامه وفضله، وعظيم تقصيرنا في حق الله كما علمنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- في دعاء سيد الاستغفار: ((أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي)).

فلا ينفك العبد آناء ليله ونهاره من حاجة إلى الاستغفار لأنه لا ينفك آناء ليله ونهاره من تتابع أفضال الله وإنعامه التي يتقاصر عمله مهما عمل عن شكرها وأداء حقها، فكيف إذا حصلت مع ذلك الهفوات والخطايا والذنوب، فالرب يُعطي والعبد يُخطي، فيبوء لله بإنعامه عليه ويبوء بخطئه وذنبه.

وعندما نتذوق الاستغفار بهذا المعنى فإنا ننفذ إلى حقيقته، ونؤديه لله بتلذذ وذوق، واستشعار لعظيم الاحتياج إلى تلقي مغفرة الله، والالحاح على الله في سؤالها، عسى أن نكون ممن يتلقى ربنا استغفاره بقوله: ((علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، أشهدكم أني قد غفرت له)).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة