من الواحات الوارفة الظليلة التي تربى فيها المؤمنون الأوائل قيام الليل، وقد كان قيام الليل أول الأمر واجباً على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين وظلوا هكذا فترة ليست بالقصيرة، يقومون نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه، يقومون في هذا الوقت مودعين الفراش الناعم والصدر الدافئ، يقفون في إخبات وخشوع يستنزلون من الله وابل الرحمات، ويكابدون نوازع الشوق إلى وثير الفراش طمعاً في مرضاة رب العالمين.

أيها الإخوة في الله: قيام الليل خصيصة خص الله بها بعض عباده بخير عظيم وعمل كبير، وفتح لهم من أبواب الخير والطاعة ما استنارت به صدورهم وقلوبهم، وعزت نفوسهم، وطابت حياتهم وأنسهم ونعيمهم، وبصرهم بطريق الحق، ويسر لهم أسباب السعادة، ومنَّ عليهم بلذة العبادة ومناجاة الله في أسحارهم وخلواتهم:

قـوم إذا جـن الظلام عليهم  *** باتوا هنالك سـجداً وقيامـا

خمص البطون من التعفف ضمراً *** لا يعرفون سوى الحلال طعاما

قال ثابت البناني - رحمه الله -: "ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل"، وقال سفيان - رحمه الله -: "إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت"، وقال أبو سليمان الداراني - رحمه الله -: "لأهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا".

وقال شيخ الإسلام: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة".

أيها الأخ الكريم: قيام الليل له أحكام كثيرة متشعبة مبسوطة في كتب الفقه، ولكن سوف أذكر لك أهم المسائل التي تحتاجها لكي تنال الأجر العظيم وتطبق هذه السنة العظيمة على وجه الإيجاز والاختصار:

 

المسألة الأولى: أفضل وقت لقيام الليل:

اعلم أن أفضل صلاة الليل الثلث الأخير؛ لأنه وقت نزول الرب - جل وعلا - والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل ».

وقال أبو معاوية: "صلاة الليل محضورة" ومن قام أول الليل أو أوسطه فلا مانع من ذلك وفي كلٍ خير غير أن آخر الليل أفضل؛ لأنه الأمر الذي استقر عليه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: « من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتهى وتره إلى السحر ».

والخلاصة: أن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن الوتر -وهي صلاة الليل- من بعد صلاة العشاء سواء أجمعته جمع تقديم مع المغرب أو أخرته إلى منتصف الليل، وأما قبل صلاة العشاء فلا يصح الوتر أو قيام الليل على الراجح، وهو الذي نراه ونرجحه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر » إسناده صحيح.

ولذلك أوجب بعض الحنفية صلاة الوتر وسموها اصطلاحاً الصلاة السادسة.

المسألة الثانية: من نام عن وتره أو نسيه:

من نام عن وتره -أي قيام الليل- أو نسيه فله صلاة بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح لقول أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: « من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره » وهذا مروي عن جماعة من الصحابة وهو قول لمالك وقول للشافعي وأحمد، والقول الثاني: أنه يقضيه وتراً لكنه يشفعه من الغد وهو الراجح.

أما من ترك الوتر متعمداً حتى طلع الفجر أو تعمد النوم بدون وجع أو مرض أو غلبة نوم فالصحيح أنه قد فاته وليس له حق القضاء؛ لأنه مفرط، وقد قال العلماء: إن تقييد الأمر بالقضاء فيمن نام عن وتره من التعب أو نسيه يدل على أن العامد لا يقضي ويدل لهذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: « من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له » وهذا الحديث يدل على أن من تعمد ترك الوتر فإنه لا يقضيه إلا إذا نام أو نسي في أصح أقوال أهل العلم.

المسألة الثالثة: في عدد ركعات قيام الليل:

ثبتت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه أنه لا يزيد في قيام الليل لا في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي سلمة أنه سأل عائشة رضي الله - تعالى -عنها كيف كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: « ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً » أما الحاصل الآن من الزيادة في رمضان فهذه مسألة خلافية ليس هذا مجال ذكرها.

المسألة الرابعة: في كيفية صلاة الليل:

ذهب مالك والشافعي وأحمد وطائفة من السلف إلى أن صلاة الليل مثنى مثنى إلا ركعة الوتر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى » متفق عليه.

المسألة الخامسة: ماذا يقرأ في صلاة الليل أو صلاة الوتر:

السنة لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى] الأعلى: 1، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ] الكافرون: 1، وفي الركعة الثالثة بعد الفاتحة: [قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ] الإخلاص: 1 لعدة أحاديث تبين ذلك.

واعلم أنه يستحب إذا سلم من وتره أن يقول: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، ويمد صوته في الثالثة.

المسألة السادسة: في القنوت:

القنوت في الوتر لم يثبت فيه حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله ولا من فعله قال الإمام أحمد: لا يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أنه ثبت عن بعض الصحابة كما قال عطاء حين سئل عن القنوت فقال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلونه، والمسألة خلافية والراجح عندي أنه مستحب في بعض الأحيان والأولى أن يكون الترك أكثر من الفعل.

المسألة السابعة: رفع اليدين في القنوت:

أما رفع اليدين في القنوت فقد منعه البعض والجمهور على استحبابه؛ لأن الأصل في الدعاء رفع اليدين وهو الراجح عندي.

المسألة الثامنة: هل يجوز مسح الوجه باليدين بعد الدعاء:

وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء فلم يثبت فيه حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عن الصحابة لا في القنوت ولا في غيره لا داخل الصلاة ولا خارجها، وقد اعتاد بعض العامة فعل ذلك وهذا غلط، والسنة ترك المسح مطلقاً في الصلاة وغيرها قال أبو داود في مسائله: "سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ؟ فقال: لم أسمع به" وقال مرة: لم أسمع فيه شيء، وسئل الإمام مالك - رحمه الله - عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء فأنكر ذلك وقال: ما علمت، وقال الحافظ البيهقي - رحمه الله -: لست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة وقد روي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث ضعيف وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح" والحق ترك العمل بالمسح؛ لأنه لم يرد فيه شيء، هذه أخي المسلم أهم المسائل التي أردت ذكرها لك لتكون عبادتك صحيحة موافقة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الوسائل المساعدة على قيام الليل:

1- أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم فيثقل عن القيام، فمن المعلوم أنه إذا امتلأت المعدة نامت الهمة والفكرة.

2- أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تتعب جسده وبدنه؛ لأن ذلك يجلب النوم، وتذكر دائماً أنك لم تخلق للدنيا فقط.

3- أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها وسيلة للاستعانة بها على قيام الليل.

4- أن لا يتعرض لأماكن المعاصي بالنهار، فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، وكان الحسن - رحمه الله - إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولهوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء سوء.

5- أن تكثر من أصدقاء الخير ومن أهل قيام الليل، فإن أحوالهم تعين على ذلك.

6- سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وهذا سبب باطني.

7- أن تعرف فضل قيام الليل وما أعده الله من الأجر لذلك.

8- أن تنام متوضئاً جاداً في القيام.

السلف الصالح وقيام الليل:

كان عبدالعزيز بن أبي رواد إذا جن الليل يأتي فراشه فيمر يده عليه ويقول: "إنك للين ووالله إن في الجنة لألين منك، ولا يزال يصلي الليل كله".

وقال الفضيل: "إني لأستقبل من أوله فهالني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي".

وقال الحسن: "إن الرجل ليذنب فيحرم به قيام الليل"، وقال الأوزاعي: "من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة".

وقال بعضهم: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في ظلمة القبور، وقال الحسن: "ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل". وقال الفضيل: "إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم".

وفي الصحيح عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « إن من الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله - تعالى -خيراً إلا أعطاه »، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل حتى تتفطر قدماه كما ذكرت ذلك عائشة - رضي الله عنه - في الحديث المتفق عليه.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: « أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل » رواه مسلم.

وأخيراً: أيها الأخ المسلم! هب أنك عشت في هذه الحياة الدنيا ما عشت بدون عمل صالح وبدون قيام ليل، هل تعلم أن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، فأما المسلم الذي يخاف الله ويريد الجنة فما له وللنوم وما له وللراحة وما له وللفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح إنه يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قام الليل وقدر للأمر حقه فقال لخديجة - رضي الله عنها - وهي تدعوه أن يطمئن وينام: « مضى عهد النوم يا خديجة ».

أيها المسلم: إن قيام الليل والناس نيام والزهد في الدنيا والاتصال بالله والأنس به وترتيل القرآن والكون ساكن إن هذا هو الزاد الذي يعين صاحبه على الصبر على مشاكل الحياة ولوائها قال - تعالى -: [إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا] المزمل: 6 ناشئة الليل هي ما نشأ منه بعد العشاء والآية تقول: [إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا] أي: أجهد للبدن، [وَأَقْوَمُ قِيلًا] أي: أثبت في الخير كما قال مجاهد، فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش بعد كد النهار أشد وطأً وأجهد للبدن، ولكنها إعلان لسيطرة الروح واستجابة لدعوة الله وإيثار للأنس بالله - تعالى -ومن ثم فإنها أقوم قيلاً؛ لأن للذكر فيها حلاوة وللصلاة فيها خشوع وللمناجاة فيها شفافية، وإنها لتكسب في القلب أنساً وراحة ونوراً قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره، والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله ويعلم ما يتسرب إليه وما يقع عليه وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيئاً.

فدعوة بعد هذا كله إلى أولئك العاكفين على مشاهدة القنوات الفضائية والأفلام المدمرة للأخلاق والقلوب، دعوة إليهم لينهلوا من مناهل الخير من قيام الليل.

لقد هالنا ما نراه ونسمعه من ليل صاخب وضياع وقت الليل من غير طائل، وسهر حتى قبل طلوع الفجر على لهو غير مجدٍ، إن قيام الليل أيها المسلم هو الزاد الذي يحتاجه الفرد وتحتاجه الأمة لتخرج من أزمتها الروحية التي تمر بها، ومن لم يستطع أن يكابد قيام الليل فلن يستطيع أن يكابد الأعداء ولا الشهوات ولا ملذات الدنيا، فهلا رجعنا إلى ديننا ونهلنا من هذا المعين الصافي معين قيام الليل.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة