الرابحون والخاسرون في حرب غزة
الكاتب :
عدد القراءات : 299

الرابحون والخاسرون في حرب غزة

الرابحون والخاسرون في حرب غزة

عبد الباري عطوان

 

لم تكن علامات البهجة تكسو وجهي أيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه أيهود باراك وهما يعلنان في ساعة مبكرة من فجر أمس عن وقف أحادي الجانب للحرب على قطاع غزة، فالانجازات التي حققتها هذه الحرب جاءت قليلة، بل مخجلة، لأنها لم تتجاوز قتل المئات من الأطفال والنساء والمدنيين، وتدمير بعض البيوت والمساجد والمباني الحكومية.

تسيبي ليفني توعدت بتغيير المعادلة في قطاع غزة، وسحق فصائل المقاومة، ونجحت في الأولى ولكن بشكل عكسي، وفشلت في الثانية، وخلطت جميع الأوراق في المنطقة العربية بشكل لم يتوقعه أكثر المتفائلين بإمكانية حدوث التغيير المأمول.

بعد أن هدأ غبار المواجهات، وتوقفت الصواريخ وقذائف الدبابات والزوارق الإسرائيلية عن تمزيق جثامين الشهداء، وحرق أجساد الآلاف بالقنابل الفسفورية، لابد من الاعتراف بأن أبناء قطاع غزة دفعوا ثمنا باهظا لهذه الحرب، من خيرة أبنائهم، فلم يتوقع أحد أن تبلغ وحشية الإسرائيليين هذه الدرجة من التعطش لسفك الدماء والتمثيل بالجثث، وتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها الجوعى المحاصرين، ولكن هذه التضحيات الجسيمة وضعت الإسرائيليين إمام العالم بأسره كعامل عدم استقرار وبؤرة إرهاب تهدد امن هذا العالم.

المعركة لم تكن أبدا بين طرفين متكافئين، وكيف تكون كذلك وقد أحكم النظام الرسمي العربي الطوق، وتواطأ مع المعتدين، وسهّل لهم مهمتهم بصمته تارة، والتحرك الدبلوماسي المشبوه لإعطائهم المزيد من الوقت لانجاز مهمتهم، تارة أخرى.

ربما يكون تعداد الرابحين من هذه الحرب عملية شاقة، علاوة على كونها موضع جدل، بحكم الصورة المأساوية على أرض القطاع الصغير المحاصر التي نقلتها وتنقلها شاشات الفضائيات بتفاصيل مرعبة، ولكن حصر الخاسرين، من وجهة نظرنا على الأقل، يبدو أكثر يسرا، ويمكن إيجازهم في النقاط التالية:

أولا: الخسارة الإسرائيلية هي الأضخم، أن لم يكن عسكريا، فسياسيا بكل تأكيد، فبعد أكثر من ثلاثة أسابيع لم يخرج المقاومون من أنفاقهم رافعين الرايات البيضاء، متوسلين وقف إطلاق النار، ولم تتوقف الصواريخ، ولم يخرج شعب قطاع غزة، رغم فجيعته الكبرى في مسيرات بين أنقاض منازله المدمرة مطالبا بطرد سلطة 'حماس' وعودة سلطة رام الله ورجالاتها.

القيادة الإسرائيلية، ذهبت إلى واشنطن، وهي القوة الإقليمية العظمى، لتوقع اتفاقا امنيا معها لمراقبة تهريب الأسلحة إلى القطاع.

وظهرت أمام العالم بأسره كقوة مكروهة متعطشة لمص دماء ضحاياهم من الأطفال والمدنيين في حرب يجمع أنصارها أنفسهم بأنها لم تكن أبدا شبه متكافئة.

إسرائيل خسرت الجزء الأكبر من الرأي العام العالمي، مثلما خسرت أصدقاءها العرب، وقتلت عملية السلام، وشجعت التطرف، وأسست لنمو منظمات فلسطينية وإسلامية ربما لن تتردد في تبني 'الإرهاب' واستغلال أجواء الإحباط السائدة في الشارع العربي لتجنيد المئات، ان لم يكن الآلاف، من الشباب، تماما مثلما حدث بعد هزيمة حزيران عام 1967 المهينة.

ثانيا: خرج النظام المصري الخاسر الأكبر عربيا، وخسر دوره كوسيط، بعد أن خسره كقوة إقليمية رائدة، وتعرض لطعنات قاتلة ومهينة من اقرب حلفائه، الأمريكان والإسرائيليين، وتمثل ذلك في أمرين أساسيين، الأول توقيع تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل ونظيرتها الأمريكية كوندوليزا رايس اتفاقا امنيا بمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومنع التهريب، دون التشاور مع الحكومة المصرية، أو حتى اطلاعها على تفاصيل هذه الاتفاقية، مما يؤكد أن دور نظام مصر هو التابع المؤدي للخدمات بمقابل، وليس الحليف الاستراتيجي المحترم.

أما الثاني فهو إدارة إسرائيل ظهرها للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار بشكل ينطوي على احتقار وازدراء متعمدين، ودون أي اعتبار لجهود واتصالات مصرية استمرت أسبوعين لتثبيت هذه المبادرة، وشق الصف العربي من اجل تحقيق هذا الغرض.

ثالثا: السلطة الفلسطينية في رام الله تهمشت بشكل مفجع، ليس بالنسبة إلينا، وإنما بالنسبة إلى المسؤولين فيها، فقد خسرت تأييد نصف العرب على الأقل، ودول إسلامية عظمى مثل تركيا وإيران واندونيسيا، ولم تتحقق أحلامها في العودة إلى قطاع غزة، واستمرارها في رام الله بصورتها وتركيبتها الحالية بات موضع شكوك. وجاء خطاب رئيسها محمود عباس في قمة شرم الشيخ انعكاسا واضحا لهذه الحقيقة، فقد كان الأقصر والأضعف من بين جميع الخطابات، لم يتحدث عن معاناة أبناء القطاع، ولم يطالب بفتح المعابر، ولم يكشف عن خيبة أمله في عملية سلام فشل رهانه عليها.

رابعا: مني ما يسمى بمحور الاعتدال العربي بضربة موجعة في مصداقيته، أو ما تبقى منها، أمام مواطني بلدانه، عندما تهرب من القيام بأي تحرك فعلي، وظهر بمظهر المتورط المشارك في العدوان، سواء بتصدير الأزمة إلى مجلس الأمن الدولي، أو بعرقلة عقد قمة عربية طارئة، وتمسكه بمبادرة مصرية رمت بها إسرائيل في سلة المهملات، وأدارت الظهر لها ولصاحبها.

خامسا: السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية قد يكون أبرز ضحايا حرب غزة على الصعيد الشخصي، فقد حاول الرجل أن يلعب على عدة حبال في وقت واحد، وأن يتجنب السقوط، ولكن محاولاته باءت بالفشل، وحسب نفسه على محور الاعتدال، أو بالأحرى كشف عن حقيقة انحيازه إلى هذا المحور منذ البداية، وهو الذي أخفى هذا الانحياز ببراعة من خلال عبارات رنانة حول الصمود والمقاومة.

جامعة السيد موسى سقطت جماهيريا، وانتهى رصيدها القليل في الشارع العربي بشكل درامي، ولا نعتقد أنها ستخرج من هذه الكبوة سريعا، وبالأحصنة الحالية نفسها.

أمر محزن أن ينهي السيد موسى بعض جوانب تاريخه بهذه الطريقة المأساوية.

سادسا: خرج إعلام محور الاعتدال بخسارة كبيرة أنهت كل الآمال بتعافيه من الضربة الكبيرة التي أنهت مصداقيته بسبب انحيازه إلى الاحتلال الأمريكي للعراق.

ولم تشفع كل ادعاءات المهنية في إبراء ذمته من الانحياز المبطن للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

بينما عزز إعلام دول الممانعة على قلته، وضعف إمكانياته من وجوده في الشارع العربي الذي وقف إلى جانبه مساندا ومؤازرا.

صمود أهل قطاع غزة حقق معجزة في زمن قلّت فيه المعجزات، مع اعترافنا بالثمن الباهظ لهذا الصمود.

فالعالم كله منشغل حاليا في كيفية توفير الأمن والحماية للإسرائيليين، وإيجاد الطرق والوسائل وتوفير المعدات المتقدمة لمنع تهريب الأسلحة إلى الصامدين المحاصرين في هذا القطاع الصغير في مساحته الكبير في عزيمة أبنائه.

هذا العناد في التمسك بالثوابت، وفي رفض الاستسلام هو الذي تخشاه إسرائيل وقيادتها وشعبها، فإذا كان هؤلاء صمدوا ثلاثة أسابيع، ولم يخرج واحد منهم على شاشات التلفزة يندد بالمقاومة، رغم انهيار سلطة 'حماس' واختفاء قواتها التنفيذية، وضخامة أعداد الشهداء والجرحى، فإن أداءهم في أي مواجهة قادمة، إذا ما امتلكوا الحد الأدنى من الأسلحة الدفاعية، سيكون مفاجئا.

فالجيل القادم من أبناء القطاع، الذي سيتكون من أطفال شاهدوا مجازر آبائهم وأمهاتهم وأشقائهم وشقيقاتهم، سيكون الأشرس، ولن ينسى، ولا نعتقد أنه سيغفر.

حرب غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة مجددا، وجبّت كل ما قبلها من مفاوضات عبثية، وعملية سلام مزورة، وقيادات متخاذلة، وما يسمى بحل الدولتين، وعززت ثقافة المقاومة، وكشفت عن المعدن الصلب المقاوم للشعب الفلسطيني، مثلما أعادت إحياء الشارع العربي، والتلاحم بين أبنائه والتفافه حول قضيته المركزية، وتوسيع الفجوة بينه وبين الأنظمة الدكتاتورية العاجزة، فاقدة الإرادة والسيادة التي تحكمه.

مسرحية مؤتمر شرم الشيخ لن تنقذ النظام الرسمي العربي من مأزقه، ولن تعيد له شرعيته ومصداقيته لان هذا النظام بات فاقد الكرامة والشرعية، بعد أن سحبهما منه شهداء غزة، واحتجاجات الشرفاء، وهم الغالبية، داخل مصر المحروسة، والعواصم العربية الأخرى.

 

22/1/1430هـ

19/1/2009 م

 

http://www.almokhtsar.com/news.php?action=show&id=8773

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة