قصة كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه ليلة الإسراء
الكاتب : علي حشيش
عدد القراءات : 14171

 

هي قصة "كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ربه ليلة الإسراء" حول عطائه للأنبياء جاءت في كتاب منسوب إلى الصحابي الجليل ابن عباس - رضي الله عنهما - ويسمى "الإسراء والمعراج للإمام ابن عباس رضي الله عنهما".

قلت: وهو مليء بالكذب والأباطيل، وابن عباس بريء من هذا الكتاب الذي اشتهر وانتشر لصغر حجمه حيث يحتوي على ست وأربعين صفحة، ورخص ثمنه واحتوائه على عجائب منكرة يستميل بها القصاص والوعاظ قلوب العوام.

ففي (ص35، 36، 37) جاءت قصة كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ربه حول عطائه للأنبياء، حيث نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ليلة الإسراء والمعراج رُفِع له الحجاب وكلَّم ربه فقال: "إلهي وسيدي، إني أسألك شيئًا. قال الله - تعالى -: وعزتي وجلالي لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق آدم بألفي عام أن لا تسألني شيئًا إلا أعطيتك. فقلت: إلهي وسيدي ومولاي، خلقت آدم بيدك ونفخت فيه من رُوحك وأسجدت له ملائكتك، واتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليّا، وأعطيت داود زَبُورًا، وغفرت له ذنبًا عظيمًا، وأعطيت سليمان ملكًا عظيمًا، وسخرت له الإنس والجن، والطير والوحش والريح، وخلقت عيسى بكلمتك فبمَ فضَّلتني كما فضلت هؤلاء؟ قال الله - تعالى -: يا محمد، إن كنت خلقت آدم بيدي، فقد خلقته من طين، وخلقتك من نور وجهي، وإن كنت اتخذت إبراهيم خليلاً فقد اتخذتك حبيبًا، والحبيب أفضل من الخليل، وإن كنت كلمت موسى تكليمًا، فقد كلمته من وراء حجاب على طور سيناء، وكلمتك على بساط القُرب بغير حجاب، وإن كنت رفعت إدريس مكانًا عليّا، فإنما رفعته إلى السماء الرابعة، ورفعتك إلى مكان لم يصل إليه غيرك، وإن كنت أعطيت سليمان ملكًا عظيمًا، فقد جعلت لك الأرض مسجدًا والتراب طهورًا، وإن كنت أعطيت داود زبورًا، فقد أعطيتك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وفيه سورة الفاتحة وسورة البقرة وسورة آل عمران، ما قرأها أحد من أمتك إلا غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل، وإن كنت خلقت عيسى بكلمتي فقد شققت لك اسمًا من أسمائي، وجعلت اسمك مع اسمي لا يقول عبد: لا إله إلا الله إلا يقول: محمد رسول الله. ومَنْ لم يقر برسالتك فلا أقبل منه عمله وهو في الآخرة من الخاسرين... ". ا.هـ.

وقصة كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ربه حول عطائه للأنبياء ليلة الإسراء والمعراج أوردها الإمام ابن عراق في "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" (1-155- 169) في حديث ابن عباس الطويل، حيث بلغ خمسة وسبعين وثلاثمائة سطر، وفيه بعض الزيادات التي نسبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما سمعت شيئًا قط ألذ ولا أحلى من نغمة كلام الله فاستأنست إليه من لذاذة نغمته حتى كلمته بحاجتي؛ فقلت: يا رب، إنك اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليّا، وآتيت سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتيت داود زبورًا فما لي يا رب... " القصة.

قلت: ولقد جاء في القصة التي أوردها ابن عراق في ختامها ما نُسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - "ثم أفضى إليَّ من بعد هذا بأمور لم يأذن لي أن أحدثكم بها، فلما عهد إلى عهده وتركني ما شاء الله ثم استوى على عرشه - سبحانه - بجلاله ووقاره وعزِّه نظرت فإذا قد حيل بيني وبينه... " ا.هـ.

وفي أول القصة قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد ربه حين كشف حجبه مستوٍ على عرشه في وقاره وعزِّه ومجده وعلوه.. ا.هـ.

 

التخريج والتحقيق للقصة

الحديث الذي جاءت به هذه القصة: أخرجه ابن مردويه في "التفسير" من حديث ابن عباس من طريق ميسرة بن عبد ربه، كذا في "تنزيه الشريعة" (1-169)، وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" (3-11) قال: "أخبرنا محمد بن بشردوت النّسَوي، قال: حدثنا حميد بن زنجويه قال: حدثنا محمد بن خراش الموصلي قال: حدثنا علي بن قتيبة عن ميسرة عن عبد ربه قال: حدثنا عمر بن سليمان الدمشقي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس مرفوعًا.

1- قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (1-169): "أخرج ابن حبان قطعة منه".

قلت: "وهذا إجمال ما قد فصلنا، حيث بيّنا أنه أخرجه في كتابه "المجروحين" لا في "صحيحه" هذا بالنسبة لمصنفات ابن حبان".

أما قول ابن عراق: "أخرج ابن حبان قطعة منه" فهو إجمال بالنسبة للمتن؛ فابن حبان يعرف متن الحديث بطوله، والدليل على هذا: أنه بعد أن ذكر هذه القطعة من حديث ابن عباس من طريق ميسرة بن عبد ربه عن عمر بن سليمان قال: "فذكره بطوله أكره ذكره لشهرته عند من كتب الحديث وطلبه". ا.هـ.

قلت: ثم بيّن الإمام ابن حبان في "المجروحين" (3-11) علة الحديث، فقال: ميسرة بن عبد ربه الفارسي من أهل دَورق، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويضع المعضلات على الثقات في الحث على الخير، والزجر عن الشر لا يحل كتابة حديثه إلا على سبيل الاعتبار". ا.هـ.

قلت: ثم أخرج ابن حبان هذا الحديث دليلاً على أن ميسرة بن عبد ربه يروي الموضوعات وذكر قطعة منه ثم قال: "فذكر- أي ميسرة بن عبد ربه- حديثًا طويلاً في قصة المعراج شبيهًا بعشرين ورقة".

وعلل ابن حبان عدم ذكره للحديث بطوله حيث قال: "أكره ذكره لشهرته عند من كتب الحديث وطلبه". ا.هـ.

2- أورده الإمام البخاري في كتابه "الضعفاء الصغير" ترجمة (355) ثم قال: "ميسرة بن عبد ربه يُرْمى بالكذب". ا.هـ.

3- أورده الإمام النسائي في كتابه "الضعفاء والمتروكين" ترجمة (580) ثم قال: "ميسرة بن عبد ربه متروك". ا.هـ.

"فائدة":

قلت: هذا المصطلح عند النسائي له معناه، حيث قال الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة" (ص69): "مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه". ا.هـ.

4- أورده الدارقطني في كتابه "الضعفاء والمتروكين" ترجمة (510)، ثم قال: "ميسرة بن عبد ربه بغدادي عن زيد بن أسلم، كتاب "العقل" لداود بن المخُبر تصنيفه". ا.هـ.

فائدة:

يتوهم من لا دراية له بهذا الفن أن عبارة الدارقطني هذه لا تدل على الجرح، ولا يدري أن مجرد ذكر اسم الراوي فقط يدل على أنه متروك، يدل على ذلك قول الإمام البرقاني: "طالت محاورتي مع ابن حَمَكان وأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني عفا الله عني وعنهما في المتروكين من أصحاب الحديث فتقرر بيننا على ترك من أثبته على حروف المعجم في هذه الورقات".

5- ثم ذكر الإمام الذهبي في الميزان (3-202-6129) علة أخرى لحديث القصة فقال: "عمر بن سليمان عن الضحاك، فذكر حديث الإسراء بلفظ موضوع". ا.هـ.

وأقره الحافظ ابن حجر في "اللسان" (4-356) (1731، 6082)، وبهذا التحقيق حكم الحافظان الذهبي وابن حجر على حديث القصة في ليلة الإسراء بأنه: موضوع.

فائدة:

الموضوع: هو الكذب المختلق المصنوع، وهو شر الضعيف وأقبحه، وتحرم روايته مع العلم بوضعه في أي معنى كان؛ سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مبينًا أي مقرونًا ببيان وضعه. قاله السيوطي في "التدريب" (1-274).

طريق آخر للقصة

رُوِيَ عن أبي سعيد عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لما انتهي بي إلى السماء ما سمعت صوتًا هو أحلى من كلام ربي - عز وجل - فقلت: يا رب، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليمًا، ورفعت إدريس مكانًا عليّا، وآتيت داود زبورًا، وأعطيت سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فماذا لي يا رب؟ فقال: يا محمد، اتخذتك خليلاً كما اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمتك كما كلمت موسى تكليمًا، وأعطيتك فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة، ولم أعطها أحدًا قبلك، وأرسلتك إلى أسود الناس وأحمرهم، وإنسهم وجنِّهم، ولم أرسل إلى جماعتهم نبيّا قبلك، وجعلت الأرض لك ولأمتك مسجدًا وطهورًا، وأطعمت أمتك الفيء ولم أحله لأمة قبلها، ونصرتك بالرعب حتى أن عدوك ليرعب منك، وأنزلت عليك سيد الكتب كلها ومهيمنًاعليها، قرآنًا عربيّا مبينًا، ورفعت لك ذكرك حتى لا أذكر إلا ذكرت معي". اه.

قلت: هذه هي القصة التي جاءت في حديث أبي سعيد، وهذا هو لفظها وهو قريب من لفظ القصة في حديث ابن عباس الذي أورده ابن عراق في "تنزيه الشريعة عن الأخبار الشنيعة".

التخريج والتحقيق للقصة

من حديث أبي سعيد القصة أخرج حديثها الإمام ابن الجوزي في "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" (1-183) (ح283) باب "ذكر أشياء رآها ليلة المعراج" حيث قال: أنبأنا الحريري، قال: أنبأنا العشاري، قال: أخبرنا الدارقطني قال: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المعتدي، قال: حدثني روح بن مسافر عن أيوب عن سليمان بن عبد الله بن صالح، حدثنا الربيع بن بدر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد مرفوعًا.

قال ابن الجوزي في "العلل" (1-183): "هذا حديث لا يصح".

قلت: وهذا الحديث الذي جاءت فيه القصة مسلسل بالعلل:

العلة الأولى: أبو هارون العبدي وهو عُمارة بن جوين:

1- أورده الذهبي في "الميزان" (3-173-6018) وقال: "كذّبه حماد بن زيد. وقال شعبة: لئن أُقدَّم فتضرب عنقي أحبُّ إليَّ من أن أحدث عن أبي هارون. وقال أحمد: ليس بشيء. قال السليماني: سمعت أبا بكر بن حامد يقول: سمعت صالح بن محمد أبا علي- وسئل عن أبي هارون العَبْدي- فقال: أكذب مِن فرعون". اه.

2- قلت: وأورده الإمام النسائي في "الضعفاء والمتروكين" رقم (476) وقال: "عمارة بن جوين أبو هارون العبدي، متروك الحديث بصري". اه.

وهذا المصطلح "متروك" عند النسائي بيَّنا معناه آنفًا.

3- وأورده الإمام البخاري في كتابه "الضعفاء الصغير" رقم (282) وقال: "عمارة بن جوين، أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد: تركه يحيى القطان". اه.

4- وأورده ابن حبان في "المجروحين" (2-177) وقال: "عمارة بن جوين: أبو هارون العبدي: يروى عن أبي سعيد الخدري، كان رافضيّا يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتابة حديثه إلا على وجه التعجب". اه.

قلت: وهذه القصة من روايته عن أبي سعيد.

العلة الثانية: الربيع بن بدر الذي روى القصة عن أبي هارون العبدي:

1- أورده الإمام النسائي في "الضعفاء والمتروكين" رقم (200) وقال: "ربيع بن بدر، ويقال: له عُلَيلَة بن بدر: متروك الحديث بصري". اه.

قلت: وهذا المصطلح له معناه كما بيناه آنفًا، وعُلَيْلَة لقبه كما في "تاريخ الخطيب" (8-415).

2- وأورده الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (3-207)، وقال: "الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التميمي السعدي الأعرجي، ويقال العرجي أبو العلاء البصري المعروف بعليلة وهو لقب، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود: ضعيف. وقال مرة لا يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان وابن خراش متروك الحديث. وقال الجوزجاني: واهي الحديث". اه.

3- وأورده ابن حبان في "المجروحين" (1-293) وقال: "الربيع بن بدر التميمي السعدي مولى طلحة بن عبد الله بن عوف الذي يقال له عليلة وكان أعرج من أهل البصرة، كان ممن يقلب الأسانيد يروي عن الثقات الموضوعات، وعن الضعفاء الموضوعات".

العلة الثالثة: روح بن مسافر:

1- أورده الإمام البخاري في "الضعفاء الصغير" ترجمة (120) وقال: "روح بن مسافر، أبو بشر تركه ابن المبارك وغيره".

2- وأورده الإمام النسائي في "الضعفاء والمتروكين" ترجمة (192) وقال: "روح بن مسافر متروك الحديث بصري".

3- وأورده الدارقطني في "الضعفاء والمتروكين" ترجمة (225) ولم يذكر شيئًا عنه مما يدل على أنه متروك كما هو مبين في القاعدة التي أوردناها آنفًا.

الاستنتاج:

من هذا التحقيق يتبين: أن القصة واهية أيضًا من حديث أبي سعيد، وبهذا يتبين أن قصة كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ربه ليلة الإسراء حول عطائه للأنبياء لا تصح، ولم يصح أنه سأل ربه عن عطائه لأنبيائه، كذلك لم يصح أنه سأل ربه وقال له بِمَ فضلتني كما فضلت هؤلاء؟ ولم يصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر لربه عطاء الأنبياء ثم سأل ربه قائلاً: فماذا لي يا رب؟ كذلك لم يصح أن الله - عز وجل - خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الإسراء، فقال: "نصرتك بالرعب، وجعلت لك الأرض مسجدًا وطهورًا، وأطعمت أمتك الفيء، وأرسلتك إلى أسود الناس وأحمرهم... ". بل ولم يصح كذلك في حديث قدسي.

هذا ما وفقني الله إليه وهو وحده من وراء القصد.

 

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة