نكبة فلسطين نكبة المسلمين
عدد القراءات : 3999

الخطبة الأولى:

أما بعد معاشر المؤمنين:

في ومضة موجزة نستخرج منها محوراً وسمة عظيمة هاجر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة وخرج سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مكة مهاجرين وبعد ذلك استشهد سبعون من أصحابه يوم أحد ثم مر بالأحزاب إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب/10، 11] ومن بعد فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - فعفا عن جل أعدائه وخصومه فيها ثم من بعد سار إلى تبوك في شدة من الحر وبعد من الشقة وعظمة في قوة العدو وقلة في أسباب المال والقدرة العسكرية ومن بعد ذلك انساح أصحابه رضوان الله عليهم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى شرقاً وغرباً حتى وجدنا قبورهم في أماكن بعيدة نائية عن مقرهم ومستقرهم في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

هذا الموجز يعطينا محوراً مهماً في سمة المسلم وصبغة المسلمين إنه سمة أولوية الدين ومحوريته في حياة المسلمين المسلم يعيش لأجل دينه ويمتثل نهجه ويدعوا لاتباعه ويجاهد في سبيله ويهاجر للحفاظ عليه ويربي عليه أبنائه ويوصي به أحفاده لا يتقدم عليه في الأهمية مالٌ ولا ولد ولا تلد ولا أرض ولا أي شيء من مقومات هذه الحياة مهما كان عظيما قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة/24] سمت المسلم أن دينه عنده أعظم وأغلى وأعلى من كل شيء في الحياة سمة الأمة أنها أمة دين وعقيدة وإيمان ويقين لا تنفك عنه ولا تنقطع صلتها به ولا عز لها كما قال الفاروق إلا بالتشبث به وأن ذلها يوم تبتعد عنه أو تعرض عنه هذا السمت المهم نذكره اليوم من سمات المسلمين وصبغة الأمة الإسلامية ونحن نمر بحدث مهم سموه نكبة فلسطين وخروج أهلها منها قصراً وقهراً وظلماً وعدوانا واحتلال الأرض واستلاب الثروة وانتهاك المقدسات من شذاذ الأرض وأفاك الدنيا الذين تجمعوا على غير شيء يجمعهم بعد أن أعطاهم من لا يملك وعد لمن لا يستحق وبعد أن تجيش كل من كان يناصب الإسلام وأهله العداء من قوى كبرى وعظمى ومن مؤسسات دولية وهيئات سياسية لتزرع في قلب الأمة جسماً غريباً عنها ومعادياً لها ومبايناً لمعتقدها وأخلاقها وثقافتها وحياتها الاجتماعية وتاريخها الحضاري في كل شيء اختلاف وتباين وتعارض وتناقض واليوم في الوقت نفسه ثمة احتفالات بمرور 60 عام على قيام هذا الكيان الغاصب والاحتفال حينئذ يعد لوناً من ألوان العدوان وصورة من صور تكريس هذه المؤامرة الإجرامية بالقوانين الأرضية قبل الشرائع السماوية التي نعرفها جميعاً ثم نتحدث هنا في وقفات سريعة عن قضايا مهمة وهذه القضايا أربطها مرة أخرى بقضيتها وموضوعنا الدائم الذي نتحدث عنه سمت المسلم وصبغة المسلمين هل أنت أيها المسلم رجل تجعل دينك هو الأول في حياتك لأجله تحب وتبغض وتوالي وتعادي به تقيس الأمور وتزن الأشخاص وتعرف الأحداث لأجله تسبي مالك وتقدم روحك أم أن دينك ورائك ظهرياً وصار غيره من أمور حياتك هو الذي يسيرك يشغل فكرك ويستنفذ جهدك ويستغرق وقتك ويأخذ كل مشاعرك حينئذ يكون أمرك وحالك في خطر عظيم لأن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - عاش لدينه ويقينه وترك لأجل ذلك أرضه وبلده وقاس الشدائد وصبر في الأذى ومر بالمعاناة وحتى آخر لحظة من لحظات حياته وهو يودع الدنيا لينتقل إلى الرفيق الأعلى هل أوصى بدرهم ودينار هل انشغل بزوجة وأبناء كلا بل كان يقول (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) (1) (لا تجعلوا قبري عيدا) (2) إلى آخر لحظة يصور لنا القرآن امتثال النبي لأمر الرحمن وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر/99] حتى آخر خفقة قلب لرسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - وهو موصول بأمته مشغول بدينه وعلى هذا ربى أصحابه فإذا بسعد ابن ربيع يوم أحد بعد انجلاء المعركة يسأل عنه الرسول فيتفقده الأصحاب وهو في آخر أنفاسه فيقول: " وأبلغ رسول الله السلام وقل لقومي ليس فيكم خير قط إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف " مرة أخرى لم يذكر زوجة ولا ولد ولا مال وسيدنا أبو أيوب الأنصاري يوم ذهب مجاهداً إلى الأرض البعيدة يروم أن يكون من المحققين لنبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم - في فتح القسطنطينية وعندما يمرض يسألونه وهو عندهم من أصحاب النبي ماذا تريد: " قال ادفنوني عند آخر موضع تصل إليه خيول المسلم " ليسجل أنه أراد أن يضع بصمة بجسده العليل الكليل ليقول إنه يخدم هذا الدين ويسخر نفسه لأمة الإسلام والمسلمين والأمة كذلك مربوط بدينها في قيادتها وفي جمهورها فسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - يوم اعتدى يهودي على امرأة واحدة فكشف سوءتها ما انتظر بل بادر وحاصر وأجلى ورحل من أساؤوا ونقضوا العهود والمواثيق وكلكم يعرف ماذا صنع المعتصم عندما صاحت امرأة واحدة فتحركت دولة كاملة وأمة واحدة لتنتصر وتعلن الوحدة وترفع راية العزة لذلك كانت الأمة قوية لا بكثرة جنودها وجيوشها ولا بسعة أرضها وعديد شعبها بل بعظمة ارتباطها بدينها وتسخيرها كل مقدراتها لإيمانها ويقينها. هذا هو المحور المهم والنكبة الحقيقية العظمى يوم يتخلى المسلم عن دينه ويوم تنبت صلة الأمة بعقيدتها حينئذ تعطي الدنية في دينها وتطأطأ رأسها وتضعف قوتها ويذهب ريحها وتنشق صفوفها ويصيبها الوهن ويدب فيها الداء الذي أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قال (تتداعى عليكم الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها قالوا أو من قلة يومئذ نحن يا رسول الله قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفنكم في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت) (3) مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة/38] جاذبية في هذه الدنيا بشهواتها وملذاتها أقعدت كثيرين إلى الأرض أخلدت بهم إلى الطين لم تعد أرواحهم تحلق إلى الملأ الأعلى لم تعد أنفسهم إلى معالي الأمور لم تعد صفوفهم تتوحد لمواجهة الكبائر العظمى التي تستهدف أصل الدين والمعتقد والمقدسات والمحرمات التي كانت غيرة رسول الهدى - عليه الصلاة والسلام - عظيمة لم يكن يغضب لنفسه فإذا انتهكت محارم الله لن يقم لغضبه قائمة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

نكبتنا في هذا ا لباب ومن هنا انتقل في إيجاز يضيق المقام عن ذكره في أمور مهمة وقواعد كلية تحقق هذا الارتباط أولها المفاهيم الإسلامية العقدية الكلية لا تتبدل ولا تتغير ذلك من سمت المسلم وصبغة الأمة فإن غيرنا فقد غيرنا في سمتنا وصبغتنا صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة/138] يقول الحق - سبحانه وتعالى -: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج/39، 40] من سيغيّر الحق في هذه الآية الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ في كل عصر وزمان وأخرج أهل فلسطين بغير حق إلا أنهم مسلمون مؤمنون مرابطون في بيت المقدس في مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليغتصبه الصهاينة المجرمون الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وروى عبدالله ابن عنز عند البخاري في صحيحه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (4) وعند مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يعتدي على مالي فما أفعل قال رده عنه قال يا رسول الله فإن قاتلني قال إذن فقاتله قال فإن قتلني قال فأنت شهيد قال فإن قتلته قال فهو في النار) (5) وعند أبي داوود في سننه والنسائي في سننه وأحمد في مسنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رواية سعيد ابن زيد أن الرسول قال - عليه الصلاة والسلام - (من قتل دون ماله فهو شهيد من قتل دون أهله فهو شهيد من قتل دون دمه فهو شهيد من قتل دون دينه فهو شهيد) (6) قال الترمذي حديث حسن صحيح، من سيبدل أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سيغطي الشمس بغربال من سيقول انسوا هذه الآيات واتركوا هذه الأحاديث إننا نحفظها لأبنائنا قبل أن يبلغ 7 سنوات وقبل أن يبلغوا الحلم إننا نجعلها دماً يجري في عروق أبنائنا وهم ينتسبون إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم فيعرفون سيرته ويحفظون أحاديثه ويترسمون خطاه ويجعلونه قدوته العظمى - عليه السلام -. وترجمة البخاري في صحيحه باب فقال فيه (باب الجهاد ماضي إلى يوم القيامة مع البر والفاجر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيل معقود في نواصيه الخير إلى يوم القيامة) إذاً مفاهيم دينكم لا تبدلوها لأجل السياسيات الكاذبة لا تغيروها لأجل القيادات المنافقة لا تغيروها لأجل القرارات الجائرة لأن كتاب الله أعظم من كل ذلك.. وإن سنة النبي أثبت وأبقى من كل ذلك، وإن الحق في كتابنا وديننا وعقيدتنا لا يتبدل ولا يتغير مطلقاً وذلك من سمت المسلم وصبغة الأمة الإسلامية وثانيةٌ من حياة الناس نقول فيها إن الواقع الظالم لا يلغي الحق مهما طال الزمان ومهم تغيرت الأحوال ومهما تغيرت اللغات التي نتحدث بها أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس/35] سبحان الله كيف نرى اليوم في بعض أبناء أمتنا وبل وفي بعض قادتنا من يسيرون مع الباطل في ركبه يكثرون سواده وينطقون بلسانه ويفكرون بعقله ولا استبعد أن تخفق قلوبهم بمشاعره ووالله لو كان كلهم كذلك لما غير ذلك من الحق شيئا فإن الواقع إذا كان مؤسسا على باطل فهو باطل إلى قيام الساعة ولقد جعل الحق - سبحانه وتعالى - الاعتداء على النفس مقرونا بالإخراج من الأرض لأنه شبيهه فأن تخرجني من أرضي التي عشت فيها فأنت تقتلني قتلا ربما كان أعظم في فتكه وألمه من القتل الذي ينتهي في لحظات وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [البقرة/84، 85] هذه صورة مهمة ينبغي أن نوقن بها وأن نعرفها.

وثالثة في هذا المقام نخبر بها فيما ذكره الكتاب العزيز لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر/8] أصحاب حق لأن الدين والكتاب العظيم ينص على ذلك أصحاب حق لأن الفطرة السوية البشرية تنطق بذلك أصحاب حق لأن الواقع التاريخي يشهد بذلك أصحاب حق لأن قوانين الأرض التي صاغتها هذه المؤسسات السياسية تنص على ذلك ولن يبطل ذلك واقع ظالم.

وأخيراً الحقوق الدينية والفردية لا يمكن التنازل عنها لأن الدين حق للأمة كلها ولأن حق الفرد لا يسقط إلا بتنازلهم ومن هنا نفقه غيرة الفاروق عمر - رضي الله عنه - وهو يغار ويتحدث بشيء من الغضب بين يدي من ويوجه حديثه لمن لسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - فيأتيه يوم الحديبية وهو يريد أن يكتب الصلح وأن تضع الأرض أوزارها (يا رسول الله ألسنا على الحق قال بلى أليسوا على الباطل قال بلى قال فعلى ما نعطي الدنية في ديننا) (7) ما كان للفاروق أن يقول ذلك لولا أنه تقرب عنده بتعليم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن الدين والحق أعظم من أن يجامل فيه نعم قال له الرسول (إني رسول الله ولن يضيعني) رده إلى أن الرسول مسدد بالوحي وغيره ليس كذلك فثبت النبي صحة اعتراضه ورده إلى أمر لا يدركه أحد من الخلق وهو أمر الوحي الذي ينظر إلى ما وراء الغيب بأمر الله - سبحانه وتعالى - وعندما يكون لي أرض أو بيت فلا يصح لأحد ولا لحكومة ولا لقيادة أن تتنازل عنه بأي حق تصنع ذلك هي لا تستطيع أن تأخذه مني إلا عن رضى أو في مصلحة عامة يقرر الشرع أنها عامة ولذلك ليس لأحد أن يتنازل عن أرض فلسطين لأنها وقف للمسلمين لأن المسجد الأقصى يتعلق به المسلم في الصين وفي اندونيسيا كما يتعلق به المسلم في أقصى الغرب في موريتانيا والمغرب ليس أحد أولى به من أحد وليس لأهله أو لمن يكونوا في أرضه أن يكونوا أحق به فيقولوا نحن نتنازل عنه إنه ليس ملكاً لهم إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - أسري به إليه ليقول لنا الله - جل وعلا - أننا أمة الإسراء أمة هذه الأرض وصلى بالأنبياء جميعاً إماماً لتقول لنا السيرة إننا وراث كل النبوات ونحن أولى بكل الأنبياء من كل أهل الأرض لأننا نؤمن بهم جميعاً ولا نفرق بين أحد منهم وإلا لعرج بالنبي من مكة إلى السماوات العلا أسري به إلى هناك ثم عرج به من هناك وتأملوا حديث أبي ذر (أي المساجد بني أول قال بيت الله الحرام قال ثم أي قال المسجد الأقصى كم بينهما قال أربعون) (8) والحديث الثاني (أعدد ست بعد موتي أولها فتح بيت المقدس) (9) حديث أم المؤمنين (إن حيل بيننا وبين الصلاة فيه ولو أن ترسل زيتاً فتسرد فيه مصباحاً) لئن لا تنقطع صلتنا ببيت المقدس مهما كانت الظروف والأحوال والأمر في هذا غير أني أردت أن أقول كلمة واحدة إن الأمر سمت المسلم وصبغة المسلمين إنه الدين والحق وإنه كذلك الأمر الذي له أثره على مستوى الأمة.

نسأل الله - عز وجل - أن يرد إلينا ما اغتصب منا من ديار الإسلام والمسلمين وأن يجعل الدائرة على المجرمين المعتدين الغاصبين من الصهاينة المجرمين ومن أعانهم من أهل الأرض أجمعين.

الخطبة الثانية:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه وإن أعظم التقوى الارتباط بالدين وجعله هو محور الحياة للمسلمين وثلاث نقاط أقولها في أمرٍ مهم يبين لنا ذلك:

أولها بعد أن قررنا هذا المعنى المهم اجعلوه مقياسكم في ما يزن اليوم وما بعده من الأيام فإن أعدائنا الذين يحتفلون باغتصاب أرضنا عندما نراهم يجوسون خلال ديارنا وعندما نرى أن بعض أبناء جلدتنا وبعض قادتنا قد يعطونهم من الولاء ومن الترابط أكثر مما يعطون من أبناء جلدتهم وإخوانهم في عقيدتهم فالأمر ظاهر بمقياسنا.

وأمر ثاني مهم أهل الأرض لم يفرطوا بأرضهم مازال 88% منهم إما داخلها وإما محيطين بها لا تبعد مسافتهم عن ديارهم بأبعد من 150 كيلاً - كيلو متراً - وهم كذلك إلى يوم الناس هذا ورثوا صلتهم بأرضهم لأبنائهم وأحفادهم وكلكم يسمع ذلك ويراه وهم أيضاً اليوم جددوا عهدهم على مقاومة عدوهم وسجلوا خيارهم في انتخاباتهم ورفعوا رؤوسهم وصمدوا في وجه حصارهم وهم يمثلون قمة من قمم هذا الارتباط في الدين والثبات على اليقين وهم اليوم في حال خير مما سبق وعدوهم يخشاهم أكثر مما مضى والأمر في هذا يطول وقصتنا فيه ربما نعاود الحديث إليها.

والثالثة الكيان الذي لا يقهر والجيش الذي لا يغلب أصبح نكتة وأضحوكة لم لن يعش الوهم السياسي الكاذب الخادع فإننا نراه اليوم يبنون الجدر دليلا على الانكسار وينسحبون من المناطق دليلاً على الانهزام والاندحار ونراهم وقد قالت إحصاءاتهم أن 6% منهم فقط يشعرون بشيء من الأمان داخل هذا الكيان الغاصب وجيشهم يفر جنودهم وهذا يتزايد عدده ويظهر على شاشة تلفزتهم وفوق ذلك المهاجرون شداد الأرض بدؤوا يرحلون عنها وأعدادهم أقل وأعدادنا تزيد ووعد الله صادق والحق الذي نلمسه في الأرض ناطق فمن كان لا يوقن بذلك فقد أوهى يقينه وإيمانه وقد أضعف عقله وتفكيره لأنه لن يرجع إلى اليقين الذي يوقن به وإن كان الواقع يخالفه ولم يقرأ الواقع لأنه يسمع الكلام الباطل ويكذب عينه وما تسمعه أذنه من نبض تلك الأرض وأهلها نسأل الله - جل وعلا - أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً وأن يجعلنا به مستمسكين ولهدي نبيه صلى الله وعليه وسلم متبعين ولآثار السلف الصالح مقتفين وبوحدتنا معتصمين.

--------

الهوامش:

(1) مسند أحمد (27240)،

(2) سنن أبى داود (2044)، مسند أحمد (9039).

(3) سنن أبى داود (4299).

(4) صحيح البخاري (2480).

(5) صحيح مسلم (377).

(6) سنن أبى داود (4774)، سنن النسائي (4112)، مسند أحمد (1674).

(7) صحيح البخاري (3182).

(8) صحيح البخاري (3366)، صحيح مسلم (1189).

(9) صحيح البخاري (3176).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة