الحلقة الثالثة : الإيمان بوجود الله
عدد القراءات : 1403

الحلقة الثالثة

وجوده - سبحانه - أحق الحق: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) [الحج: 62]، والشك في وجوده بهت ونكر: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [إبراهيم: 10]، وجحد وجوده كبر وكفر: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً) [الإسراء: 102]، وقال - تعالى -: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [الشعراء: 32-28]

وقد دل على وجوده - سبحانه - أمور، منها:

1- الفطرة السليمة: قال - تعالى -: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) رواه البخاري. فكل مخلوق باقٍ على فطرته الأصلية يجد في نفسه الإيمان بوجود الله، إلا أن يطرأ على تلك الفطرة ما يفسدها. قال - تعالى -، في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم) رواه مسلم.

2- العقل الصريح: قال - تعالى -: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) الطور: 35. فالعقل السليم من الشبهات والشهوات يقطع بأن المخلوقات لا بد لها من خالق؛ لأنها لا يمكن أن توجد صدفة، ولا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، فالعدم لا ينشئ وجوداً! فلا بد من خالق موجود، وهو الله - سبحانه -. وقد استدل بصراحة العقل، خطيب العرب في الجاهلية، قس بن ساعدة الإيادي، فقال: (البعرة تدل على البعير. والأثر يدل على المسير. فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على الصانع الخبير)

3- الحس المشهود: قال - تعالى -عن نبيه نوح، - عليه السلام -: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ. فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) [القمر: 10-14]، وقال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)[الشعراء: 63-67]. وقال - تعالى -عن نبيه عيسى، - عليه السلام -: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[آل عمران: 49]. وقال على سبيل العموم: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)[النمل: 62]. فآيات المرسلين، وإجابة الداعين، وغوث المكروبين، أدلة محسوسة، أدركها فئام من الناس، تشهد بوجود مرسلهم، ومجيبهم، ومغيثهم، - سبحانه -، شهادة يقين.

4- الشرع الصحيح: قال - تعالى -: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء: 82]، وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً)[النساء: 174]، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[يونس: 57]. فما تضمنه القرآن العظيم من الأخبار الغيبية المتحققة، العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، دليل على أن ذلك من عند الله، ولا يمكن أن يكون من عند غيره من المخلوقين.

ولهذا لم ينكر وجود الله، حقيقة، أحد من بني آدم. وإنما تظاهر بذلك أصناف من الملاحدة، قديماً، وحديثاً، مثل:

1- الدهريون: القائلون: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [الجاثية: 24]، فيزعمون أن العالم يسير بنفسه، وأنه لم يزل، ولا يزال! ويقولون: بطون تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر! فعطلوا المخلوقات عن خالقها. وقد رد الله عليهم بقوله: (وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) لا من عقل، ولا نقل، ولا حس، ولا فطرة، بل محض تخرص، وتوهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).

2- الطبائعيون: القائلون إن العالم وجد بفعل (الطبيعة)، أي أن ذوات الأشياء؛ من نبات، أو حيوان، أو جماد، وخصائصها، أوجدت نفسها، وحركاتها! والرد عليهم بدهي: وهو أنه يمتنع أن يكون الشيء خالقاً، ومخلوقاً، في آن واحد! قال - تعالى -: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: 35] والطبيعة التي يسندون إليها الإيجاد، جملة جمادات؛ صماء، عمياء، بكماء، لا مشاعر لها وأحاسيس، فكيف تنشئ مخلوقاتٍ حية؛ تسمع، وتبصر، وتنطق، تحس، وتشعر بالألم والأمل ؟! ففاقد الشيء لا يعطيه.

3- الصدفيون: القائلون بأن الكائنات نشأت عن طريق المصادفة المحضة، بمعنى أن تجمع الذرات، والجزيئات، أدى عن طريق الصدفة إلى ظهور الحياة، وتكون المخلوقات المتنوعة ن بلا تدبير ولا إحكام مسبق! ومجرد تصور هذه الدعوى يكفي لإسقاطها وتهافتها. فإن دقة الخلق، ونظامه البديع، واستمراره على سنن مطردة، وتوازن محكم، يمنع دعوى الصدفة. قال - تعالى -: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء) [النمل: 88]، وقال: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق: 12]

4- الشيوعيون: القائلون (لا إله، والحياة مادة).

5- أفراد شواذ، على مر التاريخ، كفرعون، الذي قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: 23]، والنمروذ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258]

وكل هؤلاء، مناقضون لأنفسهم، متنكرون لفطرهم، كما شهد الله بذلك عليهم، بقوله:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[النمل: 14].ولهذا لم تقم لهم قائمة، ولم تبق لهم باقية.

-----------------------------------------

* قسم العقيدة - كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم

12/2/1428

http://www.al-aqidah.com المصدر:

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة