من وصايا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
عدد القراءات : 9587

عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: أوصاني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بتسعٍ: «لا تُشرك باللهِ شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقت، ولا تترُكَنَّ الصلاةَ المكتوبةَ متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمةُ، ولا تشربن الخمرَ فإنها مفتاحُ كل شرٍّ، وأطع والديكَ، وإن أمراكَ أن تخرجُ من دُنياكَ فاخرج لهما، ولا تنازعن وُلاة الأمر وإن رأيت أنَّك أنت، ولا تفرَّ من الزحف وإن هلكت وفرَّ أصحابُك، وأنفق من طولكَ على أهلكَ، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله - عز وجل -» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني].

هذه وصايا جامعة، من وصايا من بعثه ربُّه رحمة للعالمين، ووصفه بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، في التمسك بها سعادة الدارين، وقرّة العينين، وكل وصية منها جديرة بأن تفرد وحدها بشرح، ولكننا سنحاول الإلمام بها دون خلل ولا تقصير.

 

الوصية الأولى: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطعت أو حُرقت»، فإن الشرك ظلم عظيم، وضلال مبين، يحبط الأعمال ويوجب الذل والخسران، ويحرم على صاحبه الجنان، ويدخله النيران، قال - تعالى -: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]، وقال - تعالى -: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء: 116]، وقال - تعالى -: لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً [الإسراء: 22]، وقال - تعالى -: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 65، 66]، وقال - تعالى -: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: 72].

والشرك نوعان: شرك أصغر، وشرك أكبر.

فأما الأصغر فمنه الرياء، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء [صحيح].

ومنه الحلف بغير الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» [صحيح].

وأما الشرك الأكبر فهو اتخاذ العبد ندًا من دون الله، يواليه موالاة الله، ويحبه كحب الله، يرجوه في السراء، ويلجأ إليه في الضراء، ويتقرب إليه بأنواع العبادة التي لا تجوز إلا لله، فنذره له، وذبحه له، ودعاؤه له، ونداؤه له، إذا وقع في كربة قال يا فلان، وإذا ضاقت به الأمور لجأ إلى أصحاب القبور: يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ [الحج: 12]، كما قال - تعالى -: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 5، 6].

فيا أيها المسلم الموحِّد: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وإذا نَزَلت بك نازلة فقل يا الله، وإذا ضاقت عليك الدنيا بأسرها ففر إلى الله: أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ - تعالى -اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل: 62- 64].

الوصية الثانية: «ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة»، أي العهد.

فإن الله أخذ العهد على نفسه لكل مسلم يحافظ على الصلاة أن يدخله الجنة، فمن ترك الصلاة متعمدًا فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، وخذله الله، ولم يكن له عند الله عهد، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهنّ لم يضيّع منهنّ شيئًا استخفافًا بحقهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» [صحيح].

فحافظ- رحمك الله- على الصلاة فإنها عمود الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن ضيّعها فقد ضيّع الدين، وهي أول ما فُرض من العبادات، وأول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال، وقد مدح الله المحافظين عليها، ووعدهم الفردوس، أعلى درجات الجنة، وسقفه عرش الرحمن، فقال - سبحانه -: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون: 1- 9].

وذمّ مضيّعها وتوعده فقال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59]، وليست إضاعتها تركها بالكلية بل السهو عنها والغفلة عن أوقاتها، كما قال - تعالى -: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: 4، 5].

أما الذين لا يصلون أبدًا فقد توعدهم الله بسقر: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 38- 43].

فحافظوا -عباد الله- على الصلاة كما أمركم الله، واعلموا أن المحافظة على الصلاة تكون بإسباغ وضوئها، والحرص على أول وقتها، وشهود الجماعة فيها، والخشوع، وإتمام الركوع والسجود، وحسن التلاوة وتدبر معانيها، فمن فعل ذلك كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن ترك الصلاة متعمدًا فليس له عند الله عهد.

الوصية الثالثة: «ولا تشربن الخمر فإنها مفتاح كل شر»:

قد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يترتب على شربها من الشر فقال: «الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه، وخالته، وعمته» [حديث حسن].

لأنها تخمّر العقل أي تغطيه، فيكون هو والبهيمة سواء، فلا يفرق بين امرأة وامرأة، ولا بين زوجته وأمه وخالته وعمته.

وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه كان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غويّة، فأرسلت إليه جاريتها تدعوه لشهادة فدخل معها، فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطنة خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، وقد دعوتك لتقع عليّ، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فاختار الخمر، فسقته كأسًا، فقال: زيدوه، فلم يزل حتى وقع عليها وقتل الغلام، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه [صحيح].

لذلك قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [المائدة: 90- 92]. يعني وقد أدّاه، فقد حذر - صلى الله عليه وسلم - من الخمر وبالغ في التخويف من مغبتها، ومن أقواله في ذلك: «الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يومًا، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية» [حديث حسن]. «مدمن الخمر كعابد وثن». [حديث حسن]. «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والمنان بما أعطى» [صحيح]. «إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طينة الخبال». قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار». [صحيح]. فهل يشرب بعد ذلك إلا من سفه نفسه؟!

الوصية الرابعة: «وأطع والديك»

فإن الله أمرك بطاعتهما في كل برّ ما لم يكن إثمًا، وفي كل مباح ما لم تكن معصية، فإن فضلهما عليك عظيم، وحقهما عليك كبير، ومن في الدنيا قدّم لك ما قدّمه أبوك، ومن في الدنيا خدمك كما خدمتك أمك؟! لذلك فَرَضَ الله طاعتهما، وأمر ببرهما، فقال - تعالى -: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 14، 15].

وقال - تعالى -: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: 23، 24].

فأطع والديك، «وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما»، يعني لو أرادا مالك كله فلا تمنعهما، فأنت ومالُك لأبيك، كما قال - صلى الله عليه وسلم -، فمهما طلبا فأعطهما، وأنت معتقدٌ حق الاعتقاد أنك مقصّر في حقهما، ولم تجزهما منه شيئًا، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجزي ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه». [صحيح].

الوصية الخامسة: «ولا تُنازعنّ وُالاة الأمر وإن رأيت أنك أنت»:

يعني لو رأيت أنك أفضل من وليّ الأمر الموجود، وأحق منه بالولاية فلا تنازعه فيها، ولا تخرج عليه، ولا تنزع يدًا من طاعته، فإن استتباب الأمن، واستقرار الأمر، من أسباب التمكن من العبادة، والقيام بالوظيفة التي خلق الله الخلق من أجلها، ومنازعة ولاة الأمر فيها ما فيها من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار، بحيث لا يتمكن الإنسان من القيام بحق الله - عز وجل -، ولذلك كثرت الأحاديث في الحث على طاعة أولي الأمر- وإن جاروا- والنهي عن الخروج عليهم، ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة».

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله». [صحيح]. وقيل: يا نبي الله! إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا، فأعرض عنه ثلاثًا، فقال: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» [صحيح].

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «أوفوا ببيعة الأول، ثم اعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». [متفق عليه]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» [صحيح].

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» [صحيح].

الوصية السادسة: «ولا تفرّ من الزحف وإن هلكت وإن فر أصحابك»

لقد وصف اللهُ الكفارَ بالجبن فقال: لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [الحشر: 14]، والعلة: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [الحشر: 13]، وأعلمنا الله - تعالى - أن المؤمن الصابر يغلب عشرة من الكفار، ثم خفف عنا فجعل المؤمن الصابر يغلب اثنين من الكفار، قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 65، 66].

ثم أعلمنا الله أن عاقبتنا دائمًا إلى الخير، فقال - تعالى -: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: 52] أي النصر أو الشهادة، فنحن دائمًا فائزون، فلا داعي للفرار إذن، ولذلك نهانا الله عنه فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15، 16].

وعدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرار من الزحف من المهلكات، فقال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: وما هنّ يا رسول الله؟ فذكرهنّ وعدّ منهن «الفرار يوم الزحف» [متفق عليه].

ولقد ضرب رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى في الثبات أمام العدو، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: غاب عمي أنس بن النضر - رضي الله عنه - عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرينّ اللهُ ما أصنع، فلما كان يومُ أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني الصحابة- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء- يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ: الجنةُ وربّ الكعبة، إني أجد ريحها من دون أُحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيف أو طعنةً برُمح، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قُتل ومثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: 23].

الوصية السابعة: «وأنفق من طولك على أهلك»

الطّوْل معناه السعة والخير، ونفقة الأهل من الزوجة والأولاد ونحوهم واجبة، قال - تعالى -: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 233]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل في بيته راعٍ وهو مسئول عن رعيته» [متفق عليه].

فيجب عليه القيام بهذه المسئولية خير قيام، ومنها النفقة على أهله مما آتاه الله، فإن حبس عنهم النفقة وبخل بها فقد أثم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» [حديث حسن].

وإن أنفق عليهم أُجِر، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة» [حديث حسن]. وقال لسعد بن أبي وقاص: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» [متفق عليه].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يرغب في النفقة على الأهل والعيال فيقول: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك» [صحيح]. وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله» [صحيح].

ولابد هنا من التنبيه على أدب من آداب النفقة وهو الاعتدال فيها بين البخل والإسراف، كما قال - تعالى -: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67].

فالبخل الذي يفضي بالزوجة والأولاد إلى الخيانة بل إلى ارتكاب الجريمة أحيانًا ممنوع، وكذلك الإسراف والتبذير الذي يفضي بالأولاد إلى الفساد من التدخين وغيره ممنوع، فلابد أن يكون العائل عاقلاً يعطي بحذر، ويراقب عن كثب، ليعرف أين تذهب هذه الأموال؟ وماذا يصنع الولد بما يعطي من مال أبيه، حتى لا يفسده المال ولا يطغيه.

الوصية الثامنة: «ولا ترفع عصاك عن أهلك»:

فـ «علّق سوطك حيث يراه أهلك» حتى ينزجروا، فلا يتهاونوا بواجب، ولا يقعوا في محرّم.

الوصية التاسعة: «وأخفْهم في الله - عز وجل -»:

فإن الخوف سَوْط يُساق به الإنسان نحو طاعة الله - عز وجل -، والابتعاد عن معصيته، فاحرص دائمًا أيها الأب على أن تكون مهابًا في بيتك، يهابك الصغير والكبير، ويخافون عقابك، فلا يفرطون في فريضة، ولا يرتكبون معصية.

إن ربّ الأسرة كقائد السفينة، هو المسئول عن وصولها إلى برّ الأمان بسلام، والناس في هذه الدنيا مسافرون إلى الآخرة، فإما نجاة تستقر بهم في دار السلام، وإما هلكة تفضي بهم إلى دار البوار، وربّ الأسرة مكلف بالحرص على نجاتها، ووقايتها من التهلكة، قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]، ووقايتهم إنما تكون بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومعاقبتهم على ترك المعروف وفعل المنكر.

قال - تعالى -: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» [حديث حسن].

وقال - تعالى -: وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضرُبوهُنَّ [النساء: 34]، وهذا الضرب ضرب تأديب وتربية لا ضرب تشفٍّ وانتقام، ضرب تقتضيه الرحمة وتدفع إليه الشفقة حتى يصل الرجل بأهله إلى دار السلام بسلام، كما قال القائل:

قسى ليزدجروا ومن يك راحمًا *** فليقس أحيانًا على من يرحم

وهكذا جمعت هذه الوصايا فأوعت، فصلى الله وسلم على من وصانا بها، ونسأل الله - سبحانه - التوفيق للعمل بها.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة