الشرق الإسلامي بين المشاريع الرومانية والأطماع الفارسية
عدد القراءات : 613

الحمد لله رب العالمين؛ خلق الخلق بقدرته، وقضى فيهم برحمته وعدله، لا يقع شيء إلا بأمره، ولا يقضى شأن إلا بعلمه (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) أحمده على ما هدانا وأولانا، وأشكره على ما أعطانا وآوانا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لم يقدره الخلق حق قدره، ولا عبدوه حق عبادته ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ - سبحانه وتعالى - عَمَّا يُشْرِكُونَ)) وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدا عبد الله ورسوله؛ أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وأطيعوه؛ فإن العباد مهما بلغوا مفتقرون إلى ربهم، محتاجون إليه في كل لحظة وحين، وإذا اشتدت المحن، وعظم الكرب، فلا فرج ولا مخرج إلا بالله العليم القدير (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فذل فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 32، 31).

أيها الناس: لقد أنعم الله تعالى على البشر عامة بدين الإسلام الذي هو الرحمة والعدل، ثم كانت النعمة الخاصة لمن أسلم دينه لله تعالى، واتبع الحق من ربه، وجانب الباطل بأديانه المختلفة، ومذاهبه المتعددة، فانخلع من أدران الوثنية، ومن أوضار الأديان المحرفة، وسلم من ظلمات الإحداث والبدعة، فكان إسلامه نقيا صافيا كما شرعه الله - تعالى -وارتضاه، وأنزله على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتلك نعمة لا يدرك كثير من المسلمين عظمها وقدرها، فلا يشكرون المنعم علينا بها (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات: 17).

إن العرب في جاهليتهم لم يكونوا شيئا يذكر، ولا أمة تعرف فتهاب، ولم يحسب الآخرون لها أي حساب؛ لأنهم كانوا قبائل متفرقة، وعشائر متناحرة، يفني بعضهم بعضا في سبيل ناقة عقرت، أو خيل سبقت، أو كلمة قيلت، وكانت السيادة للفرس والروم.

لقد كانت القبائل العربية المتاخمة لبلاد الفرس أو لبلاد الروم تابعة لإحدى هاتين القوتين العظميين آنذاك؛ فملوكهم يعينون بقرارات من قصور الأكاسرة والقياصرة، وأبناؤهم يرمى بهم بين السيوف والرماح لصنع أمجاد ليست لهم، وإنما هي لملوك الفرس والروم، فاصطنع الفرس قبيلة لخم اليمانية ومنحوا رؤساءها لقب (الملوك) فكان منهم ملوك المناذرة، واصطنع الروم قبيلة تنوخ العدنانية ومنحوا رؤساءها أيضا لقب (الملوك) فكان منهم ملوك غسان، وكم أهريقت من دماء لأبناء هاتين القبيلتين وأحلافهما في سبيل عرشي كسرى وقيصر.

والحرب بين فارس والروم قديمة قدم دولتيهما، تكون الغلبة للفرس تارة، وتارة أخرى تكون الغلبة للرومان. والفرس أسبق في الدولة والقوة من الرومان، ولما سُبي اليهود بأيدي البابليين ونُقلوا إلى العراق أعادهم أمبراطور فارس قورش الإخميني إلى فلسطين قبل ميلاد المسيح -عليه السلام- بخمسة قرون وزيادة، وكان ذلك أول تقارب تاريخي بين الفرس واليهود، و قبل الميلاد بثلاثة قرون وزيادة قامت للرومان دولة وثنية قوية على يد الإسكندر المقدوني الذي يعده الأوربيون أعظم قائد روماني في التاريخ، فقضى على دولة الفرس، وضمها إلى مملكته، ولكن الفرس أعادوا دولتهم بعد قرن من الزمان، وقويت دولتهم بعد قرون خمسة في عهد الساسانيين، وظلت الحروب والثارات مشتعلة بين الفرس والروم قرونا تباعا، وكانت قبائل العرب من حطب حروبهم. 

وبعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- شن كسرى الفرس إبرويز حربا ضروسا على الروم استولى فيها على بلاد الشام ومصر، وسلب الرومان صليبهم الأكبر، ونقله من بيت المقدس إلى المدائن عاصمة الفرس، وهذه الحادثة هي التي ذكرت في القرآن (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

أي: غلبهم الفرس، وسيُغلب الفرس على أيدي الرومان بوعد من الله جل جلاله، ووقع ذلك؛ إذ تولى هرقل عرش القياصرة فشن حربا ضروسا على الفرس استرد بها الشام ومصر، وهاجم الفرس في بلادهم، وكسر قوتهم، واستولى على أموالهم، وفرض الجزية عليهم. ووضعت الحرب أوزارها بين الفرس والروم ليبدأ عهد جديد على أيدي المسلمين؛ إذ بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح بلاد الفرس وبلاد الروم فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله))[1].

وفي حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى)).

وبشر -عليه الصلاة والسلام- أول جيش مسلم يغزو الروم فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم))[2].

وأخبر عن الاستيلاء على قصر كسرى فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى))[3].

ولما وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والمشركين عقب صلح الحديبية كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ملوك العالم آنذاك يدعوهم إلى الإسلام ومنهم كسرى وقيصر، فأما كسرى فأخذته العزة بالإثم، واستكبر ذلك واستعظمه؛ لما قام في قلوب الفرس من احتقار العرب، والإزراء بهم، فمزق كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يمزق الله ملكه كل ممزق.

وأما قيصر الروم فقد مشى من حمص إلى القدس شكرا لله تعالى لما نصره على الفرس، فورد عليه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في بيت المقدس، ثم طلب أحدا من العرب يسألهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان المسئول أبا سفيان قبل أن يسلم، وجرت المحاورة المشهورة التي أعلن فيها هرقل صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال لأبي سفيان: (وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدميه) وكاد هرقل أن يسلم لولا خوفه على ملكه فخسر الإسلام وما بقي له الملك.

وبعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووفاة الصديق أبي بكر -رضي الله عنه-، وفي خلافة الفاروق عمر -رضي الله عنه- كسر المسلمون الروم في وقعة اليرموك وفتحوا الشام وبيت المقدس بقيادة خالد وأبي عبيدة -رضي الله عنهما-، وودع هرقل سورية وداعا لا لقاء بعده.

ثم كسر المسلمون الفرس في القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وتتبعهم سعد في مواقع كثيرة إلى أن فتح الله عليه المدائن عاصمة الفرس، وأخضعها للإسلام، ودخل سعد قصر كسرى الأبيض الذي بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتحه، وصلى سعد -رضي الله عنه- في إيوانه. ثم قضى المسلمون على تجمعات الفرس في نهاوند بقيادة النعمان بن مقرن المزني -رضي الله عنه- سنة إحدى وعشرين للهجرة.

وهكذا انتهت الدولتين العظميين آنذاك فارس والروم على أيدي أهل الإسلام، وأما شعوب هاتين الدولتين، فكثير منهم دخلوا في دين الله تعالى، وبقي كثير منهم تحت حكم المسلمين بعقد الذمة، ثم أسلم أكثرهم لما عرفوا الإسلام، ورأوا عدل المسلمين فيهم، ورحمتهم بهم، حتى كانوا أرحم بهم من ساستهم الذين حكموهم من قبل، وبعضهم هاجروا إلى بلاد لم يصلها الإسلام، وبعضهم أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وعمل هؤلاء المنافقون الباطنيون على زعزعة المسلمين من داخلهم ببث الفرقة بينهم، ونشر الأراجيف فيهم.

وذات يوم ظهر الحقد الفارسي المجوسي على عمر -رضي الله عنه- الذي فتحت فارس في خلافته؛ إذ طعنه غلام مجوسي كان يمسح على رؤوس الصبيان الفرس ويقول: أكلت العرب كبدي، أكل عمر كبدي، فغدر بالمسلمين وقد أمنوه، وقتل خليفتهم وهو يصلي بالناس ثم قتل نفسه.

وبعدها بسنوات قلائل أظهر ابن سبأ اليهودي المنافق نقمته على عثمان - رضي الله عنه -، وأتبعها بادعاء التشيع لآل البيت، حتى علا كعبه، وظهر أمره، وزاد أتباعه، فسار على رأس فتنة قتلوا فيها الخليفة عثمان -رضي الله عنه-، ومن ثم فرقوا الأمة، وقسموها إلى طوائف ومذاهب، واستحسن كثير من الفرس التمذهب بالمذاهب السبئية الباطنية التي تدعي التشيع لآل البيت؛ بغضا للعرب، ومخالفة لهم، لا محبة لآل البيت. وتبعهم في ضلالهم هذا كثير من دهماء العرب وجهالهم، وعادت العنصرية الفارسية لأهلها من جديد رغم أن الإسلام ألغى العنصريات والعصبيات الجاهلية، وكانت هذه المذاهب الباطنية قد استمدت أكثر عقائدها من عقائد اليهود ومبادئهم وكان هذا هو التقارب الثاني بين الفرس واليهود.

وبلغ من عصبية الباطنيين وحقدهم أنهم مالئوا أعداء الإسلام على المسلمين طوال تاريخهم؛ فالعبيديون الباطنيون في مصر والشام سلَّموا رقاب المسلمين للصليبيين في الحملة الصليبية الأولى، ولم ينج من سيوف الصليبيين إلا حاكم بيت المقدس من قبل بني عبيد وحاشيته وأهله؛ إذ خرجوا من القدس سالمين بأعين الصليبيين الذين قتلوا كافة المسلمين.

وإخوانهم القرامطة المجوس هم الذين قتلوا الحجاج في حرم الله تعالى يوم التروية، وردموا بجثثهم بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم، وخطب رأسهم أبو طاهر القرمطي المجوسي على باب الكعبة مدعيا الربوبية، مستهزئا بسورة الفيل، سائلا عن الطير الأبابيل، عليه من الله ما يستحق.

ونصير الدين الطوسي والمؤيد ابن العلقمي سهّلا للتتر غزو بغداد والقضاء على الخلافة العباسية في مؤامرة قذرة حفظها التاريخ للباطنيين، والصفويون المجوس استعانوا بأعدائهم الرومان ضد خلافة بني عثمان، وكانوا من أهم الأسباب التي حالت دون فتح العثمانيين لأوربة الغربية؛ إذ وقفت جيوش بني عثمان على أبواب فينا بسببهم، وللفرس المجوس وأتباعهم من الباطنيين العرب صولات وجولات وخيانات أيام الاستعمار الغربي لبلاد أهل الإسلام، ولا زال كيدهم ومكرهم بأهل الإسلام إلى يومنا هذا، وظهر لكل الناس في الحملة الاستعمارية الإنجيلية الجديدة دور الفرس في إسقاط العراق وبلاد الأفغان تحت أقدام الاحتلال، ومفاخرتهم بذلك وإعلانه على الملأ دون حياء ولا مواربة، ومن ثم عملوا من الجرائم البشعة بأهل الإسلام ما هاب المحتل الصائل أن يعمل مثله، فهذه حال الفرس المجوس مع المسلمين.

وأما الرومان فقد سيروا للمشرق المسلم خلال مئتي سنة ثماني حملات صليبية كبرى، وقضوا على الإسلام في الأندلس، وأبادوا المسلمين فيها، ونصَّروا من سلم من الإبادة والتهجير وعقب سقوط الخلافة العثمانية انتهبوا أمصار المسلمين، وقسموها بينهم فيما عُرف بالاستعمار والانتداب الأجنبي، وما خرجوا منها إلا وقد سيطروا عليها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ولا زال هذا دأبهم إلى يومنا هذا.

تلك كانت أبرز العناوين في علاقة المسلمين بالفرس وبالروم وأهم الملامح من تاريخ الصراع الروماني الفارسي الذي يوشك أن يندلع من جديد على أراضي المسلمين؛ ليكون حطبه بلاد أهل الإسلام وأبناءهم ومقدراتهم، كما كان العرب في جاهليتهم حطبا لحروب فارس والروم.

حفظ الله بلاد المسلمين من كل سو ومكروه، وأدار الدائرة على أعدائهم، إنه على كل شيء قدير

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- وأطيعوه، واشكروا نعمه ولا تكفروه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر: 65، 66).

أيها الناس: في كل أمة من الأمم، وفي كل جنس من أجناس البشر أبرار وفجار، وخيار وأشرار، وكما كان في العرب أبو جهل وأبو لهب كان في الفرس وفي الروم كفار ككفار العرب، وكما كان في العرب مؤمنون صالحون كان في الفرس والروم مؤمنون صالحون، يتقدمهم في الإيمان والهجرة والصلاح: سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، اللذان سبقا إلى الإسلام قبل عزِّ المسلمين، وقبل ذلة الروم وفارس، فرضي الله عن سلمان وعن صهيب.

بيد أن الدولة الفارسية المستقوية في هذا العصر قد قدمت عصبيتها لعرقها على إسلامها، ولا زالت تفاخر بفارسيتها على لغة القرآن، وتسعى جاهدة لإعادة الأمجاد الفارسية التي قضى عليها الإسلام، ويكفي فيهم أنهم يفاخرون بالمجوسي الذي قتل عمر - رضي الله عنه -، ويعدونه من شهدائهم وهو لم يدخل في الإسلام، ولم يسجد سجدة واحدة لله - تعالى -. ولا زالوا يزرون بالصحابة - رضي الله عنهم - ويكفرونهم ويلعنونهم، وأشد ما تكون نقمتهم على عمر وسعد بن أبي وقاص؛ لأن فتح فارس، وإطفاء النار التي كانوا يعبدها أجدادهم إنما كان في خلافة عمر، بقيادة سعد، رضي الله عن عمر وعن سعد وعن الصحابة أجمعين. وقد تواردت أخبار مذابح جماعية في العراق لكل من كان اسمه عمر ولو كان فاسقا أو زنديقا فضلا عن أن يكون مسلما صالحا.

وإذا كانت قبائل العرب في الجاهلية وقودا لحروب فارس والروم؛ فإن التاريخ يعيد نفسه في الأحداث المعاصرة؛ إذ أضحت بلاد العرب والمسلمين موقع تصارع وتنافس بين القوتين الفارسية الباطنية، والرومانية الإنجيلية الصهيونية.

وليعلم من اختاروا المذاهب الباطنية من أبناء العرب، وانضووا تحت لواء الأمة المجوسية، وكان ولاؤهم لها أعظم من ولائهم لدولهم، ليعلموا أن مذهب المجوس يقوم على العنصرية للعرق والجنس فلا مكان لهم فيه، ومهما قدموا للفرس فلن يحظوا عندهم بشيء؛ لأن أصولهم ليست فارسية، إنْ هم إلا أجراء وعمال ينفذون المخططات الفارسية فحسب ثم يُلفظون كما لُفظت قبائل العرب المنضوية في الجاهلية القديمة تحت اللواء الفارسي، بل إن في عقائد الفرس الجدد أنهم متى تمكنوا أبادوا غير جنسهم ممن هم يدينون بدينهم، ويتمذهبون بمذهبهم الباطني، فاتباع المذهب لا يلغي العصبية، ولا سيما إن كان العرق عربيا، والعرق عندهم فوق الدين.

وليعلم من اختاروا الترويج والتمكين للمشاريع الإنجيلية الصهيونية في بلاد المسلمين تحت ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير أو الجديد، أنهم مجرد عمال وخدم يجري استخدامهم وانتعالهم ثم استبدالهم، وليسوا أكثر من غساسنة جدد عند رومان جدد، ولا يزال الرومان يحتقرونهم أبد الدهر.

وما أضحت بلاد أهل الإسلام ومقدراتهم ألعوبة في أيدي الأعداء، وميدانا لتنافس جديد بين الفرس والرومان في هذا العصر إلا بسبب الذنوب والمعاصي التي أورثت المسلمين ذلا وصغارا وتفرقا حتى هانوا على أعدائهم..عصوا الله تعالى فذلوا وهانوا، وتفرقوا واختلفوا فضعفوا واستكانوا، ولا يزالون متربصين ينتظرون ما تسفر عنه هذه الحروب المشتعلة التي تطحن بلادهم، وتستنزف أموالهم، وتخرب عمرانهم، وثمراتها لغيرهم، وعلقمها عليهم، ولا حول لهم ولا قوة إلا الانتظار والتربص فهم غير قادرين لا على الفعل، ولا على رد الفعل، ولا على إيقاف الحرب، نعوذ بالله من الذل والهوان، ولا مخرج من ذلك إلا بالتوبة من الذنوب، واللجوء إلى الله - تعالى -، وإزالة أسباب الفرقة والاختلاف، وكل ما يجري نحن مسئولون عنه أمام الله - تعالى - ثم أمام التاريخ بذنوبنا وبما كسبت أيدينا، فتوبوا إلى الله أيها المسلمون لعلكم تحفظون وتنصرون (عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: 84).

وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم.

--------------------

[1] متفق عليه.

[2] رواه البخاري.

[3] رواه مسلم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة