بين يديك أيها القارئ الكريم- أحكام مختصرة لما في شهري شوال وذي القعدة، وقد جمعت واختصرت من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للعلامة/ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الدمشقي [المتوفى:795هـ] (تحقيق يا سين محمد السواس -دار ابن كثير-).

المسألة الأولى: حكم صيام الست من شوال

المسألة الثانية: صفة صيام الست

المسألة الثالثة: فضل صيام الست من شوال

المسألة الرابعة: فوائد صيام الست

المسألة الخامسة: هل يبدأ من عليه قضاء من رمضان بصيام الست أو بالقضاء

المسألة السادسة: الاعتمار في شهر ذي القعدة

المسألة الأولى: حكم صيام الست من شوال:

خرج مسلم(1) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (( من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر))، وقد اختلف في هذا الحديث، ثم في العمل به؛ فمنهم من صححه، ومنهم من قال هو موقوف؛ قاله ابن عيينة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده.وأما العمل به، فاستحب صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء. روي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وطاووس، والشعبي، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ وأنكر ذلك آخرون.

روي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة، قال: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها. ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها وأنه لا يكتفى بصيام رمضان عنها في الوجوب. وظاهر كلامه يدل على هذا. وكرهها الثوري. وأبو حنيفة، وأبو سيف، وعلل أصحابهما ذلك بمشابهة أهل الكتاب، يعنون في الزيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليس منه. وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به، وعللوا بأن الفضل قد حصل بفطر يوم العيد، حكى ذلك صاحب "الكافي" منهم. وكان ابن مهدي يكرهها ولا ينهى عنها. وكرهها أيضاً مالك، وذكر في "الموطأ" أنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة لو رأوا أحداً من أهل العلم يفعل ذلك. وقد قيل: إنه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها؛ لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه.

المسألة الثانية: صفة صيام الست:

وأما الذين استحبوا صيامها، فاختلفوا في صفة صيامها، على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة، وهو قول الشافي وابن المبارك. وقد روي في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: (( من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة، فكأنما صام السنة)). خرجه الطبراني(2) وغيره من طرق ضعيفة. وروي موقوفاً، وروي عن ابن عباس من قوله بمعناه، بإسناد ضعيف أيضاً.

والثاني: أنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله، وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.

والثالث: أنه لا يصام عقيب يوم الفطر؛ فإنها أيام أكل وشرب، ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها. وهذا قول معمر وعبد الرزاق. ويروى عن عطاءٍ، حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه، ثم يصله بصيام تطوع، وأمر بالفصل بينهما، وهو قول شاذ. وأكثر العلماء على أنه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر، وقد دل عليه حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لرجل: (( إذا أفطرت فصم)). وقد ذكرناه في صيام آخر شعبان.

وقد روي عن أم سلمة أنها كانت تقول لأهلها: من كان عليه رمضان فليصمه الغد من يوم الفطر، فمن صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان. وفي إسناده ضعف. وعن الشعبي، قال: لأن أصوم يوماً بعد رمضان أحب إليَّ من أن أصوم الدهر كله.

المسألة الثالثة: فضل صيام الست من شوال:

وإنما كان صيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسراً من حديث ثوبان - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (( صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة))، يعني رمضان وستة أيام بعده. خرجه الإمام أحمد(3) والنسائي وهذا لفظه، وابن حبان في صحيحه، وصححه أبو حاتم الرازي. وقال الإمام أحمد ليس في أحاديث الباب في (ط) (حديث الرازي) وهو تحريف أصحف فيه وتوقف فيه في رواية أخرى. ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين أو تسعاً وعشرين.

المسألة الرابعة: فوائد صيام الست:

وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:

منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله، كما سبق.

ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقصٍ. فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ متعددة.

وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول الرجل: صمت رمضان كله، أو قمته كله. قال الصحابي: فلا أدري، أكره التزكية أم لابد من غفلة.

وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم. يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإن الصيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات، كما يقوم مقامه في كفارات الأيمان وغيرها من الكفارات، مثل كفارة القتل، والوطء في رمضان، والظهار.

ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله - تعالى - إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنةً ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة، ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، كما سبق ذكره؛ وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز. فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى تتورم قدماه، فيقال له: (( أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)) (4)؟.

وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)، فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً عقيب ذلك، كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال، كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإعانة عليه.

ومنها: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً.

قيل لبشر: إن قوماً يتعبدون ويجتهدون في رمضان. فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها. وسئل الشبلي: أيما أفضل، رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربانياً ولا تكن شعبانياً.

المسألة الخامسة: هل يبدأ من عليه قضاء من رمضان بصيام الست أو بالقضاء:

عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر، فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من التطوع بصيام ست من شوال، فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض؛ هل يجوز أن يتطوع قبله أم لا؟ وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه بستٍ من شوال. فمن كان عليه قضاء من رمضان، ثم بدأ بصيام ست من شوال تطوعاً، لم يحصل له ثواب من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذرٍ بصيام ستة أيام من شوال أجر صيام السنة بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسناً؛ لأنه يصير حينئذٍ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال. ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان؛ لأن صيام الست من شوال إنما يكون بعد إكمال عدة رمضان.

المسألة السادسة: الاعتمار في شهر ذي القعدة:

من خصائص ذي القعدة: أن عُمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها كانت في ذي القعدة، سوى عمرته التي قرنها بحجته، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بها أيضاً في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجة مع حجته. وكانت عمره - صلى الله عليه وسلم - أربعاً: عمرة الحديبية ولم يتمها، بل تحلل منها ورجع. وعمرة القضاء من قابل، وعمرة الجعرانة، عام الفتح، لما قسم غنائم حنين؛ وقيل: إنها كانت في آخر شوال، والمشهور أنها كانت في ذي القعدة، وعليه الجمهور. وعمرته في حجة الوداع، كما دلت عليه النصوص الصحيحة، وعليه جمهور العلماء أيضاً.

وقد روي عن طائفة من السلف؛ منهم ابن عمر وعائشة وعطاء، تفضيل عمرة ذي القعدة وشوال على عمرة رمضان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر في ذي القعدة، وفي أشهر الحج حيث يجب عليه الهدي إذا حج من عامه؛ لأن الهدي زيادة نسك، فيجتمع نسك العمرة مع نسك الهدي.

---------------------

(1) رقم (1164).

(2) قال المنذري: "رواه الطبراني في الأوسط بإسناد فيه نطر".

(3) رواه أحمد في "المسند" (5/280)، وابن حبان في "صحيحه" (5/258)، في الصوم، وصححه الألباني رقم (3627).

(4) أخرجه البخاري رقم (1130)، ومسلم رقم (2819).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة