الخطبة الأولى

الحمد لله الغفور الرحيم؛ وسع كل شيء رحمة وعلما، فما من مخلوق إلا ناله من رحمة الله - تعالى -ما ناله، وفاز المؤمنون بالحظ الأوفر منها ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 156].

نحمده على مننه وإفضاله، ونشكره على واسع عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ رحم أمته فبشرهم وأنذرهم، ودلهم على ما ينفعهم، وحذرهم مما يضرهم، وأكثر من الاستغفار لهم، وادخر دعوته في الدنيا إلى يوم القيامة ليشفع لهم عند الله - تعالى-، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله - تعالى -وأطيعوه؛ فإن في طاعته استجلاب لرحمته - عز وجل -، وفي ذلك أمان من العذاب في الدنيا والآخرة ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران: 132].

أيها الناس: خلق الله - تعالى -الملائكة من نور، وسخرهم في طاعته، فمنهم المصلون ومنهم المسبحون ( وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: 20] وكلف فريقا منهم بأعمال تخص بني آدم فمنهم الحفظة الكرام الكاتبين، ومنهم المتعاقبون عليهم بالليل والنهار، ومنهم الذين يلتمسون حلقات الذكر، ومنهم الذين يقفون على أبواب المساجد يوم الجمعة يسجلون في صحفهم الأول فالأول.

وهم - عليهم السلام - دائبون في طاعة الله - تعالى -، معصومون من الخطأ والعصيان ( لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التَّحريم: 6].

ولما كانوا - عليهم السلام - أهل طاعة لله - تعالى -كانوا محبين للطائعين من البشر، محتفين بهم، داعين لهم، يبشرونهم عند الموت بما أعد الله - تعالى- لهم: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 32].

ويستقبلونهم يوم القيامة عند أبواب الجنة مرحبين بهم، ومهنئين لهم بمنازلهم في الجنة ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزُّمر: 73] وفي آيات أخرى: ( وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 23-24] وما ذاك إلا من محبتهم لهم، ودافع تلك المحبة الإيمان بالله - تعالى -وطاعته التي جمعت بين الملائكة وصالحي البشر.

إن الملائكة - عليهم السلام - قد شرفهم الله - تعالى -في الدنيا بأعلى المقامات، ووكل إليهم أشرف الأعمال وأجلها، ويكفي شرفاً لهم قربهم من الله - تعالى -في الملكوت الأعلى، ودأبهم في عبادته وطاعته وتسبيحه، ومع هذا الشرف العظيم، والمقام الكبير الرفيع فإنهم - عليهم السلام - من محبتهم للمؤمنين، وولائهم لهم، وقربهم منهم؛ يستغفرون الله - تعالى -لهم، ويدعونه - سبحانه - أن يغفر لهم ويرحمهم، ويجنبهم موجبات سخطه، ويدخلهم جنته؛ فأيُّ شرف حظي به المؤمنون، وأي مكانة لهم عند الله - تعالى -حين يسخر - سبحانه - ملائكته المقربين للدعاء والاستغفار لهم، بل ويدعون لآبائهم وأزواجهم وذرياتهم أن يلحقوا بهم، وما أعظم الإيمان الذي أنالهم هذه المنزلة العالية ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) [غافر: 7-9].

واستغفار الملائكة للمؤمنين يدل على أن الملائكة أنصح للبشر من البشر، فالبشر يعتدي بعضهم على بعض، ويدعو بعضهم على بعض، بل من الناس من يدعو على نفسه وأهله وولده وماله.

قال مطرف بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: " وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله - تعالى -الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله - تعالى -الشيطان، وتلا هذه الآية".

وقال إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى -: " كان أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقولون: " الملائكة خير للمسلمين من ابن الكواء؛ فالملائكة يستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، وكان ابن الكواء رجلاً خارجياً".

وقال يحيى بن معاذ لأصحابه في هذه الآية: " افهموها فما في العالم جنةٌ أرجى منها، إن ملكا واحدا لو سأل الله - تعالى -أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟!".

وقال خلف بن هشام - رحمه الله تعالى -: " كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا) بكى ثم قال: يا خلف، ما أكرم المؤمن على الله - تعالى -نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له".

تأملوا رحمكم الله - تعالى -هذا الدعاء العظيم من حملة العرش ومن حوله لعباد الله المؤمنين، وما تضمنه من المعاني العظيمة؛ فهم - عليهم السلام - يسألون الله - تعالى -للمؤمنين المغفرة، والوقاية من الجحيم، ومن أسباب ذلك وهي اقتراف السيئات، ويسألون الله - تعالى -الجنة لهم وللصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.

وهؤلاء الملائكة الكرام الذي يستغفرون للمؤمنين ليسوا أي ملائكة، وإنما هم حملة العرش ومن حوله، وهم أقرب الملائكة إلى الله - تعالى -، ولا ذنوب عليهم البتة، واستغفارهم للمؤمنين ودعاؤهم لهم كان بظهر الغيب، لا يعلمه المؤمنون لولا أن الله - تعالى -أخبرهم به، وكل ذلك يجعل دعواتهم مرجوة الإجابة، فما أحظ المؤمنين وأسعدهم بذلك!!

إن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنما هي الإيمان بالله - جل وعلا-؛ لأنه -عز وجل- قال عن الملائكة: ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ)، فوصفهم بالإيمان وقال - سبحانه - عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم: ( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا) فوصفهم أيضا بالإيمان، فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة، فاعرفوا -عباد الله- فضل الله - تعالى -عليكم إذ هداكم للإيمان، واقدروا هذه النعمة العظيمة حق قدرها، بشكر الله - تعالى -عليها، والعمل بلوازمها.

وفي الآية الأخرى يقول الله - تعالى -مخبرا عن استغفار الملائكة لعباده المؤمنين: ( تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الشُّورى: 5] وقد ذكر العلماء أن من حكمة إكثار الملائكة - عليهم السلام - من الاستغفار للمؤمنين اطلاعهم على ما يقع منهم من نقص وخروق في عباداتهم، مع ما يقارفونه من المعاصي.

ولما كان هذا من سجايا الملائكة وعاداتهم - عليهم السلام - كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب كما روى أبو الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (من دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قال الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ) رواه مسلم.

ولما كان هذا حال الملائكة - عليهم السلام - محبة للمؤمنين، وولاء لهم، وقربا منهم، وحرصا عليهم، حتى إنهم يدعون لهم؛ كان من الاقتداء بهم - عليهم السلام - أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا، ويتباذلون المحبة والنصح فيما بينهم، ويدعو بعضهم لبعض؛ فإن رابطة الإيمان التي ربطت بين عباد الله الصالحين تحت العرش وحوله من الملائكة وبين المؤمنين في الأرض مع ما بينهما من اختلاف الجنس، وبعد المكان؛ لحقيقة أن تربط بين المؤمنين من البشر وهم من جنس واحد وفي ملكوت واحد، والله - تعالى -يقول: ( إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] فكونوا -يا أيها المؤمنون- لإخوانكم كما كان الملائكة المقربون لكم؛ محبة وولاء ونصحا ودعاء، وقد جاء في الحديث: ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) رواه الطبراني.

أسأل الله - تعالى -أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا. إنه سميع مجيب.

وأقول ما تسمعون وأستغفر الله....

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: إن كان الملائكة المقربون - عليهم السلام - يستغفرون لعموم المؤمنين، ويدعون لهم فإن ثمة أعمالا صالحة تستجلب صلاة الملائكة على المؤمنين، ومن نصح النبي - عليه الصلاة والسلام - بأمته أن دلهم على تلك الأعمال صالحة ليسابقوا إليها فيحظوا بصلاة الملائكة عليهم.

ومن تلكم الأعمال الصالحة: المكث في المسجد قبل الصلاة وبعدها؛ كما جاء في حديث أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الْملَائِكَةُ تُصَلِّي على أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مُصَلَّاهُ الذي صلى فيه ما لم يُحْدِثْ تَقُولُ اللهم اغْفِرْ له اللهم ارْحَمْهُ)) رواه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: ((لَا يَزَالُ الْعَبْدُ في صَلَاةٍ ما كان في مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ اللهم اغْفِرْ له اللهم ارْحَمْهُ حتى يَنْصَرِفَ أو يُحْدِثَ)).

وجاء عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى- أنه لا يكاد يبارح المسجد، ويمكث فيه طويلا لأجل ذلك ويقول: " فإني أذكر الله - تعالى -وأهلل وأسبح وأستغفر؛ فإن الملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، فإذا فعلت تقول الملائكة: اللهم اغفر لسعيد بن المسيب".

وجاء في أحاديث عدة أن الله - تعالى- وملائكته يصلون على من يصلون الصفوف المنقطعة، وعلى أهل الصف الأول، وعلى من كانوا في يمين الصف، وعلى المتسحرين للصيام، ومن أصبح فزار مريضا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، فإن زاره في المساء صلوا عليه حتى يصبح.

ومن نام على طهارة وكل به ملك يستغفر له ليلته أجمع؛ كما روى ابن عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((طَهِّرُوا هذه الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ اللَّهُ فإنه ليس عَبْدٌ يَبِيتُ طَاهِرًا إِلا بَاتَ معه مَلَكٌ في شِعَارِهِ لا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إِلا قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فإنه بَاتَ طَاهِرًا)) رواه الطبراني.

ومن أسباب استجلاب رحمة الملائكة - عليهم السلام - أن يرحم المسلم غيره، ورحمة الملائكة للعبد سبب لاستغفارهم ودعائهم له؛ كما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( ارْحَمْ من في الأَرْضِ يَرْحَمْكَ من في السَّمَاءِ)) رواه الطبراني.

عباد الله: كل هذه أبواب من الخير عظيمة؛ فمن ولجها كلها كان أحظى الناس بدعاء الملائكة - عليهم السلام -، واستغفارهم له، ومن أخذ ببعضها كان له من دعاء الملائكة واستغفارهم بقدر ما أخذ، ومن فرط في جميعها فقد حرم نفسه خيرا كثيرا. وصلوا وسلموا على نبيكم....

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة