القدس الجدار في خدمة التّهويد !
عدد القراءات : 1875

في الآونة الأخيرة حدث ما حاولت الدولة العبرية إخفاءه طوال الوقت حول الدواعي الحقيقية وراء قرارها بناء جدار الفصل العنصري في قلب الضفة الغربية ومحيط القدس، فقد اضطرت الحكومة الإسرائيلية على لسان النيابة العامة أن تقرّ في ردها على أحد الالتماسات التي قُدمت للمحكمة الإسرائيلية العليا أن "إسرائيل" لم تشرع ببناء الجدار لأسباب أمنية فقط، ليس هذا فحسب بل اعترفت حكومة شارون بأن جزءاً من هذه الأسباب كان تسهيل ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات، وبلدية الاحتلال في القدس، لكن إذا كان الجدار قد أدّى حتى الآن إلى مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية فإنه من الأهمية بمكان الإدراك أن "إسرائيل" لم تقم ببناء الجدار فقط لتسهيل ضم الأراضي الفلسطينية، بل لتحقيق أهداف أخرى أهمّها استكمال تهويد مدينة القدس.

من هنا لم يكن من المستغرب أن يصدر كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون ووزير حربه شاؤول موفاز مؤخراً تعليماتهما المشددة بتكثيف أعمال البناء في جدار الفصل العنصري تحديداً في محيط مدينة القدس المحتلة، فقرار الحكومة الإسرائيلية ببناء الجدار في القدس يهدف بشكل أساس إلى إضافة أهم حلقة من حلقات مسلسل تهويد المدينة قبل تنفيذ خطة " فك الارتباط " المتوقع تنفيذها في السابع عشر من آب القادم، المنطق الإسرائيلي يقول: إن العالم سيبدي تساهلاً مع الجدار، والنتائج الكارثية المترتبة عليه حتى تنفيذ "فك الارتباط"، وبعيد تنفيذ الخطة، لكنّ الإسرائيليين يتوقّعون أن يتغير المزاج الدولي إزاء ممارسات إسرائيل بعد فترة من استكمال تنفيذ "فك الارتباط"، وعليه فقد كانت تعليمات شارون وموفاز مشدّدة على تسريع وتيرة البناء في الجدار في محيط القدس.

 

دفعة لمشروع "القدس الكبرى":

في العام 1997 وعندما كان ارئيل شارون وزيراً للبنى التحتية في حكومة بنيامين نتنياهو قام بطرح مشروع "القدس الكبرى" على الحكومة الإسرائيلية في حينه عادّاً هذا المشروع من أهم منجزات المشروع الصهيوني في فلسطين، ويهدف المشروع إلى تحقيق هدفين أساسيين وهما: تهويد القدس، والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في أي تسوية سياسية مستقبلية.

في تسويقه لمشروعه في ذلك الوقت قال شارون: إن أهم متطلب لإنجاح تهويد القدس يكمن في جلب أكبر عدد من اليهود للإقامة في المدينة وضواحيها، شارون قال: إنه يتوجب العمل على جعل عدد اليهود في القدس ومحيطها يصل إلى مليون يهودي وذلك لحسم الصراع الديموغرافي في المدينة لصالح اليهود بشكل جارف، وأضاف شارون: من أجل استيعاب هذا العدد الكبير من اليهود فإن المستوطنات اليهودية التي قامت "إسرائيل" بضمها للقدس الشرقية غير كافية لاستيعاب الأعداد الضخمة من اليهود الذين يتوجب جلبهم للاستيطان في القدس، من هنا كان لا بد من ضم مزيد من أراضي الضفة الغربية لبلدية الاحتلال في القدس من أجل توفير احتياطي من الأراضي لتمكين الدولة العبرية من إقامة آلاف الوحدات السكنية لاستيعاب هؤلاء المستوطنين.

"إسرائيل" وإن كانت لم تعدم الوسائل لتبرير مصادرة الأراضي في محيط القدس من أجل إقامة أحياء استيطانية جديدة لليهود وإلحاقها بالقدس، إلا أن الشروع في بناء جدار الفصل العنصري شكّل فرصة إستراتيجيّة سانحة لضم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية لبلدية الاحتلال في القدس، وبشكل يمكن "تسويقه" لدى دول العالم، فبادّعائها أن إقامة الجدار في محيط القدس يهدف إلى منع المقاومين الفلسطينيين من التسلل للمدينة، وتنفيذ عمليات استشهادية فيها؛ قامت إسرائيل في الحقيقة بربط القدس بعدد من أكبر المستوطنات في الضفة الغربية بواسطة الجدار، ولاسيما مستوطنة "معاليه أدوميم" التي يقطنها أكبر عدد من المستوطنين، مشروع ربط "معاليه أدوميم" بالقدس بوساطة الجدار لا يهدف فقط إلى إضافة مستوطنيها إلى مجمل اليهود الذين يستوطنون القدس بما يزيد من ثقل اليهود الديموغرافي في المدينة، بل يهدف أيضاً إلى ضم جميع الأراضي الفلسطينية الواقعة بين تلك المستوطنة والقدس، وتلك الأراضي تخطط الدولة العبرية لاستغلالها في إقامة أحياء استيطانية جديدة، وما ينطبق على دور الجدار في ضم كبرى مستوطنات الضفة للقدس فإنه يؤدي نفس الغرض بالنسبة لضم التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون" الواقع بين القدس ومدينة بيت لحم، فالدولة العبرية تعكف على بناء جدار يلفّ هذا التجمع الاستيطاني من الجنوب، ويندفع شمالاً حتى يلتحق بالقدس، وهذا أيضاً يعني ضم عشرات الآلاف من اليهود الذين يستوطنون "غوش عتصيون" للثقل الديموغرافي اليهودي في القدس، في نفس الوقت فإن هذا الجدار يضمن ضم جميع الأراضي الفلسطينية الواقعة بين "غوش عتصيون" والقدس لبلدية الاحتلال في المدينة المحتلة، ليس هذا فحسب بل إن كلاً من شارون ومجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية قد اتفقا على استغلال فائض الأراضي الذي يوجده الجدار الذي يصل القدس بـ "غوش عتصيون" في إقامة مستوطنة جديدة يطلقون عليها "عير جانيم" أي (مدينة الحدائق)، ويخطط كل من شارون وقادة المستوطنين إلى جعل هذه المستوطنة أكبر مستوطنة في الضفة الغربية، وتحويلها إلى مدينة فور إنشائها.

يعتقد شارون أن الطفرة الاستيطانية التي سيضمنها إقامة الجدار في محيط القدس سيمكنه من تحقيق حلمه بزيادة عدد المستوطنين اليهود في القدس ومحيطها إلى مليون يهودي، ومن أجل إغراء اليهود للقدوم للاستيطان في القدس ومحيطها فإن الحكومة الإسرائيلية قررت تقديم تسهيلات كبيرة مثل: إقامة مناطق صناعية، ومرافق سياحية؛ لتوفير فرص عمل مجزية للمستوطنين، إلى جانب تقديم تسهيلات ضريبية كبيرة، ويقوم ممثلو الوكالة اليهودية بالتجوال في أرجاء العالم لحث اليهود على تفضيل الاستيطان في القدس عندما يهاجرون للدولة العبرية، لكن الجدار الذي يوفر عوامل الجذب لليهود هو ذاته الذي يمثل مصدراً أساسياً لتشريد الفلسطينيين من المدينة ومحيطها، فقد أدّت إقامة الجدار في قلب الأحياء الفلسطينية داخل القدس إلى تشتيت شمل آلاف الأسر الفلسطينية المقدسية، فأصبح الكثير من الآباء والأبناء يقطنون على طرفي الجدار، في نفس الوقت فقد أدّت إقامة الجدار في قلب الأحياء الفلسطينية إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في المدينة بشكل غير مسبوق؛ إذ أغلقت الكثير من المرافق الاقتصادية والمؤسسات أبوابها بسبب عدم مقدرة معظم الزبائن والمراجعين الفلسطينيين من الوصول إليها بسبب الواقع الذي أوجده الجدار العنصري، بالإضافة إلى كل ذلك فإن الجدار في محيط القدس سيقضي على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، فإذا كان من أهم متطلبات وجود الدولة هو ضمان التواصل الإقليمي بين أجزائها فإن الجدار الفاصل في القدس سيعني قسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين تماماً عن بعضهما البعض.

إن كان ثمة أحد يريد دليلاً على العلاقة بين خطة " فك الارتباط " وبين إقامة الجدار الفاصل في الضفة الغربية وفي القدس تحديداً فعليه أن يرجع للتصريحات التي أدلى بها (دوف فايسغلاس) كبير مستشاري شارون الذي قال: إن خطة فك الارتباط تأتي لتحقيق هدفين أساسيين: منع إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وإعطاء طفرة للمشروع التهويدي والاستيطاني في الضفة والقدس، وواضح تماماً أنه بدون إقامة جدار "النهب" العنصري لم يكن بوسع الدولة العبرية تحقيق هذين الهدفين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة