الاعتداء على المسجد الأقصى
عدد القراءات : 590

الخطبة الأولى:

الحمد لله العلي الأعلى؛ أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وقضى بأن يكون موطن أكثر الأنبياء، نحمده على فضله وإنعامه، ونشكره على توفيقه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لا راد لأمره ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ختم الله - تعالى -به النبوة والرسالة، وأوجب على البشر تصديقه واتباعه، وقضى بأن يكون دينه ظاهرا إلى قيام الساعة، بطائفة مؤمنة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ أقاموا الدين، ونصروا الشريعة، وصانوا المقدسات، وعظموا الحرمات، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فلقد كثرت ذنوبنا، وعظمت آثامنا؛ فكانت سبب ذلنا، وتسلط الأعداء علينا، واعتدائهم على مقدساتنا، وأذيتهم لإخواننا، فتوبوا إلى الله تعالى من ذنوبكم؛ كشفا لغمتكم، ونصرا لأمتكم، ورفعا لذلكم، وجلبا لنصر ربكم يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

أيها الناس: الحيدة عن منهج الله تعالى سبب للتخبط والضياع، وتعطيل شريعته عنوان الفشل والنزاع. والعرب أمة ما اجتمعت إلا في الإسلام، ولا يفرقها إلا تركه، ولا حلول لمشكلاتها إلا بشريعته. ولقد كان كافيا للأمة ما تجرعته خلال العقود الماضية من تجارب مخزية مرة، واستجلاب حلول مستوردة ما زادت المسلمين إلا ضعفا وذلا وتفرقا.

وقضية المسجد الأقصى هي القضية الفاضحة التي فضحت عجز المسلمين في هذا العصر عن حلها، وأبانت عن ذلهم وهوانهم على أعدائهم؛ إذ ظلوا نصف قرن وزيادة ألعوبة بين الدول الكبرى، والمنظمات الأممية، يتقاذفون قضيتهم كما يتقاذف الصبيان كرتهم!! وفي هذه الأيام يضج العالم الإسلامي، وتحذر دوله ومنظماته من مساس اليهود بالمسجد الأقصى وقد بدأت جرافاتهم تعمل عملها في محيطه؛ إذ يشهد جسر باب المغاربة القريب من حائط البراق بالمسجد الأقصى المبارك عمليات هدم وتغيير، ويذكر أن الهدف الحقيقي من هذه العملية اليهودية هو بناء كنيس داخل الحائط الغربي للمسجد، بما يعني تحويل مسجد البراق إلى كنيس للمصليات اليهوديات. وليس هذا هو الاعتداء الأول على المسجد الأقصى؛ إذ سبقه اعتداءات كثيرة منذ الاحتلال هدفها النهائي: هدم مسجد المسلمين الذي أسس على التوحيد، وصلى فيه كل الأنبياء -عليهم السلام-، وتحويله إلى هيكل يهودي يبنى على الشعائر الشركية، والنبوءات الخرافية.

والدولة اليهودية الصهيونية ما زرعت في فلسطين إلا لأجل هذا الهدف الذي يلتقي عليه صهاينة اليهود مع صهاينة النصارى، وأذيبت في سبيله الخلافات التاريخية، والنزاعات الدينية بين الأمتين الضالتين: اليهود والنصارى.

إن الأرض المباركة في الشام التي بوركت بالمسجد الأقصى لها تاريخ طويل من النزاع حول هذه البقعة، تقاتلت لأجله جيوش، وفنيت في سبيله أمم، وتنازع عليه أمة الحق وأمم الباطل منذ فتحه إلى يومنا هذا، والملاحم الكبرى في آخر الزمان ستكون في الأرض المباركة وفي أكناف بيت المقدس.

لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج، وإمامة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء -عليهم السلام- في المسجد الأقصى إعلانا بأحقية المسلمين بهذه الأرض المباركة؛ لأن دينهم هو دين الأنبياء -عليهم السلام-، والأرض المباركة هي أرض الأنبياء، فكان أتباع الأنبياء -عليهم السلام- أحق بها من أعداء الأنبياء -عليهم السلام-، وأعداء الأنبياء هم اليهود والنصارى، وكل من لم يؤمن برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ذلك أن كل الأنبياء -عليهم السلام- قد أقروا له بالرسالة، وصلوا خلفه، وأُخذ عليهم الميثاق لو بعث وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرونه وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين، فمن تولى بعد ذالك فأولئك هم الفاسقون.

فوصف الله تعالى من تولى عن الإيمان برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- بالفسق، فهل يستحق أهل الفسق أن يبقوا في البلاد التي باركها الله تعالى؟!

ولأجل ذلك سعى المسلمون في السنوات الأولى من الخلافة لفتح بيت المقدس وتطهيره من رجس عبدة الصليب وشركهم، وسُيرت الجيوش للشام في عهد عمر -رضي الله عنه-، حتى سقطت في أيدي المسلمين، فسافر الخليفة من المدينة لاستلام مفاتيح الأرض المقدسة، ولم يُنِبْ عنه أحدا في هذه المهمة الجليلة؛ مما يدل على ميزة هذا الفتح عن غيره من الفتوح الإسلامية الكثيرة.

لقد فتحت في عهد عمر -رضي الله عنه- سوريا وهي عاصمة هرقل عظيم الروم، وأكبر دولة في الأرض آنذاك، وما سار الخليفة إليها لاستلامها رغم أهميتها آنذاك، وفتحت المدائن عاصمة الفرس، التي شُهرت بالحضارة والعمران، وامتلأت بالأموال والخيرات، وما سار الخليفة إليها بل نقلت نفائسها وكنوزها إليه في المدينة، وفتحت بلاد كثيرة ما خرج إليها الخليفة، ولكنه خرج إلى الأرض المقدسة، وصلى فيها، وعاد بعد أن استلمها وأدخلها في حظيرة الإسلام.

ولما انتزع الصليبيون بيت المقدس في القرن الخامس ما هنئ المسلمون بعيش حتى أعادوها على يد صلاح الدين -رحمه الله تعالى- بعد ما يقارب تسعين سنة من احتلالها.

وظلت الأرض المقدسة مستقرا لكثير من العلماء التي جاوروا في أرضها، وموئلا للمسلمين يشدون رحالهم إليها لزيارة مسجدها، وإذ ذاك كانت أعين أهل الكتاب ترمقها، يريدون الانقضاض عليها، وسلبها والاستيطان فيها فسيروا الحملات الصليبية تلو الحملات لاحتلالها ولكنهم فشلوا.

وفي القرن الماضي بلغ ضعف المسلمين وتفرقهم مداه، في الوقت الذي تشكلت فيه المؤسسة الصهيونية الحديثة، وأخذت تطالب بعودة اليهود إلى الأرض المقدسة لإحياء النبوءات التوراتية المحرفة، وتآزرت في سبيل تحقيق هذا الهدف الخبيث الصهيونية النصرانية مع الصهيونية اليهودية، ورفع الخلاف الديني التاريخي بين اليهود النصارى إلى أجل غير مسمى لمواجهة المسلمين، وانتزاع الأرض المقدسة منهم، وتم لهم ذلك؛ إذ دخلت جحافل المستعمرين من صهاينة النصارى بلاد الشام، وأخضعت الأرض المقدسة لانتدابها، وأبى قائدهم إلا أن يُفصح عن الهدف الديني الصهيوني لهذا الاستعمار حين قال (الآن انتهت الحروب الصليبية). ووقف جنرال آخر على قبر صلاح الدين -رحمه الله تعالى-، وضرب الضريح بسيفه قائلاً: (أنا من أحفاد الصليبيين، فأين أحفادك يا صلاح الدين؟!).

ودخلت الأمة النجسة الأرض الطاهرة المقدسة، والمسجد الأقصى لا يزال تحت حكم المسلمين، وأشعلت الحروب تلو الحروب على هذا المسجد المبارك حتى كانت النكسة التي هزمت فيها جيوش العرب فدخل المسجد الأقصى تحت حكم الصهاينة وسيطرتهم لأول مرة في تاريخ المسلمين، وفرح اليهود بذلك أشد الفرح، وهتفوا بثارات خيبر، ونادوا باستعادة يثرب، وأنشدوا نشيدا مزق أكباد أصحاب الغيرة والنخوة من المسلمين؛ إذ كانوا يرتجزون قائلين: (محمد مات وخلف بنات) يرددونها بالعربية والعبرية.

ولكن بقي المسلمون المقادسة محافظين على المسجد الأقصى رغم خضوعه لحكم اليهود وسلطانهم، يفدونه بأرواحهم، ويتناوبون على حراسته وحمايته، ويرممون ما تلف من أجزائه، ولا تزال أعين الصهاينة من اليهود والنصارى على هدم المسجد المبارك، وبناء هيكلهم مكانه، ولكنهم يجسون نبض المسلمين في ذلك، ويحاولون إماتة شعورهم تجاه المسجد المبارك، بأعمال الحفر والهدم لحريمه وشوارعه وجسوره، وتسليط متعصبتهم على الاعتداء بالحرق والهدم والتفجير لبعض أجزائه؛ رجاء أن يسقط من جراء ذلك.

وفي ما يسمى بالنكبة قبل أربع وخمسين سنة، وإبَّان إعلان اليهود عن قيام دولتهم في الأرض المباركة، وجعل القدس عاصمة لها؛ حاول الأنجاس هدم المسجد الأقصى فألقت عليه قواتهم خمسا وخمسين قنبلة ولكن الله تعالى سلم.

وفي ما يسمى بالنكسة قبل ما يقارب أربعين سنة قصف اليهود المسجد المبارك بمدافع الهاون ولكن الله تعالى حفظه.

وعقب ذلك بسنتين أقدم السائح اليهودي مايكل دينيس على إحراق منبر صلاح الدين وأجزاء كبيرة من المسجد، وتباطأ المحتلون في إخماد النيران، وأعاقوا جهود المقادسة المسلمين الذين هبوا لإخمادها فتضرر المسجد بذلك.

أما مخططات نسف المسجد الأقصى فهي أكثر من أن تحصر، والمنظمات الصهيونية التي أنشئت لهدم المسجد وبناء الهيكل تزيد على عشرين منظمة، والمحاولات الفردية والجماعية العدوانية على المسجد باحتلاله أو حرقه أو تفجيره أو إرهاب المصلين فيه تعد بمئات المحاولات، وما عمليات الهدم في حريم المسجد وشوارعه إلا واحدة من تلك المحاولات الكثيرة، التي لم يملَّ اليهود من تكرارها، وهم مصرون على النجاح في واحدة منها.

وقصة هدم المسجد الأقصى المبارك في العقلية اليهودية ترتبط في هذا العصر بثالوث خطير يقنعهم يوما بعد يوم بالاقتراب كثيرا من مخططهم الإجرامي لتحقيق النبوءات التوراتية، وأول أركان هذا الثالوث يتمثل في تسلط قوى الاستكبار العالمي على المسلمين وبلدانهم، ودعمها المطلق للمشاريع الصهيونية، مع عجز الدول الإسلامية عن إيقاف ذلك، وإشغالها بنفسها عن مقدسات المسلمين ومساجدهم.

وثاني أركان هذا الثالوث يتمثل في انتشار المدارس والمعاهد الدينية اليهودية التي تنفخ نار الأحقاد في قلوب الشبيبة اليهود على المسلمين وقدسهم، وتقوي عزائمهم على بناء الهيكل مكان المسجد، وأنه لا قيمة لدولتهم بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل، وتوجد معاهد ومدارس صهيونية تخرج الآلاف مختصة بالهيكل، وتتسمى به.

وثالث أركان الثالوث يتمثل في النبوءات التوراتية التي أحياها البرتستانت في العصر الحديث، وأزالوا بسببها العداء بين الأمتين اليهودية والنصرانية. ولإيمانهم المطلق بتلك الخرافات، وسعيهم الحثيث لتحقيقها وطنوا اليهود في الأرض المباركة؛ليكونوا وسيلة لنزول المخلص، ومن ثم إبادة المسلمين عن بكرة أبيهم في هرمجدون حسب معتقداتهم.

لقد تحول اعتقاد اليهود في الهيكل من مجرد حلم يرون ضرورته لحكم الأرض كلها إلى عقيدة يعتقدون بموجبها أن كل بلاء يحيط باليهود في فلسطين وخارجها إنما كان بسبب تباطئهم في هدم المسجد وبناء الهيكل، وأنهم إن فعلوا ذلك زال عنهم ذلك البلاء من تفجير الفلسطينيين لهم، ومن إخلاء مستوطناتهم، وغير ذلك. وفي هذا المعنى يرى الحاخام مردخاي الياهو: أن بقاء جبل الهيكل تحت السيطرة الإسلامية يضعف وبشكل مستمر إمكانية (إسرائيل) في التعاطي والتعامل مع مشكلاتها والضغوط النازلة عليها، سواء كانت هذه المشاكل أو الضغوط محلية أو خارجية.

وهذا التحول في القناعات عند أئمة اليهود يشكل أكبر خطر على المسجد الأقصى في تاريخه كله؛ إذ ما عادت المسألة متعلقة بنبوءات مستقبلية ينتظرونها، ويسعون خطوة خطوة لتحقيقها. بل أضحى هدم المسجد وبناء الهيكل سببا للقضاء على مشاكلهم، وبطؤهم في ذلك هو ما يسبب كل المشكلات لهم، ويسعى أئمتهم لإقناع عوامهم بعقيدتهم تلك.

حمى الله تعالى المسجد الأقصى والأرض المباركة، وسائر مساجد المسلمين ومقدساتهم من كيدهم ومكرهم، وردهم على أعقابهم خاسرين خائبين، إنه سميع قريب.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، نحمده ونشكره، ونستعين به ولا نكفره، ونخلع من يفجره، هو ربنا ومعبودنا عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واحذروا المعاصي فإنها سبب كل شر وبلاء وعذاب، وما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة؛ فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

أيها المسلمون: يطيب لكثير من الكتاب والمفكرين توصيف الصراع بين المسلمين وأعدائهم على أنه صراع أرض ومصالح دنيوية فحسب، ويتشنجون حين ينبري بعض المسلمين لبيان الخلفيات الدينية والتاريخية لهذا الصراع الطويل. إن كثيرا من هؤلاء الكتاب والمفكرين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريا، ويحللون الأحداث تحليلا ماديا بحتا، بل حتى التاريخ أسقطوا عليه تحليلاتهم المادية فأفسدوه وزوروه، ويظنون أن المفكرين والسياسيين من اليهود والنصارى قد نبذوا دينهم مثلهم، وأن معتقداتهم لا تُسَيِّرُ كثيرا من سياساتهم، ولا تُبنى عليها استراتيجياتهم، ونظرتهم القاصرة هي التي أوردت الأمة المهالك، وأوصلتها لهذا الذل العظيم، وضيعت أكثر قضاياها، فلا حفظوا للمسلمين دنياهم كما يعدون، ولا أبقوا لهم دينهم ومقدساتهم.

وكثيرا ما سمعناهم، وقرانا لهم يصيحون بالمسلمين زاعمين أن زعماء اليهود والنصارى علمانيون مثلهم، وأن النبوءات الدينية لا تمثل أي شيء عندهم، ولا ترسم سياساتهم.

ولتعلموا -أيها الإخوة- أن اليهود ما غُرسوا في فلسطين إلا لأهداف دينية توراتية اجتمع على الاعتقاد بها صهاينة النصارى الإنجيليون مع صهاينة اليهود التوراتيين، وإلا فإن المشكلة اليهودية لما تفاقمت في أوربا إبَّان الثورتين الصناعية والتجارية، وطالب كبار اليهود بدولة لهم اقْتُرِحَت عدةُ دول لم تكن فلسطين ضمنها، فاقْتُرِحَت موزمبيق ثم الكونغو، كما اقترحت الأرجنتين وقبرص وسيناء ثم أوغندا، ولكنَّ هذه الدول رُفِضت كموطن لليهود؛ لأن العقائد الأصولية البروتستانتية مع العقائد اليهودية التوراتية لا تلتقي فيها، فاختيرت فلسطين لأنها مجمع عقائدهم، ومنتهى آمالهم.

والعجيب -أيها الإخوة- أن هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية المعاصرة الذي يجمع العلمانيون العرب على أنه علماني صرف، ولا يؤمن بالخرافات التوراتية ما دفعه لتأسيس حركته تلك إلا رؤيا دينية رآها في منامه، وقد سجل ذلك في يومياته، فهل هم أعلم به من نفسه، أم أنهم يخدرون المسلمين ويخدعونهم بإبعاد الدين عن ميدان المعركة.

يقول هرتزل في مذكراته عن رؤيا رآها: (ظهر لي المسيح على صورة رجل مسن في مظهر العظمة والوقار، فطوقني بذراعيه، وحملني بعيداً على أجنحة الريح... والتقينا على إحدى تلك الغيوم القزحية بصورة موسى، فالتفتَ المسيح إلى موسى مخاطباً إياه: من أجل هذا الصبي كنت أصلي، إلا أنه قال لي: اذهب وأعلن لليهود بأنني سوف آتي عما قريب لأجترح المعجزات الكبيرة، وأسدي الأعمال العظيمة لشعبي وللعالم).

ومن المعلوم أن عقيدة (المسيح المنتظر) محور يدور حوله المسلسل التاريخي اليهودي القديم والمعاصر، وهي عقيدة لا يستطيع أحد أن يدعي بأنها فكرة علمانية! وفي الصفحة الأولى من يومياته نجد هرتزل يتحدث عن (الأرض الموعودة) التي اتخذها عنواناً لرواية عقد العزم على كتابتها، وهي التي قرر بعد ذلك أن يترجمها إلى برنامج عملي. تمثل هذا البرنامج في قيام دولة اليهود في الأرض الإسلامية المباركة.

ثم توسعت هذه الدولة حتى ابتلعت القدس، ورزح المسجد الأقصى تحت حكمها، ولا يزال الصهاينة طامعين في توسيعها لتشمل كل الدول التي بين النيل والفرات، ولن يتحقق ذلك لهم إلا ببناء الهيكل على أنقاض المسجد المبارك.

وإن وقع ذلك لا قدر الله فإنه عار وأي عار على المسلمين أن يعجزوا عن الدفاع عن مقدساتهم، ولو نجح الصهاينة فلن يوقفهم عن باقي أطماعهم أي شيء؛ فواجب على المسلمين إنْ أرادوا حفظ دينهم ودنياهم، وصيانة مقدساتهم وبلدانهم أن يسعوا بكل الطرق والوسائل لإفشال مخططات أهل الكتاب فيما يتعلق بالأرض المباركة؛ فهي للمسلمين أجمعين، وليست لأهل فلسطين وحدهم، وليعلموا أنهم إن تخلوا عن إخوانهم اليوم فستقف غدا جحافل المستعمرين على أطراف بلدانهم، ولن ينفعهم أن يقولوا حينذاك: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

ألا فاتقوا الله ربكم، وتوبوا من ذنوبكم، وانصروا إخوانكم، وحافظوا على مقدساتكم، واعلموا ما يحيك لكم أعداؤكم، وأكثروا من الدعاء والتضرع بين يدي الله - تعالى - بأن يرد باس الذين كفروا، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.

وصلوا وسلموا على نبيكم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة