أهمية الدعاء
عدد القراءات : 943

الخطبة الأولى:

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله واشكروه -جل وعلا- حق شكره أجاب دعاءكم ورحم ضعفكم وفرج كربكم وأغاث بلاءكم فله الحمد على ذلك حمداً كثيراً، له الحمد سبحانه حمداً نلتزم فيه شرعه ونقف عند أمره ونهيه فاعملوا عباد الله شكراً فقليل من عباد الله الشكور.

أيها المؤمنون إن من عظيم فضل الله تعالى ورحمته بعباده أن جعل دعاءه وسؤاله عبادة من أفضل العبادات وقربة من أجل القربات فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الدعاء هو العبادة)) (1) فجعل الله سبحانه بمحض فضله وعظيم إحسانه وبره سؤال عباده ودعاءهم لب عبادته وأساسها: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (2).

أيها المؤمنون إن الله -سبحانه وتعالى- أمركم بدعائه ووعدكم الإجابة فضلاً منه ومناً فقال -تبارك وتعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فاستجيبوا لربكم أيها المؤمنون بدعاء الله وسؤاله فإن الله قد توعد من أعرض عن دعائه بالعقاب الأليم والعذاب المهين: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي أي دعائي ومسألتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (3) وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) (4) رواه الترمذي فاسألوا الله أيها المؤمنون و اطلبوا منه كل حاجاتكم دقيقها وجليلها قريبها وبعيدها فإن الأمر كله بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع قال - تعالى -: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) (5) قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: سلوا الله كل شيء حتى الشسع -أي حتى سير النعل- فإن الله لو لم ييسره لم يتيسر. فسلوا الله عباد الله كل شيء فإن الله يحب عبده الذي يسأله ويتملقه وينزل به حوائجه ويلح في سؤاله وطلبه فإنه سبحانه جواد كريم يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فتبارك الله رب العالمين بيده الملك وهو على كل شيء قدير.

أيها المؤمنون إن من تمام جود الله تعالى وكرمه ومن كمال غناه وقيوميته أنه -سبحانه وتعالى- يعرض على عباده مسألته وطلبه ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) (6) فيا عبد الله أي غبن وأي خسار في ترك سؤال رب جواد كريم بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله رب بلغ جوده وغناه أنه يستدعي عباده ليسألوه من كل ما يريدون قال وهب بن منبه -رحمه الله- لرجل كان يأتي بعض الأغنياء ليعطوه: ويحك تأتي من يغلق عنك بابه ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه وتترك من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه ويدعوك إلى مسألته: ادعني أستجب لك.

فاجتهدوا عباد الله في سؤال مولاكم -جل وعلا- من كل ما تشاءون فإنكم لا تعدمون خيراً ما سألتموه ورجوتموه فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعاً: ((ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها)) فقال أحد الصحابة: إذاً نكثر يا رسول الله؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((الله أكثر))(7) رواه أحمد وغيره.

أيها المؤمنون إن دعاء الله تعالى وسؤاله والتضرع والشكوى إليه من أنفع الأدوية فالدعاء عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه ويخففه فلا يهمك مع الدعاء والتضرع أحد فعن ثوبان مرفوعاً: ((لا يرد القدر إلا الدعاء)) (8) رواه الترمذي.

فيا أيها المؤمنون ادعوا الله واسألوه واحرصوا على الأخذ بآداب الدعاء التي تزيد في أجره وتغلب إجابته فإن للدعاء آداباً واجبة ومستحبة لها أثر بالغ في تحصيل المطلوب والأمن من المرهوب.

فمن آداب الدعاء الواجبة أن يخلص العبد في دعائه لله تعالى فلا يدعو معه أحداً بل يدعوه وحده لا شريك له كما أمر الله بذلك: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) (9) فدعاء غير الله وسؤاله كدعاء الأموات مثلاً أو الأحياء شرك تحبط به الأعمال ويجنى به غضب الله الواحد القهار فاتقوا الله عباد الله ووحدوه بالسؤال والدعاء والطلب: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) (10).

أيها المؤمنون إن من آداب الدعاء دعاء الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا والثناء عليه وحمده كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (11) ثم بعد ذلك الصلاة على خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: كل دعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى فيه على النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن آداب الدعاء أيها المؤمنون الدعاء بالخير والبعد عن الإثم وقطيعة الرحم والاستعجال ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)) (12) وفيه أيضا ً((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي)) (13) ويقول: ((قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء))(14).

ومن آداب الدعاء أيها المؤمنون حسن الظن بالله - تعالى -فإن الله يجيب دعوة الداعي إذا دعاه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)) (15) رواه الترمذي. وقال عمر -رضي الله عنه-: ((أنا لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فمن ألهم الدعاء فإن الإجابة معه)).

عباد الله: إن من الأسباب المهمة التي يحصل بها إجابة الدعاء إطابة المأكل والمشرب والملبس فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)) (16) فاتقوا الله عباد الله وذروا كل كسب حرام فإن ما يفوتكم من خير الدنيا والآخرة بسبب الكسب الحرام أضعاف أضعاف ما تحصلونه من لذة زائلة أو فرحة كاذبة ويكفيك من هذا قوله -جل وعلا-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)(17).

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فيا أيها المؤمنون أكثروا من سؤال الله تعالى ودعائه في الشدة والرخاء والسراء والضراء فإن الدعاء عبادة جليلة يرفع الله بها الدرجات ويحط الخطيات وتحصل بها المأمولات والمطلوبات وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في وصيته لابن عباس: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة))(18).

فاجتهدوا يا من ترجون النوال وتؤملون جواب السؤال اجتهدوا في دعاء الله تعالى- تحروا أوقات الإجابة كساعة يوم الجمعة وجوف الليل الآخر وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات وغير ذلك من الأوقات الفاضلة ادعوا الله بقلوب حاضرة خاشعة منكسرة ذليلة ألحوا في الدعاء رغبة ورهبة توسلوا إليه -جل وعلا- بأسمائه وصفاته ارفعوا أيديكم حال دعائكم إلا في الأحوال التي لم يرد فيها رفع اليدين استقبلوا القبلة حال الدعاء احمدوا الله تعالى وأثنوا عليه بكل خير صلوا في دعائكم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحسنوا الظن بالله تعالى وأملوا منه الخير ثم اعلموا بارك الله فيكم أن دعاء توفرت فيه هذه الصفات لا يكاد يرد أبداً لاسيما إذا حرص العبد على الأدعية النبوية فإن فيها الخير كله اللهم أعنا على ذكرك وشكرك. إذ أقبل غلام عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما و ألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جانبي فسمعته يقول: إلهي أبلت الوجوه عندك الذنوب و مساوئ الأعمال وقد حبست عنا الغيث لتؤدب عبادك بذلك فأسألك يا حليماً ذا أناة ويا من لا يعرف عبده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة فلم يزل يقول: الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب.

-----------------------

(1) أخرجه: الترمذي (2969)، وأبو داود (1479)، وابن ماجه (17888) من طريق الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير، وتابع الأعمش منصور بن المعتمر عند أبي داود وأحمد.

(2) سورة: غافر: آية (14).  

(3) سورة: غافر: آية (60).  

(4) أخرجه: الترمذي (3373) وفيه أبو صالح عن أبي هريرة، قال ابن كثير: هو أبو صالح السمان ورد ذلك ابن حجر في الفتح وقال: هو أبو صالح الخوزي، وبذلك قال المزي، وأبو صالح الخوزي مختلف فيه وللحديث شواهد يتقوى بها إذ الضعف محتمل ولذا صححه الألباني.

(5) سورة: يونس: آية (107).

(6) البخاري (1145).

(7) أحمد (10749).

(8) الترمذي (2139): بلفظ ((لا يرد القضاء إلا الدعاء))

(9) سورة: الجن: آية: (18).

(10) سورة: الرعد: آية (14).

(11) سورة: الأعراف: آية (180). 

(12) مسلم (2735).

(13) متفق عليه: البخاري (6340)، ومسلم (2735).

(14) مسلم (2735).

(15) الترمذي (3479)، أحمد (6617).

(16) مسلم (1015).

(17) سورة: البقرة: آية (276).

(18) أحمد (2800).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة