الخطبة الأولى:

أيها الناس، اتقوا الله، أيها المسلمون، هذا شهر رمضان قد قرب رحيله وأزف تحويله، وهو ذاهب عنكم بأفعالكم وقادم عليكم غداً بأعمالكم، فيا ليت شعري ماذا أودعتموه وبأي الأعمال ودعتموه؟ أتراه يرحل حامداً صنيعكم، أو ذاماً تضييعكم؟ ما كان أعظم بركات ساعاته، وما أحلى جميع طاعاته، كانت ليالي عتق ومباهاة، وأوقاته أوقات طاعة مناجاة، فها هو قد قرب رحيله عنكم، فمن كان منكم محسنا فيه فليحمد الله، وليهنأ بعظيم الثواب من العزيز الوهاب، ومن كان مسيئاً فيه فليتب إلى الله توبة نصوحاً، وليقبل على ما بقي منه، فيحسن الختام فإن الأعمال بالخواتيم.

عبد الله، يا من أحسنت الاستقامة في هذا الشهر دم على ذلك فيما بقي من عمرك، ولا تفسد هذا الخير بالمعاصي والآثام، فتكون (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) يا من أعتقه مولاه من النار، إياك أن تعود إلى المعاصي والأوزار.

يا من اعتاد حضور المساجد وعمارة بيوت الله بالطاعة وأداء صلاة الجماعة فيها، واصل هذه الخطوة المباركة، ولا تقلل صلتك بالله والمساج، فتشارك المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا تهجر المساجد؛ فيختم الله على قلبك، قال رسول الله: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ)) رواه مسلم.

يا من تعودت قراءة القرآن في هذا الشهر داوم على تلاوته ولا تقطع صلتك به؛ فإنه حبل الله المتين ومنهاجه القويم، وهو هدى ونور وشفاء لما في الصدور.

يا من اعتدت قيام الليل استمر في هذه المسيرة الطيبة، فاجعل لك حظاً مستمراً من قيام الليل لو كان قليلاً ترفع فيه حوائجك إلى ربك وتكون ممن قال الله فيهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [السجدة: 16].

يا من اعتدت الصيام في رمضان امضِ في هذه العادة الحميدة، فإن الصيام لا يزال مشروعا في العام كله، وهناك أيام من السنة حث النبي على صيامها، منها صيام ستة أيام من شوال، قال: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) رواه مسلم، ومنها أيضا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومنها صوم يوم عرفة ومنها صيام يوم عاشوراء ويوم قبله أو يوم بعده، وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي كان يتحرى صيام الإثنين والخميس، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ: ((ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)) مسلم.

يا من تعودت في هذا الشهر البذل والعطاء واصل مسيرتك الخيرة إن الله يجزي المتصدقين، وتحر في صدقتك الفقراء المعوزين والمساكين المتعففين.

وهكذا عباد الله، إن انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي حتى الموت، فنهج الهدى لا يتحدد بزمان، وعباد الرب وطاعته يجب إن لا تكون قاصرة على رمضان قال الحسن البصري -رحمه الله-: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجل دون الموت ثم قرأ: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99]، واليقين هو الموت كما قال مجاهد والحسن وقتادة، وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)) مسلم، وقال عيسى -عليه السلام- عن ربه -عز وجل-: (وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) [مريم: 31]. انتهى.

عباد الله، لقد شرع الله لكم في ختام هذا الشهر المبارك عبادات تزيدكم من الله قرباً، فشرع لكم زكاة الفطر، ودليل مشروعيتها عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) فهي فريضة فرضها رسول الله على المسلمين وهي زكاة البدن وطهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ).

ويجب أن يخرجها المسلم عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من زوجة وأولاد، ولا يجب إخراجها عن الحمل في البطن بل يستحب ذلك.

ووقت إخراجها يبدأ بغروب الشمس ليلة العيد ويستمر إلى صلاة العيد، ويجوز تعجيلها قبل ذلك بيوم أو يومين، وتأخير إخراجها إلى صباح العيد قبل الصلاة أفضل، وإن أخر إخراجها بعد الصلاة من غير عذر أثم ولزمه إخراجها قضاءً.

ومقدارها عن الشخص الواحد صاعاً من البر أو الشعير أو من التمر أو مما يعتاد أكله في البلد كالأرز والذرة، والعبرة بذلك أي مما يعتاد أكله. ولا يجوز دفع القيمة لمخالفته هدي النبي وعمل الصحابة.

ومما يشرع أيضا في ختام هذا الشهر، التكبير ليلة العيد إلى صلاة العيد.

وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر ولله الحمد.

ويسن جهر الرجال بها في المساجد والأسواق والبيوت إعلاناً لتعظيم الله وشكره.

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتقبل منا أجمعين ويتوب علينا أجمعين وأن يبلغنا رمضان سنوات كثيرة عديدة عامرة بطاعته سبحانه مزدهرة بعبادته.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة