حكم تشريح جثة المسلم
عدد القراءات : 7663

الحمد لله وحده، وبعد...فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ موضوع: (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

حكم تشريح جثة المسلم:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد:

فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة الثامنة المنعقدة بالرياض في شهر ربيع الآخر عام 1396 هـ من إعداد بحث في (حكم تشريح جثة مسلم من أجل تحقيق مصالح وخدمات طبية) وإدراج ذلك في جدول أعمال الدورة التاسعة، أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك، وضمنته ما يأتي:

أولا: بيان حرمة المسلم، ووجوب تكريمه حيا وميتا، وعصمة دمه حيا.

ثانيا: بيان أقسام التشريح والحاجة الداعية إلى كل قسم منها، وما يترتب على ذلك من مصالح.

ثالثا: ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم، واقتضت شق جسمه أو جثته أو قطع عضو منه حيا أو ميتا.

رابعا: المقارنة بين ما أباحه علماء الإسلام من ذلك بدافع الضرورة وتحقيق المصلحة وما يجريه الأطباء على جثث الأموات لمصالح طبية أو مصالح عامة، كإثبات الحقوق وحفظ الأمن وتحقيق السلام والاطمئنان، ثم بيان ما يترتب على ذلك من منع التشريح أو إباحته.

والله الموفق.

الموضوع الأول: بيان حرمة المسلم ووجوب تكريمه حيا أو ميتا وعصمة دمه ووجوب حقنه حيا:

ثبتت عصمة دم المسلم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يحل لأحد أن يسفك دم مسلم أو يجني على بشرته أو عضو من أعضائه إلا إذا ارتكب من الجرائم ما يبيح ذلك منه أو يوجبه شرعا، كأن يقتل مؤمنا عمدا عدوانا، أو يزني وهو محصن، أو يترك دينه ويفارق الجماعة، أو يحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادا، أو نحو ذلك مما أوجبت الشريعة فيه قصاصا أو حدا أو تعزيرا، قال الله - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [سورة النساء الآية: 92] إلى قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [سورة النساء الآية: 93] وقال - تعالى -: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) [سورة الإسراء الآية: 33]

وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، قال: ((أتدرون أي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليست بالبلدة الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟)) قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب؛ فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض))[1].

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه- قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين، التارك الجماعة ))[2].

كما وردت نصوص كثيرة في تكريمه ورعاية حرمته بعد موته: ففي سنن أبي داود وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كسر عظم الميت ككسره حيا))[3]، وثبت ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجلوس على القبور ))[4].

إلى غير ذلك مما يدل على عصمة دم المسلم، ووجوب تكريمه حيا أو ميتا، حتى صار ذلك معلوما من الدين بالضرورة، فأغنى عن الاستدلال عليه.

ويلتحق بالمسلم في عصمة دمه وحرمته -في الجملة- من كان معاهدا، سواء كان عهده عن صلح أو أمان أو اتفاق على جزية، فلا يحل دمه ولا إيذاؤه ما دام في عهده، ولا تحل إهانته بعد وفاته؛ لعموم قوله - تعالى -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [سورة النحل الآيتان: 91- 92]، وقوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [سورة الإسراء الآية: 34] ولما ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة))[5].

وقال: ((من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما))[6]، وما ثبت في حديث علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))[7].

وما رواه أبو داود في سننه عن سليم بن عامر -رجل من حمير - أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءً لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية، فسأله، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء))[8] فرجع معاوية.

بل جاء الإسلام بحقن دماء أولاد الكفار المحاربين ونسائهم، وتحريم التمثيل بقتلاهم -في الجملة- عدلا منه ورحمة، كما هو معروف في حديث بريدة بن الحصيب وغيره في ذلك.

وفي سنن أبي داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كسر عظم الميت ككسره حيا))[9].

الموضوع الثاني: بيان أقسام التشريح والضرورة الداعية إلى كل منها وما يترتب على ذلك من مصالح:

ينقسم التشريح من حيث الغرض منه إلى ثلاثة أقسام:

أ - التشريح لمعرفة سبب الوفاة عند الاشتباه في جريمة، ويسمى الطب الشرعي.

ب - التشريح لمعرفة سبب الوفاة عموما، ويسمى التشريح المرضي.

ج - التشريح لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه وغير ذلك من أجل تعلم الطب عموما.

وليس المقصود من البحث الاستقصاء في معرفة تفاصيل ما كتب عن هذه الأقسام؛ إذ ليس الغرض تعلم أنواع التشريح أو نوع منه، وإنما المقصود معرفة الحاجة إليه ومداها، وما يترتب عليه من مصالح عامة أو خاصة تخول الحكم عليه بالمنع والجواز، فكان من المناسب الوقوف بالبيان عند الحد الذي يمكن معه الحكم.

ففي القسم الأول: يقوم الطبيب الشرعي بتشريح الجثة عند الاشتباه في جريمة؛ ليعرف ما إذا كانت الوفاة نتيجة اعتداء بخنقٍ، أو وخزٍ، أو ضربٍ بمحددٍ، أو سقيِ سم، أو غير ذلك من ألوان الاعتداء، فتثبت الجريمة في نفسها، ثم يبحث في المتهم عن أمارات قد تصله بالجريمة أو تنتهي إلى اعترافه بها، وفي هذا إثبات للحق والحد من الاعتداء، وردع من تسول له نفسه أن يقتل خفية أو بوسائل يرى فيها الخلاص من ضبطه وعقوبته، وبهذا تحقن الدماء وتحفظ النفوس، ويعم الأمن والاطمئنان.

وقد ينتهي التشريح بإثبات الوفاة بسبب عادي لا اعتداء فيه أو باعتداء من الشخص على نفسه، ويتأكد ذلك بمعرفة أحواله والأمور الملابسة له مما قد يحدث له أزمات ومضايقات نفسية، وبهذا تذهب الظنون والأوهام، ويخلى سبيل المتهم، وربما يعثر على بعض الجثة، فبالبحث عن باقيها يعثر على أجزاء أخرى قد تكون منها، وقد تكون من غيرها، فيعرف الطبيب الشرعي بالتشريح أوصاف كل جزء ومميزاته من حيث السن، والذكورة والأنوثة، وطول العظام وقصرها وخواص الجلد، وما إلى ذلك من الأوصاف المميزة، وقد يتوصل بذلك إلى أن الأجزاء من جثة واحدة أو أكثر، وربما انتهى الأمر بالبحث والاستقصاء إلى نتيجة تعود على أولياء الدم بالخير، وعلى الأمة بالأمن والاطمئنان.

وفي القسم الثاني: من التشريح يعرف الطبيب المرض الذي سبَّبَ الوفاة، وقد تكثر الوفاة بسبب هذا المرض، ويخشى على الأمة انتشار الوباء فيها، فيبلغ الطبيب أولياء الأمور ليقوموا بما يلزم للحد من انتشار هذا المرض أو القضاء عليه.

وفي القسم الثالث: يقوم الطلاب بتشريح أجسام الموتى تحت إشراف الأطباء لمعرفة تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة ومفاصلها، ومعرفة أجهزته ومكان كل جهاز منها ووظيفته وحجمه، ومقاسه صحيحا أو مريضا، وعلامة مرضه، وكيفية علاجه، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته طلاب كلية الطب في مراحل الدراسة للنهوض بهم علميا وعمليا، وإعدادهم لخدمة الأمة في مختلف الجوانب الصحية، وقاية منها، وتشخيصا وعلاجا لها.

هذه وغيرها هي الدواعي التي دعت المسئولين عامة وعلماء الطب خاصة إلى الإقدام على تشريح جثث الموتى، وترخص للمسلمين منهم في ذلك مع اعتقادهم حرمة المسلم ومن في حكمه ووجوب تكريمه، لكن هل يكفي ذلك مبررا للتشريح ومرخصا فيه أو موجبا له؟ هذا مما يتبين إن شاء الله بعد بحث الموضوعات التالية.

الموضوع الثالث: ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالات دعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم واقتضت شق جسمه حيا أو جثته أو قطع عضو منه حيا أو ميتا:

تمهيد:

نظرا إلى أن من أقدم على التشريح من علماء الطب والمسئولين في الأمم قد بنوا ذلك على ما شعروا به من الحاجة إليه، وما اعتقدوه من المصالح الخاصة والعامة المترتبة عليه، ونظرا إلى أن علماء الإسلام قد بنوا ما استثنوه من القاعدة العامة في عصمة دم المسلم ومن في حكمه، ووجوب رعاية حرمته على الحاجة والمصلحة، كان لزاما علينا أن نمهد بكلمة في أنواع المصلحة ومراتبها، ثم نتبع ذلك بأقوال علماء الإسلام في المسائل المستثناة؛ ليتبين بذلك ما ينهض من المصالح للاعتبار وبناء الأحكام عليه، وما ينزل منها عن درجة الاعتبار، فلا تبنى عليه الأحكام.

فسر العلماء المصلحة: بجلب المنفعة أو دفع المضرة.

وقسموها من حيث شهادة نص معين لها بالاعتبار، أو عليها بالإلغاء، أو عدم شهادته لها أو عليها ثلاثة أقسام:

الأول: مصلحة شهد لها نص معين بالاعتبار: كالحدود التي شرعت نصا لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فهذه مصلحة معتبرة شرعا.

والثاني: مصلحة شهد النص المعين بإلغائها: كإيجاب صيام شهرين متتابعين كفارةً على من جامع من الملوك ومن في حكمهم عمداً في نهار رمضان وهو صائم، ولم ير العتق مجزئا؛ لكونه غير رادع لمثله؛ لسهولته بالنسبة له، فهذه مصلحة ملغاة.

والثالث: مصلحة لم يشهد نص معين باعتبارها ولا بإلغائها: ومثلوا لها بإلزام الولاة رعيتهم بدفع ضرائب عند شدة الحاجة إليها، ويسمى هذا القسم بـ: (المصلحة المرسلة)، وفي الاحتجاج بها خلاف مشهور بين أئمة الفقهاء: فمنهم من اعتبرها، ومنهم من ألغاها، ومنهم من اعتبرها إذا كانت واقعة في رتبة الضرورات دون الحاجات والتحسينات.

وذلك أنها تقسم من حيث القوة إلى ثلاث مراتب: واقعة في رتبة الضرورات، وواقعة في رتبة الحاجات، وواقعة في رتبة التحسينات، فأقواها الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.

وقد ذكر الغزالي تفصيل ذلك[10]، وفيما يلي نصه: الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح:

وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة، ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها، فنقول: المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام:

أ - قسم شهد الشرع لاعتبارها.

ب - وقسم شهد لبطلانها.

ج - وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها.

القسم الأول: أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة، ويرجع حاصلها إلى القياس، وهو: اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع، وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع، فإنه نظر في كيفية استثمار الأحكام من الأصول المثمرة، ومثاله: حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر؛ لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف، فتحريمُ الشرع الخمرَ دليلٌ على ملاحظة هذه المصلحة.

القسم الثاني: ما شهد الشرع لبطلانها، مثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي.

القسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وهذا في محل النظر، فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر، وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات، وإلى ما هي في رتبة الحاجات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات، وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات.

ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها.

ولنفهم أولا معنى المصلحة، ثم أمثلة مراتبها:

أما المصلحة فهي: عبارة -في الأصل- عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس.

وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص؛ إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب؛ إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا؛ إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق؛ إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق؛ ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر، والقتل، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر، أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة: فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء القصاص؛ لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: القليل من الخمر إنما حرم؛ لأنه يدعو إلى الكثير فيقاس عليه النبيذ، فهذا دون الأول؛ ولذلك اختلفت فيه الشرائع، أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة؛ لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد.

الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه يحتاج إليه في اقتناء المصالح، وتقييد الاكتفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في المأكل، وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله؛ فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها مصالح الخلق، أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل، بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر، والتظاهر بالأصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة إليها.

أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا: لا تزوج الصغيرة إلا من كفء بمهر مثل، فإنه أيضا مناسب، ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح، ولهذا اختلف العلماء فيه.

الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، من حيث إن العبد نازل القدر والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة.

أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات؛ لأن ذلك مناسب للمصلحة؛ إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة، فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل، أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى، ولكن قول القائل: سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقوله: سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه؛ فإن ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا، وهذا لا ينفك عن الانتظام لو صرح به الشرع.

ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى، بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن يعتذر عنه، والمناسب قد يكون منقوصا فيترك، أو يحترز عنه بعذر أو تقييد كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها وفي نكاح الكفء، فهو في الرتبة الثالثة؛ لأن الأليق بمحاسن العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد؛ لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على أحسن المناهج.

وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من قبيل الحاجات، ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة -على الجملة- فيلحق برتبة التحسينات.

فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول: الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، كأن يجري مجرى وضع الضرورات فلا بُعْدَ في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس.

أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بُعْدَ في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال.

فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحةٍ عُلِمَ بالضرورةِ كونُها مقصودَ الشرع، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب غريبٌ لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف كلها ضرورة قطعية كلية، وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي الترس، إذ لا ضرورة وفينا غنية عن القلعة فنعدل عنها، إذا لم نقطع بظفرنا بها؛ لأنها ليست قطعية، بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم؛ لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين؛ لأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة، ولا أصل لها، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا، فلا رخصة فيه؛ لأن المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح، فإنه تنقدح الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به لمصلحته، وقد شهد الشرع للإضرار بشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما، وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد الطعام فهو كقطع اليد، لكن ربما يكون القطع لسبب ظاهرا في الهلاك، فيمنع منه؛ لأنه ليس فيه يقين الخلاص، فلا تكون المصلحة قطعية...

وبعد أن ذكر حكم الضرب في التهمة وقتل الزنديق ولو تاب، والساعي في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة وإغراء الظلمة بالناس وأموالهم وحرماتهم ودمائهم وإثارة الفتن قال: (فإن قيل): فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على استئصال الإسلام لو لم يقصد الترس، بل يدرك ذلك بغلبة الظن، قلنا: لا جرم، ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة، وعللوا بأن ذلك مظنون، ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا صار كليا، وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه.

فإن قيل: إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك، وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته المجربة طول عمره، قلنا: لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك، بل هو أولى من الترس؛ فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة وإن لم توجب القتل، وكأنه التحق بالحيوانات الضارية؛ لما عرف من طبيعته وسجيته.

فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة، وفي مسألة الترس؟، وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) [سورة النساء الآية: 93] وقوله - تعالى -: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [سورة الأنعام الآية: 151]، وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟

فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها حظر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء للمسلمين، ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله -تعالى-؟.

قلنا: لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد، ولا يبعد المنع من ذلك، ويتأيد بمسألة السفينة، وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة؛ إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا، وتترس بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا في مخمصة إلى أكل واحد، وإنما نشأ هذا من الكثرة، ومن كونه كليا، لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد، وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح، ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل، ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم، وإن كان التحريم عاما، ولكن نخصصه بغير هذه الصورة، فكذلك هاهنا التخصيص ممكن.

وقول القائل: هذا سفك دم محرم معصوم يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع، والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل. اهـ.

وبعد ما تقدم من التهميد بالحديث عن المصالح، وبيان ما يصلح منها للاعتبار وبناء الأحكام عليه، وما لا يصلح لذلك نذكر مسائل فقهية لا تعدو أن تكون نظرية اجتهادية، وقد بنى الفقهاء حكمهم فيها نفيا وإثباتا على رعاية المصلحة.

ومن هذه المسائل ضرب من تترس به الكفار من أسارى المسلمين مثلا في الحرب، وشق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي بالأمارات، ورمي أحد ركاب سفينة خشي عليهم الغرق، فيرمى أحدهم بقرعة لينجو الباقون، وأكل مضطر من جثة إنسان ميت إنقاذا لنفسه من الهلاك، وتبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الإهلاك به وفيهم النساء والصبيان.

وفيما يلي بيان أقوال فقهاء الإسلام في هذه المسائل، وما بنوه عليه من الدليل والمصلحة.

المسألة الأولى: ضرب أو رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين:

سبق في التمهيد أن ذكر الغزالي هذه المسألة، وبين أنها مبنية على مصلحة واقعة في رتبة الضرورات، حيث إن رمي الكفار وقتلهم بما يستتبع قتل أسارى المسلمين أو إصابتهم فيه نصر المسلمين وحفظ دينهم وديارهم، ونفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذه من الضرورات التي اتفقت الشرائع على حفظها، وفيه أيضا تقديم المصلحة العامة للإسلام وللأمة على المصلحة الخاصة، وهي حفظ دماء المسلمين الذين تترس بهم الكفار، وهذا يتفق مع قاعدة تقديم أقوى المصلحتين عند تعارضهما، وارتكاب أدنى المفسدتين وأخفهما؛ تفاديا لأشدهما، فكان رمي الكفار قصدا بما يستتبع قتل متترسهم من المسلمين متفقا مع مقاصد الشريعة، لكن لما تعارضت مصلحة حفظ دماء أسرى المسلمين أو من بين الكفار من المسلمين حين الحرب، ومصلحة الجهاد وما يترتب عليه من منافع، وما يترتب على تركه من مضار، كانت المسألة مثار خلاف بين الفقهاء، فرأى بعضهم قتال الكفار بما يعم كالرمي بالمنجنيق والإغراق والغازات الخانقة وأمثالها إن لم يتغلب عليهم إلا بذلك؛ رعاية للمصلحة العامة، ورأى آخرون: أنه لا يجوز رميهم بما يعم.

وفيما يلي نصوص يتبين منها خلاف الفقهاء في ذلك وما استند إليه كل منهم من دليل أو تعليل:

‌أ-   قال السرخسي: ولا بأس بإرساله الماء إلى مدينة أهل الحرب وإحراقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين أسرى أو تجار.

وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: إذا علم أن فيهم مسلما، وأنه يتلف بهذا الصنع لم يحل له ذلك؛ لأن الإقدام على قتل المسلم حرام، وترك قتل الكافر جائز، ألا ترى أن للإمام ألا يقتل الأسارى لمنفعة المسلمين، فكان مراعاة جانب المسلم أولى من هذا الوجه، ولكنا نقول: أمرنا بقتالهم، فلو اعتبرنا هذا المعنى لأدى إلى سد باب القتال معهم، فإن حصونهم ومدائنهم قل ما تخلو من مسلم عادة، ولأنه يجوز لنا أن نفعل ذلك بهم وإن كان فيهم نساؤهم وصبيانهم، وكما لا يحل قتل المسلم لا يحل قتل نسائهم وصبيانهم، ثم لا يمتنع ذلك لمكان نسائهم وصبيانهم فكذلك لمكان المسلم فلا يستقيم منع هذا، وقد روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نصب المنجنيق على الطائف وأمر أسامة بن زيد - رضي الله عنه - بأن يحرق، وحرق حصن عوف بن مالك.

وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم، وإن كان الرامي يعلم أنه يصيب المسلم، وعلى قول الحسن - رضي الله عنه - لا يحل له ذلك، وهو قول الشافعي؛ لما بينا أن التحرز عن قتل المسلم فرض، وترك الرمي إليهم جائز.

ولكنا نقول: القتال معهم فرض، وإذا تركنا ذلك لِما فعلوا أدى إلى سد باب القتال معهم، ولأنه يتضرر المسلمون بذلك؛ فإنهم يمتنعون من الرمي لأنهم تترسوا بأطفال المسلمين فيجترئون بذلك على المسلمين، وربما يصيبون منهم إذا تمكنوا من الدنو من المسلمين، والضرر مدفوع، إلا أن على المسلم الرامي أن يقصد به الحربي؛ لأنه لو قدر على التمييز بين الحربي والمسلم فعلا كان ذلك مستحقا عليه، فإذا عجز عن ذلك كان عليه أن يميز بقصده؛ لأنه وسع مثله. اهـ.

‌ب-  وفي كتاب الجهاد من [بداية المجتهد] لابن رشد: اتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمنجنيق، سواء كان فيها نساء وذرية أم لم يكن؛ لما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف[11]، وأما إذا كان الحصن فيه أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين فقالت طائفة: يكف عن رميهم بالمنجنيق، وبه قال الأوزاعي، وقال الليث: ذلك جائز، ومعتمد من لم يجزه قوله - تعالى -: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [سورة الفتح الآية: 25] وأما من أجاز ذلك فكأنه نظر إلى المصلحة.

‌ج-   وقال في [الأم] قال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون، فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها السكان، إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصن، فلا بأس أن ترمى بيوته وجدرانه، فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون، وإذا تترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون - فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان، وإن كانوا غير ملتحمين أحببت له الكف عنهم حتى يمكنهم أن يقاتلوهم غير متترسين، وهكذا إن أبرزوهم فقالوا: إن رميتمونا وقاتلتمونا قتلناهم، والنفط والنار مثل المنجنيق، وكذا الماء والدخان[12]. اهـ.

‌د-   وقال محمد الشربيني الخطيب الشافعي: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر) أو نحوه (جاز ذلك)، أي: الرمي بما ذكر وغيره (على المذهب)؛ لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم، وقد لا يصيب المسلم وإن أصيب رزق الشهادة.

تنبيه: تعبيره بالجواز لا يقتضي الكراهة، سواء اضطروا إلى ذلك أم لا، وملخص ما في [الروضة] ثلاثة طرق: المذهب: إن لم يكن ضرورة كره تحرزا من إهلاك المسلم، ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة كخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به جاز قطعا، وكالمسلم الطائفة من المسلمين، كما قاله الرافعي، وقضيته عدم الجواز إذا كان في المسلمين كثرة وهو كذلك (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء) وخناثى (وصبيان) ومجانين منهم (جاز) حينئذ (رميهم) إذا دعت الضرورة إليه، ونتوقى من ذُكر؛ لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، وطريقا إلى الظفر بالمسلمين؛ لأنا إن كففنا عنهم لأجل التترس بمن ذكر لا يكفُّون عنا، فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لمن ذكر (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم، ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم) وجوباً؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة، وقد نهينا عن قتلهم، وهذا ما رجحه في [المحرر].

والثاني -وهو المعتمد كما صححه في [زوائد الروضة]-: جواز رميهم، كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد، أو حيلة إلى استبقاء القلاع لهم، وفي ذلك فساد عظيم، واحترز المصنف بقوله: (دفعوا بهم عن أنفسهم) عما إذا فعلوا ذلك مكرا وخديعة؛ لعلمهم بأن شرعنا يمنع من قتل نسائهم وذراريهم، فلا يوجب ذلك ترك حصارهم ولا الامتناع من رميهم، وإن أفضى إلى قتل من ذكر قطعا. قاله الماوردي. قال في [البحر]: وشرط جواز الرمي أن يقصد بذلك التوصل إلى رجالهم.

(وإن تترسوا بمسلمين) ولو واحدا أو ذميين كذلك، (فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم) وجوبا؛ صيانة للمسلمين وأهل الذمة، وفارق النساء والصبيان -على المعتمد- بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد، فلم يجز رميهم بلا ضرورة، والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين، فجاز رميهم بلا ضرورة.

(وإلا) بأن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم حال التحام القتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم (جاز رميهم) حينئذ (في الأصح) المنصوص، ونقصد بذلك قتال المشركين، ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أعظم من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية.

والثاني: المنع إذا لم يتأت رمي الكفار إلا برمي مسلم أو ذمي، وكالذمي المستأمن[13]. اهـ.

‌ه-   وقال أبو محمد بن قدامة - رحمه الله -: وإن تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم جاز رميهم، ويقصد المقاتلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رماهم بالمنجنيق ومعهم النساء والصبيان[14]، ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم متى علموا ذلك تترسوا بهم عند خوفهم فينقطع الجهاد، وسواء كانت الحرب ملتحمة أو غير ملتحمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – لم يكن يتحين بالرمي حال التحام الحرب.

فصل: ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم فشتمت المسلمين أو تكشفت لهم جاز رميها قصدا؛ لما روى سعيد: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: ((لما حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها، فقال: ها دونكم فارموها فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها)).

ويجوز النظر إلى فرجها للحاجة إلى رميها؛ لأن ذلك من ضرورة رميها، وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام أو تسقيهم الماء أو تحرضهم على القتال؛ لأنها في حكم المقاتل، وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع قتله منهم.

وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم؛ لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم؛ لأنها حال ضرورة، ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم؛ لقول الله - تعالى -: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ) [سورة الفتح الآية: 25] الآية. قال الليث: ترك فتح حصن يقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة؛ لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد[15]. اهـ.

‌و-   وقال المرداوي في [الإنصاف]: قوله: وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار، وهذا بلا نزاع، وظاهر كلامه: أنه إذا لم يخف على المسلمين، ولكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي: عدم الجواز. وهذا المذهب نص عليه، وقدمه في [الفروع] وجزم به في [الوجيز]، وقال القاضي: يجوز رميهم حال قيام الحرب؛ لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد. وجزم به في [الرعاية الكبرى][16].

المسألة الثانية: شق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي:

شق بطن الميتة لإخراج ولدها الحي فيه انتهاك لحرمتها، ومخالفة للأدلة التي دلت على وجوب تكريمها وحرمة إيذائها، لكن فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم، وترك شق بطنها فيه تكريمها والمحافظة على حرمتها، لكن يلزمه القضاء على حياته، ومخالفة للأدلة الدالة على ذلك، فكان هذا التعارض منشأ اختلاف بين الفقهاء: فمنهم من منع شق بطنها رعاية لمصلحة تكريمها، ورأى أنها لا تهان لمصلحة غيرها، ومنهم من أجاز أو أوجب شق بطنها إن لم يمكن إخراج الولد منها حيا إلا بذلك؛ إيثارا لجانب الحي على جانب الميت، ويمكن أن يقال: إن رعاية عصمة الدم آكد من رعاية حرمة الميت؛ فإن الاعتداء على الميت بقطع رقبته، أو عضو من أعضائه مثلا لا يوجب قصاصا ولا دية، وإنما يوجب تعمده تعزيراً، بخلاف قتل الحي مسلما أو ذميا؛ فإنه يوجب في الجملة قصاصا أو دية، والمسألة على كل حال اجتهادية. ويلتحق بذلك شق بطن من مات لإخراج ما قد بلعه من الدنانير أو الدراهم أو نحوهما، حيث وقع فيه الخلاف أيضا، فمنهم من منعه رعاية لحرمة الميت، ومنهم من أجازه رعاية لحق المال.

وفيما يلي أقوال بعض الفقهاء في ذلك:

‌أ-   قال ابن المواق: (وبقر عن مال كثر ولو بشاهد ويمين)[17]. سحنون: يبقر عن دنانير في بطن الميت إلا على ما قل، عبد الحق: في كون ما قل دون ربع دينار أو نصاب الزكاة خلاف. وأجاب أبو عمران عن مقيم شاهد على ميت لم يدفن أنه بلع دنانير يحلف ليبقر بطنه قائلا: اختلف في القصاص بشاهد واحد [لا عن جنين] من [المدونة] قال مالك: لا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها.

وقال سحنون: إن كملت حياته ورجي خلاصه بقر، وقال ابن عبد الحكم: رأيت رجلا مبقورا على ناقة مبقورة، قال سند: وإذا بقر فمن خاصرتها اليسرى، ابن يونس: الصواب عندي البقر؛ لأن الميت لا يؤلمه. وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة خوف وقوع صبي أو أعمى في بئر، وقطع الصلاة فيه إثم، ولكن أبيح لإحياء نفس، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته إن ترك، والواقع في البئر قد يحيا فكان البقر أولى، ويحمل قول عائشة: كسر عظام الميت ككسرها حيا[18]. إذا فعل ذلك عبثا، وأما لأمر هو واجب فلا، ألا ترى الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عليه، ولم يكن آثما في فعل ذلك بنفسه أو بولده أو عبده مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت؟ قال اللخمي: إن كان الجنين في وقت لو أسقطته وهي حية لم يعش لم يبقر، وإن كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر، وكان متى بقر عليه رجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه، وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه، وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ميت (وتؤولت أيضا على البقر إن رجي)[19].

أما اللخمي وابن يونس فقد اختارا البقر كما تقدم، مصرحين بأنه خلاف قول مالك، وذكر ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال، (وإن قدر على إخراجه من محله فعل) قال مالك: إن قدر على أن يستخرج الولد من حيث يخرج في الحياة فعل[20]. اهـ.

‌ب-  قال أحمد الدردير: و (بقر) أي: شق بطن ميت (عن مال) له أو لغيره ابتلعه حيا (كثر) بأن كان نصابا (ولو) ثبت (بشاهد ويمين)، ومحل التقييد بالكثير إذا ابتلعه لخوف عليه أو لمداواة، أما لقصد حرمان الوارث فيبقر ولو قل، (لا) يبقر (عن جنين) رجي لإخراجه، ولا تدفن به إلا بعد تحقق موته، ولو تغيرت (وتؤولت أيضا على البقر) وهو قول سحنون، وقد تأولها عليه عبد الوهاب (إن رجي) خلاصه حيا وكان في السابع أو التاسع فأكثر (وإن قدر على إخراجه من محله) بحيلة (فعل) اللخمي: وهو مما لا يستطاع[21]. اهـ.

وقال النووي في [المجموع] على قول الشيرازي في المهذب[22]: (وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها؛ لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت).

الشرح: هذه المسألة مشهورة في كتب الأصحاب وذكر صاحب الحاوي أنه ليس للشافعي فيها نص، قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وخلائق من الأصحاب: قال ابن سريج: إذا ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها وأخرج، فأطلق ابن سريج المسألة، قال أبو حامد والماوردي والمحاملي وابن الصباغ: قال بعض أصحابنا: ليس هو كما أطلقها ابن سريج، بل يعرض على القوابل، فإن قلن: هذا الولد إذا أخرج يرجى حياته، وهو أن يكون له ستة أشهر فصاعدا شق جوفها وأخرج، وإن قلن: لا يرجى بأن يكون له دون ستة أشهر لم يشق؛ لأنه لا معنى لانتهاك حرمتها فيما لا فائدة فيه، قال الماوردي: وقول ابن سريج هو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء، (قلت): وقطع به القاضي أبو الطيب في تعليقه والعبدري في [الكفاية]، وذكر القاضي حسين والفوراني والمتولي والبغوي وغيرهم في الذي لا يرجى حياته وجهين: أحدهما: يشق، والثاني: لا يشق، قال البغوي: وهو الأصح، قال جمهور الأصحاب: فإذا قلنا: لا نشق لم تدفن حتى تسكن حركة الجنين، ويعلم أنه قد مات، هكذا صرح به الأصحاب في جميع الطرق... ومختصر المسألة: إن رجي حياة الجنين وجب شق جوفها وإخراجه، وإلا فثلاثة أوجه: أصحها: لا تشق ولا تدفن حتى يموت، والثاني: تشق ويخرج، والثالث: يثقل بطنها بشيء ليموت وهو غلط، وإذا قلنا: يشق جوفها شق في الوقت الذي يقال: إنه أمكن له، هكذا قال الشيخ أبو حامد[23]. اهـ.

‌ج-   قال النووي في [الروضة]: ولو ابتلع في حياته مالاً ثم مات وطلب صاحبه الرد شق جوفه ويرد، قال في [العدة]: إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا ينبش على الأصح، وقال القاضي أبو الطيب: لا ينبش بكل حال، ويجب الغرم في تركته، ولو ابتلع مال نفسه ومات فهل يخرج؟ وجهان: قال الجرجاني: الأصح يخرج. قلت: وصححه أيضا العبدري، وصحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في [كتاب المجرد]، عدم الإخراج، وقطع به المحاملي في [المقنع]، وهو مفهوم كلام صاحب [التنبيه]، وهو الأصح. والله أعلم. وحيث قلنا: يشق جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشق ينبش كذلك[24]. اهـ.

‌د-   وقال أبو محمد بن قدامة: قال: (والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق بطنها عليه، ويسطو عليه القوابل فيخرجنه).

معنى (يسطو القوابل): أن يدخلن أيديهن في فرجها، فيخرجن الولد من مخرجه، والمذهب: أنه لا يشق بطن الميتة لإخراج ولدها، مسلمة كانت أو ذمية، وتخرجه القوابل إن علمت حياته بحركته، وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه، وتترك أمه حتى يتيقن موته ثم تدفن، ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا، ويحتمل أن يشق بطن الأم، إن غلب على الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي، فجاز، كما لو خرج بعضه حيا، ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، ولأنه يشق لإخراج المال منه، فلإبقاء الحي أولى.

ولنا: أن هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم، وقد قال - عليه السلام -: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي))[25] رواه أبو داود، وفيه مثلة، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة[26]، وفارق الأصل، فإن حياته منتفية، وبقاءه مظنون، فعلى هذا إن خرج بعض الولد حيا ولم يمكن إخراجه إلا بشق، شق المحل؛ وأخرج لما ذكرنا، وإن مات على تلك الحال فأمكن إخراجه أخرج وغسل، وإن تعذر غسله ترك، وغسلت الأم وما ظهر من الولد، وما بقي ففي حكم الباطن لا يحتاج إلى التيمم من أجله؛ لأن الجميع كان في حكم الباطن، فظهر البعض، فتعلق به الحكم، وما بقي فهو على ما كان عليه، ذكر هذا ابن عقيل، وقال: هي حادثة سئلت عنها، فأفتيت فيها.

فصل: وإن بلع الميت مالا، لم يخلُ من أن يكون له أو لغيره، فإن كان له لم يشق بطنه؛ لأنه استهلكه في حياته، ويحتمل أنه إن كان يسيرا ترك، وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج؛ لأن فيه حفظ المال عن الضياع، ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه، وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله؛ لأن صاحبه أذن في إتلافه، وإن بلعه غصبا ففيه وجهان:

أحدهما: لا يشق بطنه، ويغرم من تركته؛ لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته فمن أجل المال أولى.

والثاني: يشق إن كان كثيرا؛ لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم، ويفارق الجنين من وجهين:

أحدهما: أنه لا يتحقق حياته، والثاني: أنه ما حصل بجنايته، فعلى هذا الوجه إذا بلي جسده، وغلب على الظن ظهور المال، وتخلصه من أعضاء الميت جاز نبشه وإخراجه، وقد روى أبو داود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( هذا قبر أبي رغال، وآية ذلك أن معه غصنا من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس، فاستخرجوا الغصن ))[27]، ولو كان في أذن الميت حلق أو في إصبعه خاتم أخذ، فإن صعب أخذه، برد، وأخذ؛ لأن تركه تضييع للمال[28]. اهـ.

‌ه-   وقال المرداوي في [الإنصاف]: قوله: (وإن ماتت حامل لم يشق بطنها) وهذا المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، قال الزركشي: هذا المنصوص، وعليه الأصحاب. وقوله: (ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيا) وهو وجه في ابن تميم وغيره. فعلى المذهب (تسطو عليه القوابل فيخرجنه) إذا احتمل حياته على الصحيح من المذهب، وقال القاضي في الخلاف: إن لم يوجد أمارات الظهور بانتفاخ المخارج وقوة الحركة فلا تسطو القوابل.

فعلى الأول: إن تعذر إخراجه بالقوابل: فالمذهب: أنه لا يشق بطنها، قاله في [المغني] و[الشرح] و[الفروع] وغيرها. وعليه أكثر الأصحاب، واختار ابن هبيرة: أنه يشق ويخرج الولد. قلت: وهو أولى. فعلى المذهب: يترك ولا يدفن حتى يموت. قال في [الفروع]: هذا الأشهر، واختاره القاضي، والمصنف، وصاحب [التلخيص]، وغيرهم وقدمه في [الرعايتين]، و [الحاويين]، وعنه: يسطو عليه الرجال، والأولى بذلك المحارم، اختاره أبو بكر، والمجد: كمداواة الحي، وصححه في [مجمع البحرين]، وهو أقوى من الذي قبله، وأطلقهما ابن تميم ولم يقيده الإمام أحمد بالمحرم، وقيده ابن حمدان بذلك[29]. اهـ.

‌و-   وقال ابن حزم في [المحلى]: مسألة: ومن بلع درهما أو دينارا أو لؤلؤة شق بطنه عنها؛ لصحة نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال[30]، ولا يجوز أن يجبر صاحب المال على أخذ غير عين ماله، ما دام عين ماله ممكنا؛ لأن كل ذي حق أولى بحقه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ))[31] فلو بلعه وهو حي حبس حتى يرميه، فإن رماه ناقصا ضمن ما نقص، فإن لم يرمه ضمن ما بلع، ولا يجوز شق بطن الحي؛ لأن فيه قتله، ولا ضرر في ذلك على الميت ولا يحل شق بطن الميت بلا معنى؛ لأنه تعدٍّ، وقد قال - تعالى -: (وَلَا تَعْتَدُوا) [سورة البقرة الآية: 190] اهـ المقصود[32].

وقال أيضا: مسألة: ولو ماتت امرأة حامل والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق بطنها طولا ويخرج الولد؛ لقول الله - تعالى -: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة الآية: 32].

ومن تركه عمدا حتى يموت فهو قاتل نفس، ولا معنى لقول أحمد - رحمه الله -: تدخل القابلة يدها فتخرجه، لوجهين:

أحدهما: أنه محال لا يمكن ولو فعل ذلك لمات الجنين بيقين قبل أن يخرج، ولولا دفع الطبيعة المخلوقة المقدرة له وجرَّ ليخرج لهلك بلا شك.

والثاني: أن مس فرجها لغير ضرورة حرام[33]. اهـ.

قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على ذلك: أما إخراج الولد الحي من بطن الحامل إذا ماتت فإنه واجب، وأما كيف يخرج فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الأطباء والقوابل.

المسألة الثالثة: أكل المضطر لحم آدمي ميت إذا لم يجد شيئا غيره:

ثبت بالأدلة الصحيحة أن للمسلم ومن في حكمه حرمة، وأنه يجب تكريمه حيا وميتا، ومقتضى ذلك أنه لا يباح للمضطر أن يأكل من جسمه حيا ولا من جثته ميتا، ولو لم يجد غيره، ولو أدى ذلك إلى هلاكه؛ لما في ذلك من انتهاك حرمته لمصلحة غيره، وثبت بالأدلة الصحيحة أيضا أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته، حتى إنه يجوز له أن يأكل حال الضرورة ما هو محرم عليه حال عدمها من ميتة الأنعام والدم ولحم الخنزير... إلخ، بل يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي على نفسه الهلاك، ومقتضى ذلك أنه يجوز له أو يجب أن يأكل ميتة الآدمي إبقاء على حياته، وعلى هذا نجد بين الأمرين تعارضا، وهو مثار الخلاف بين الفقهاء في حكم هذه المسألة، حيث منع بعضهم أكل المضطر من ميتة آدمي ولو كانت ميتة ذمي، ترجيحا لحرمة الميت وإعمالا لأدلتها، وأجاز آخرون له الأكل منها إذا لم يجد غيرها؛ إيثارا لحق الحي على حق الميت.

وتقدم ما يمكن أن يعتبر مرجحا لهذا الجانب.

وفيما يلي ذكر بعض أقوالهم في حكم المسألة، مع توجيه كل منهم لما ذهب إليه: (والنص عدم جواز أكله) ابن القصار: المضطر إلى أكل لحم الميتة لا يجد إلا لحم آدمي لا يأكله وإن خاف التلف، ابن رشد: الصحيح: أن الميت من بني آدم ليس بنجس... ثم قال: والميت من بني آدم لا يسمى ميتة، فليس برجس ولا نجس، ولا حرم أكله لنجاسته، وإنما حرم أكله إكراما له، ألا ترى أنه لمَّا لم يسمَّ ميتة لم يجز للمضطر أن يأكله بإباحة الله له أكل الميتة على الصحيح من الأقوال، (وصُحِّحَ أكْلُه). ابنُ عرفة: تعقب عبدُ الحق وغيرُه قولَ ابن القصار: المضطر لا يأكل ميتة آدمي. اهـ المقصود منه[34].

‌أ-   قال أحمد الدردير في الشرح الكبير على مختصر خليل: النص المعول عليه (عدم جواز أكله) أي: أكل الآدمي الميت ولو كافرا (لمضطر) ولو مسلما لم يجد غيره؛ إذ لا تنتهك حرمة مسلم لآخر (وصُحِّحَ أكلُه) ابن عرفة: أي: صحح ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر[35].اهـ.

‌ب-  وقال النووي في [الروضة]: المحرم الذي يضطر إلى تناوله قسمان: مسكر، وغيره، فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم، فيجوز للمضطر قتل الحربي والمرتد وأكله قطعا، وكذا الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة على الأصح منهم، ولو كان له قصاص على غيره، ووجده في حالة اضطرار، فله قتله قصاصا وأكله، وإن لم يحضره السلطان، وأما المرأة الحربية وصبيان أهل الحرب ففي [التهذيب]: أنه لا يجوز قتلهم للأكل، وجوزه الإمام، والغزالي؛ لأنهم ليسوا بمعصومين، والمنع من قتلهم ليس لحرمة أرواحهم؛ ولهذا لا كفارة فيهم.

قلت: الأصح: قول الإمام، والله أعلم.

والذمي، والمعاهد، والمستأمن معصومون، فيحرم أكلهم، ولا يجوز للوالد قتل ولده للأكل، ولا للسيد قتل عبده، ولو لم يجد إلا آدميا معصوما ميتا، فالصحيح حل أكله، قال الشيخ إبراهيم المروذي: إلا إذا كان الميت نبيا، فلا يجوز قطعا، قال في [الحاوي]: فإذا جوزنا، لا يأكل منه إلا ما يسد الرمق؛ حفظا للحرمتين، قال: وليس له طبخه وشيُّه، بل يأكله نيئا؛ لأن الضرورة تندفع بذلك، وطبخه هتك لحرمته، فلا يجوز الإقدام عليه، بخلاف سائر الميتات، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة، ولو كان المضطر ذميا، والميت مسلما، فهل له أكله؟

حكى فيه صاحب [التهذيب] وجهين، قلت: القياس تحريمه، والله أعلم.

ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة، وإن كانت لحم خنزير، وإن وجد المُحْرِمُ صيدًا ولحم آدمي أكل الصيد، ولو أراد المضطر أن يقطع قطعة من فخذه أو غيرها ليأكلها، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد حرم، وإلا جاز على الأصح، بشرط أن لا يجد غيره، فإن وجد حرم قطعا، ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره قَطْعًا، ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر[36]. اهـ.

‌ج-   وقال ابن قدامة في [المغني]: (فصل): وإن لم يجد إلا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله إجماعاً، ولا إتلاف عضو منه، مسلما كان أو كافرا؛ لأنه مثله، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه، وهذا لا خلاف فيه، وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد فذكر القاضي أن له قتله وأكله؛ لأن قتله مباح، وهكذا قال أصحاب الشافعي؛ لأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، وإن وجده ميتا أبيح أكله؛ لأن أكله مباح بعد قتله، فكذلك بعد موته، وإن وجد معصوما ميتا لم يبح أكله في قول أصحابنا، وقال الشافعي وبعض الحنفية: يباح، وهو أولى؛ لأن حرمة الحي أعظم، قال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء، واحتج أصحابنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((كسر عظم الميت ككسر عظم الحي))[37].

واختار أبو الخطاب أن له أكله، قال: لا حجة في الحديث ههنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم[38]. اهـ.

‌د-   وقال المرداوي في [الإنصاف]: فإن لم يجد إلا آدميا مباح الدم كالحربي والزاني المحصن  حل قتله وأكله، هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقال في [الترغيب]: يحرم أكله، وما هو ببعيد. قوله: وإن وجد معصوما ميتا ففي جواز أكله وجهان، وأطلقها في المذهب و[المحرر] و[النظم]:

أحدهما: لا يجوز، وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف والشارح: اختاره الأكثر، كذا قال في [الفروع] وجزم به في [الإفصاح] وغيره. قال في [الخلاصة]، و[الرعايتين]، و[الحاويين]: لم يأكله في الأصح، قال في [الكافي]: هذا اختيار غير أبي الخطاب، قال في [المغني]: اختاره الأصحاب.

الثاني: يجوز أكله، وهو المذهب على ما اصطلحناه، صححه في [التصحيح]، واختاره أبو الخطاب في [الهداية]، و[المصنف] أو [الشارح]، قال في الكافي: هذا أولى. وجزم به في [الوجيز] و[المنوِّر] ومنتخب الآدمي، وقدمه في [الفروع].

فائدتان:

إحداهما: يحرم عليه أكل عضو من أعضائه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقطعوا به، وقال في [الفنون] عن حنبل: إنه لا يحرم[39]. انتهى.

‌ه-   وقال ابن حزم في [المحلى]: مسألة: وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم أو لحم سبع طائر أو ذي أربع أو حشرة أو خمر أو غير ذلك فهو كله عند الضرورة حلال، حاشا لحوم بني آدم وما يقتل من تناوله، فلا يحل شيء من ذلك أصلا، لا بضرورة ولا بغيرها... -وبعد أن ذكر وجه حل ذلك للمضطر- قال: وأما استثناء لحوم بني آدم فلما ذكرنا قبلُ من الأمر بمواراتها فلا يحل غير ذلك[40]. اهـ.

المسألة الرابعة: إلقاء أحد ركاب سفينة خشي عليها العطب فيلقى أحدهم في البحر بقرعة لينجو الباقون:

الأصل في المسلمين أنهم سواء في عصمة الدم ووجوب المحافظة على حياتهم، فإذا ركب منهم جماعة سفينة ثم أحدق بها الخطر وخشي من فيها على أنفسهم الغرق وعلموا أو غلب على ظنهم أن لا نجاة لهم إلا بتخفيف السفينة بإلقاء واحد منهم بالقرعة، فهل يجوز لهم ذلك أم لا؟

هذا محل نظر واجتهاد:

لذا اختلف فيه العلماء: فبعضهم لا يرى القرعة في مثل هذه المسألة؛ لاستواء الركاب في عصمة الدم، ووجوب محافظة كل منهم على حياته، فيحرم على كل منهم أن يلقي بنفسه في اليم لإنقاذ الباقين، ويحرم عليهم جميعا أن يلقوا واحدا منهم بقرعة أو بدونها؛ لأن مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية، ونجاتهم بإلقائه ظنية لا قطعية، وبعضهم يرى إلقاء واحد منهم لإنقاذ الباقين؛ لأن المصلحة هنا وإن كانت جزئية فهي متضمنة للمحافظة على أقوى المصلحتين، وهو إنقاذ الجماعة التي لم تلق في اليم بتفويت مصلحة من ألقي فيه، وهذا مستلزم لارتكاب أخف المفسدتين وهو إلقاء أحدهم في اليم تفاديا لأشدهما، وهو هلاك الجميع إذا لم يلق أحدهم بالقرعة، وكون نجاة من بقي ظنية لا تأثير له في منع إلقاء واحد ما دام ظنا غالبا لا وهما؛ فإن الظن الغالب تبنى عليه الأحكام، فإن القتل العمد العدوان يثبت به حق القصاص بشهادة عدلين، وشهادتهما إنما تفيد غلبة الظن، وكذا شهادة عدلين بالسرقة، وأربعة بزنا البكر والمحصن إلى غير هذا مما يفيد غلبة الظن وتثبت به الأحكام في الضروريات الخمس المعروفة.

أما اعتبار القرعة أصلا تبنى عليه الأحكام فهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه بعد ثبوته وبناء الأحكام عليه في الكتاب والسنة في مسائل كثيرة متنوعة، قد يفيد استقراؤها القطع بثبوت هذا الأصل.

وفيما يلي نقول عن بعض العلماء في العمل بالقرعة في مواضع كثيرة منها هذه المسألة:

‌أ-   قال في [نتائج الأفكار]: قوله: والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل. قال الشراح: هذا جواب الاستحسان، والقياس يأباها؛ لأن استعمال القرعة تعليق الاستحقاق بخروج القرعة وهو في معنى القمار، والقمار حرام؛ ولهذا لم يجوز علماؤنا استعمالها في دعوى النسب ودعوى الملك وتعيين المعتق أو المطلقة، ولكنا تركنا القياس ههنا بالسنة والتعامل الظاهر من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، وليس هذا في معنى القمار؛ لأن أصل الاستحقاق في القمار، يتعلق بما يستعمل فيه، أو فيما نحن فيه لا يتعلق أصل الاستحقاق بخروج القرعة؛ لأن القاسم لو قال: أنا عدلت في القسمة فخذ أنت هذا الجانب وأنت ذاك الجانب كان مستقيما، إلا أنه ربما يتهم في ذلك فيستعمل القرعة لتطييب قلوب الشركاء ونفي تهمة الميل عن نفسه، وذلك جائز، ألا يرى أن يونس - عليه السلام - في مثل هذا استعمل القرعة مع أصحاب السفينة، كما قال الله - تعالى -: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [سورة الصافات الآية: 141]؛ وذلك لأنه علم أنه هو المقصود، ولكن لو ألقى نفسه في الماء ربما نسب إلى ما لا يليق بالأنبياء، فاستعمل القرعة، كذلك زكريا - عليه السلام -، استعمل القرعة مع الأحبار في ضم مريم إلى نفسه مع علمه بكونه أحق بها منهم؛ لكون خالتها عنده تطييبا لقلوبهم، كما قال الله - تعالى -: (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران الآية: 44] وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرع بين نسائه إذا أراد السفر تطييبا لقلوبهن[41]. انتهى كلامهم.

وعزى في [النهاية] و[معراج الدراية] هذا التفصيل إلى [المبسوط].

أقول: بين أول كلامهم هذا وآخره تدافع؛ لأنهم صرحوا أولا بأن مشروعية استعمال القرعة ههنا جواب الاستحسان، والقياس يأبى ذلك؛ لكونه في معنى القمار، وقالوا آخراً: إن هذا ليس في معنى القمار، وبينوا الفرق بينه وبين القمار، وذكروا: ورود نظائر له في الكتاب والسنة، فقد دل ذلك على أنه ليس مما يأباه القياس أصلا، بل هو مما يقتضيه القياس أيضا فتدافعا. اهـ.

‌ب-  وقال في [كتاب الأم] (كتاب القرعة): أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: قال الله - تعالى -: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران الآية: 44] إلى قوله: (يَخْتَصِمُونَ) [سورة آل عمران الآية: 44] وقال الله - عز وجل -: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ  * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [سورة الصافات الآية: 139-141] (قال الشافعي) - رحمه الله تعالى -: فأصل القرعة في كتاب الله في قصة المقترعين على مريم والمقارعي يونس مجتمعة، فلا تكون القرعة - والله أعلم - إلا بين قوم مستوين في الحجة، ولا يعدو -والله تعالى أعلم- المقترعون على مريم أن يكونوا سواء في كفالتها فتنافسوها... ثم قال: فالقرعة تلزم أحدهما ما يدفع عن نفسه وتخلص له ما يرغب فيه لنفسه وتقطع ذلك عن غيره ممن هو مثل حاله، (قال): وهكذا معنى قرعة يونس لما وقفت بهم السفينة، فقالوا: ما يمنعها من أن تجري إلا علة بها، وما علتها إلا ذو ذنب فيها فتعالوا نقترع، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس - عليه السلام - فأخرجوه منها، وأقاموا فيها، وهذا مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم؛ لأن حال الركبان كانت مستوية وإن لم يكن في هذا حكم يلزم أحدهم في حالة شيئا لم يلزم قبل القرعة، ويزيل عن آخر شيئا كان يلزمه، فهو يثبت على بعض حقا ويبين في بعض أنه بريء منه، كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم غرم وسقوط غرم، (قال الشافعي): وقرعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل موضع أقرع فيه في مثل معنى الذين اقترعوا على كفالة مريم سواء لا يخالفه، وذلك أنه أقرع بين مماليك أعتقوا معا فجعل العتق تاما لثلثهم وأسقط عن ثلثيهم بالقرعة، وذلك أن المعتق في مرضه أعتق ماله ومال غيره، فجاز عتقه في ماله ولم يجز في مال غيره، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - العتق في ثلثه ولم يبعضه كما يجمع القسم بين أهل المواريث ولا يبعض عليهم، وكذلك كان إقراعه لنسائه أن يقسم لكل واحدة منهن في الحضر، فلما كان السفر كان منزلة يضيق فيها الخروج بكلهن، فأقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وسقط حق غيرها في غيبته بها، فإذا حضر عاد للقسم لغيرها ولم يحسب عليها أيام سفرها، وكذلك قسم خيبر، فكان أربعة أخماسها لمن حضر ثم أقرع، فأيهم خرج سهمه على جزء مجتمع كان له بكماله وانقطع منه حق غيره، وانقطع حقه عن غيره. أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن يزيد بن يزيد بن جابر عن مكحول عن ابن المسيب: أن امرأة أعتقت ستة مملوكين لها عند الموت ليس لها مال غيرهم، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة[42]. أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب عن رجل عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: أن رجلا من الأنصار إما قال: أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين ليس له شيء غيرهم، وإما قال: أعتق عند موته ستة مملوكين ليس له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال فيه قولا شديدا، ثم دعاهم فجزَّأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة[43]. إلى أن قال: (أخبرنا) ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن أبي الزناد: أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قضى في رجل أوصى بعتق رقيقه وفيهم الكبير والصغير، فاستشار عمر رجالا منهم خارجة بن زيد بن ثابت فأقرع بينهم، ثم قال أبو الزناد: حدثني رجل عن الحسن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرع بينهم...[44]، ثم ساق كلاما، وقال بعده: قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ. وحديث القرعة عن عمران بن حصين وابن المسيب موافق قول ابن عمر في العتق لا يختلفان في شيء حكي فيهما ولا في واحد منهما، وذلك أن المعتق أعتق رقيقه عند الموت ولا مال له غيرهم، وإن كان أعتقهم عتق بتات في حياته، فهكذا فيما أرى الحديث، فقد دلت السنة على معاني منها: إن أعتق البتات عند الموت إذا لم يصح المريض قبل أن يموت فهو وصية كعتقه بعد الموت، فلما أقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فأعتق الثلث وأرق الثلثين، استدللنا على أن المعتق أعتق ماله ومال غيره، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ماله ورد مال غيره[45]. اهـ المقصود.

‌ج-   وقال ابن حجر في [فتح الباري] عند تفسير قوله - تعالى -: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) الآية [سورة آل عمران الآية: 44]: أشار البخاري بذكر هذه الآية إلى الاحتجاج بهذه القصة في صحة الحكم بالقرعة، بناءً على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولا سيما إذا ورد في شرعنا ما يقرره، وساقه مساق الاستحسان والثناء على فاعله، وهذا منه[46]. اهـ.

وقال في تفسير قوله - تعالى -: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [سورة الصافات الآية:141]: والاحتجاج بهذه الآية في إثبات القرعة يتوقف على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذه المسألة من هذا القبيل؛ لأنه كان في شرعهم جواز إلقاء البعض لسلامة البعض، وليس ذلك في شرعنا؛ لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها.اهـ.

وقال: والمشهور عند الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض: هو مشهور عند مالك وأصحابه؛ لأنه من باب الخطر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها. اهـ. وقد قالوا به في مسألة الباب، واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى. وقال القرطبي: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحا بغير مرجح. اهـ. وفيه مراعاة للمذهب مع الأمن من رد الحديث أصلا لحمله على التخصيص، فكأنه خصص العموم بالمعنى[47].

وقال ابن حجر في [فتح الباري]: مشروعية القرعة مما اختلف فيه: والجمهور على القول بها في الجملة، وأنكرها بعض الحنفية، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وجعل المصنف ضابطها الأمر المشكل، وفسرها غيره بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر، وتقع المشاحة فيه فيقرع لفصل النزاع، وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطال الشيء من الحق، كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة، ثم يقترعوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقرعة مجتمعا مما كان له في الملك مشاعا، فيضم في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة ألا يختار واحد منهم شيئا معينا فيختاره الآخر فيقطع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية، وإما في تعيين الملك، فمن الأول: عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات والمؤذنين والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم، والحاضنات إذا كن في درجة، والأولياء في التزويج، والاستباق إلى الصف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نقل المعدن، ومقاعد الأسواق، والتقديم بالدعوى عند الحاكم، والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في الخان المسبل ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القسم، والدخول في ابتداء النكاح، وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصى بعتقهم ولم يسعهم الثلث، وهذه الأخيرة من صور القسم الثاني أيضاً، وهو تعيين الملك، ومن صور تعيين الملك: الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة[48]. اهـ.

‌د-   قال ابن القيم في [الطرق الحكمية] فصل القرعة: ومن طرق الأحكام الحكم بالقرعة، قال - تعالى -: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [سورة آل عمران الآية: 44] قال قتادة: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرع زكريا، وكان زوج خالتها، فضمها إليه، وروي نحوه عن مجاهد، وقال ابن عباس: لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها، وهذا متفق عليه بين أهل التفسير، وقال - تعالى -: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [سورة الصافات الآية: 139 – 141]، أي: فقارع فكان من المغلوبين.

فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة، وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم.

وفي [الصحيحين] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا))[49].

وفي الصحيحين أيضا عن عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه[50].

وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا[51].

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض على قوم اليمين، فسارعوا إليه، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين: أيهم يحلف[52]. وفي سنن أبي داود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها، فليستهما عليها))[53]، وفي رواية أحمد: ((إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها))[54]، وفيه أيضا: أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لواحد منهما بينة، فقال: ((استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها))[55].

وفي الصحيحين عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان، يختصمان في مواريث لهما، لم تكن لهما بينة إلا دعواهما، فقال: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار))[56] رواه أبو داود في السنن، وفيه: فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا))[57].

فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها الكتاب، وفعلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده. قال البخاري في صحيحه: (ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد) وقد صنف أبو بكر الخلال مصنفا في القرعة، وهو في جامعه، فذكر مقاصده.

قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة.

وقال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال: إنها قمار، قال: إن كان ممن سمع الحديث فهذا كلام رجل له خبر يزعم أن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قمار.

وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن ابن أكثم يقول: إن القرعة قمار، قال: هذا قول رديء خبيث، ثم قال: كيف؛ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا قسمت الدار ولم يرضوا قالوا: يقرع بينهم، وهو يقول: لو أن رجلا له أربع نسوة فطلق إحداهن وتزوج الخامسة ولم يدر أيتهن التي طلق، قال: يورثهن جميعا، ويأمرهن أن يعتددن جميعا، وقد ورث من لا ميراث لها، وقد أمر أن تعتد من لا عدة عليها، والقرعة تصيب الحق، فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله، فقلت: إن بعض الناس ينكر القرعة ويقول: هي قمار اليوم، ويقول: هي منسوخة، فقال أبو عبد الله: من ادعى أنها منسوخة فقد كذب، وقال الزور، القرعة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرع في ثلاثة مواضع: أقرع بين الأعبد الستة، وأقرع بين نسائه لما أراد السفر، وأقرع بين رجلين تدارءا في دابة، وهي في القرآن في موضعين.

قلت: يريد أنه أقرع بنفسه في ثلاثة مواضع، وإلا فأحاديث القرعة أكثر، وقد تقدم ذكرها.

قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدار والأرضين أقرع بين القوم، فأيهم أصابته القرعة كان له ما أصاب من ذلك يجبر عليه.

وقال الأثرم: إن أبا عبد الله ذكر القرعة واحتج بها وبينها وقال: إن قوما يقولون: القرعة قمار، ثم قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم جهلوا، فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس سنن، قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن فقال: حديث أبي الزناد؛ فقلت: نعم، قال أبو عبد الله: قال أبو الزناد يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله -تعالى- في موضعين من كتابه!.

وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله - تعالى -: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) [سورة الصافات الآية: 141]: أي: أقرع فوقعت القرعة عليه، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقضاؤه، فمن رد القرعة فقد رد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاءه وفعله، ثم قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفتي بخلافه، قال الله - تعالى -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر الآية: 7] وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [سورة المائدة الآية: 92] قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته التي قضى بها، وقضى بها أصحابه بعده. وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن: حديث أم سلمة: أن قوما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث وأشياء درست بينهم فأقرع بينهم[58]، وحديث أبي هريرة حين تدارءا في دابة فأقرع بينهما، وحديث الأعبد الستة، وحديث: أقرع بين نسائه، وحديث علي، وقد ذكر أبو عبد الله من فعلها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ابن الزبير وابن المسيب، ثم تعجب من أصحاب الرأي وما يردون من ذلك.

قال الميموني: وقال لي أبو عبيد القاسم بن سلام - وذاكرني أمر القرعة - فقال: أرى أنها من أمر النبوة، وذكر قوله - تعالى -: (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران الآية: 44] وقوله: (فَسَاهَمَ) [سورة الصافات الآية: 141]

وقال أحمد في رواية الفضل بن عبد الصمد: القرعة في كتاب الله، والذين يقولون: "القرعة قمار" قوم جهال، ثم ذكر أنها في السنة، وكذلك قال في رواية ابنه صالح: أقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في خمسة مواضع، وهي في القرآن في موضعين.

وقال أحمد في رواية المروزي: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن عروة، قال: أخبرني ابن الزبير: أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تراهم، فقال: ((المرأةَ، المرأةَ)) قال الزبير: فتوهمت أنها أمي صفية، قال: فخرجت أسعى، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمت في صدري وكانت امرأة جلدة، وقالت: إليك عني لا أم لك، قال: فقلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم عليك، فرجعتْ وأخرجتْ ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما، قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة أن نكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، قلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما، فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد في الثوب الذي صار له[59].

وقال في رواية صالح وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم: وهو مختلف فيه. اهـ. وقد ذكر كيفية القرعة ومواضعها[60].

المسألة الخامسة: تبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الإهلاك به وفيهم النساء والأطفال:

الكفار بالنسبة للمسلمين، إما أهل حرب، أو أهل ذمة، فأهل الذمة يعاملون في الجملة معاملة المسلمين في عصمة الدم ورعاية حرمتهم أحياء وأمواتا، وإن كان ذلك في المسلمين للإسلام وفي الذميين للوفاء بالعهد. وقد سبق الكلام عنهم في المسألة الأولى والثانية والثالثة تبعا للحديث عن المسلمين.

أما الكفار المحاربون فدمهم هدر، غير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل من لا شأن لهم في الحرب منهم كالنساء والصبيان، وقد سبق الكلام على تبييت المحاربين من الكفار وقتالهم بما يعم إهلاكه وفيهم نساؤهم وصبيانهم في المسألة الأولى تبعا لقتالهم بما يعم وفيهم مسلمون أسارى أو تجار فأغنى عن إعادته هنا.

وقد كتب إلى فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا سؤال عن حكم الطب المرضي: فأجاب بجوازه بناء على المصلحة.

وفيما يلي نص السؤال والجواب.

السؤال: ما هو الحكم في إحضار الحكيم المعمول به في بعض الممالك الإسلامية الشرقية لأجل الاطلاع على من يخبر بموته وشهادته بصحة الخبر واكتشاف سبب الموت حتى لا يدفن الإنسان حيا، ولا يخفى المرض المعدي، وفي ذلك مما يفيد الأمة في حالتها الصحية ما لا يخفى، فهل ذلك - رعاكم الله - مما لا يجوز مطلقا، ولو كان الحكيم مسلما ولم يستتبع الكشف على الميت أدنى عملية جراحية أو ما يوجب أقل إهانة لكرامة الميت ولو مع تخصيص حكيم لمباشرة الرجل، وحكيمة لمباشرة المرأة؟ أو يسوغ مطلقا؟ أم المقام فيه تفصيل؟، أفيدونا تؤجروا وترحموا.

الجواب: ليس في هذه المسألة نص عن الشارع، وهي من المسائل الدنيوية التي تتبع فيها قاعدة: درء المفاسد وجلب المصالح، وحينئذ يختلف الحكم باختلاف الأموات، فإذا وقع الشك في موت من ظهرت عليه علامات الموتى، وعلم أن الطبيب يمكنه أن يعرف الحقيقة بالكشف عليه، فإن الكشف عليه يكون متعينا، ويحرم دفنه مع بقاء الشك في موته وإبقائه عرضة للخطر، ويختار الطبيب الذي يوثق به للعلم ببراعته وأمانته على غيره؛ لأن العبرة في ذلك بالثقة، فإذا لم يوجد طبيب مسلم يوثق به ووجد غيره اعتمد عليه، بل إذا وجد طبيب مسلم غير موثوق به، وطبيب غير مسلم موثوق به بتكرار التجربة يرجح الاعتماد على الثاني؛ لأن المسألة ليست عبادة فيكون الترجيح فيها بالدين، بل أقول: إن من اشترط من الفقهاء إسلام الطبيب الذي يؤخذ بقوله في المرض الذي يبيح ترك الغسل والوضوء إلى التيمم ليس لاعتبار ذلك من أركان العدالة التي هي سبب الثقة، وقد صرحوا حتى في هذه المسألة الدينية بأن المريض إذا صدق الطبيب الكافر بأن الماء يؤذيه في مرضه كان له أن يعمل بقوله، وإذا كان من اشتبه في موته امرأة ووجدت طبيبة يوثق بها قدمت على الطبيب حتما، فإن لم توجد كشف عليها الطبيب، كما هو الشأن في جميع الأمراض، ومن درء المفاسد والقيام بالمصالح العامة ما تفعله (مصلحة الصحة) بمصر، حيث توجد من مقاومة أسباب الوباء والأمراض المعدية، ومن أعمالهم ما هو مفيد قطعا، ومنه ما تظن فائدته، فإذا علم أن في الكشف على الميت لمعرفة سبب مرضه مصلحة عامة لم يكن ما يعبرون عنه بتكريم الميت مانعا من ذلك، نعم، إن إهانة الميت محظورة، ولكن الإهانة تكون بالقصد، وهو منتف هنا على أن درء المفاسد وحفظ المصالح العامة من الأصول التي لا تهدم بهذه الجزئيات، والمدار على العلم بأن هنا مفسدة يجب درؤها أو مصلحة يجب حفظها، فإذا علم أولو الأمر ذلك عملوا به والشرع عون لهم عليه.

وقد سئل فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف عن حكم إحراق جثث الموتى وتشريحهم، فأجاب جوابا مستفيضا بين فيه المصالح التي تدعو إلى التشريح وتبرره.

وفيما يلي نص السؤال والجواب:

السؤال: طلبت إحدى المصالح الحكومية بيان حكم الشريعة الغراء في إحراق جثث الموتى من المسلمين في زمن الأوبئة وفي حالة الوصية بذلك من المتوفى.

الجواب: اعلم أن تطبيب الأجسام وعلاج الأمراض أمر مشروع؛ حفظا للنوع الإنساني حتى يبقى إلى الأمد المقدر له، وقد تداوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه، وأمر به من أصابه مرض من أهله وأصحابه، وقال: ((تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء))[61]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إن الله - عز وجل - لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله))[62] ودرج بعده أصحابه على هديه في التداوي والعلاج.

فكان الطب تعلما وتعليما مشروعا بقول الرسول وفعله، بل بدلالة الآيات الواردة بالترخيص للمريض بالفطر تمكينا له من العلاج، وبُعداً عما يوجب تفاقم العلة أو الهلاك، والترخيص لمن به أذى في رأسه في الإحرام، وهو علاج للعلة وسبب للبرء، والترخيص للمريض بالعدول عن الماء إلى التراب الطاهر حمية له أن يصيب جسده، في ذلك كله تنبيه على حرص الشارع على التداوي وإزالة العلل والحمية من كل ما يؤذي الإنسان من الداخل أو الخارج، كما أشار إليه الإمام ابن القيم في زاد المعاد، فكان فن الطب علما وعملا من فروض الكفاية التي يجب على الأمة قيام طائفة منها بها، وتأثم الأمة جميعها بتركه وعدم النهوض به، كما أن جميع ما تحتاج إليه الأمة من العلوم والصناعات في تكوينها وبقائها من فروض الكفاية التي أمر بها الشارع، وحث عليها، وحذر من التهاون فيها.

ومن مقدمات فن الطب، بل من مقوماته تشريح الأجسام، فلا يمكن الطبيب أن يقوم بطب الأجسام وعلاج الأمراض بأنواعها المختلفة إلا إذا أحاط خبرا بتشريح جسم الإنسان علما وعملا، وعرف أعضاءه الداخلية وأجزاءه المكونة لبنيته واتصالاتها ومواضعها وغير ذلك، فهو من الأمور التي لا بد منها لمن يزاول الطب حتى يقوم بما أوجب الله عليه من تطبيب المرضى وعلاج الأمراض، ولا يمتري في ذلك أحد، ولا يقال: قد كان فيما سلف طب، ولم يكن هناك تشريح؛ لأنه كان طبا بدائيا لعلل ظاهرة، وكلامنا في طب وافٍ لشتى الأمراض والعلل، والعلوم تتزايد، والوسائل تنمو وتكثر.

وإذا كان شأن التشريح ما ذكر كان واجبا بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وتعليمه ومباشرته بالعمل على الأمة لتقوم طائفة منها به؛ فإن من القواعد الأصولية: أن الشارع إذا أوجب شيئا يتضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشيء، فإذا أوجب الصلاة كان ذلك إيجابا للطهارة التي تتوقف الصلاة عليها، وإذا أوجب بما أومأنا إليه من الأدلة على الأمة تعلم فريق منها الطب وتعليمه ومباشرته، فقد أوجب بذلك عليهم تعلم التشريح وتعليمه ومزاولته عملا.

هذا دليل جواز التشريح من حيث كونه علما يدرس وعملا يمارس، بل دليل وجوبه على من تخصص في مهنة الطب البشري وعلاج الأمراض، أما التشريح لأغراض أخرى كتشريح جثث القتلى لمعرفة سبب الوفاة وتحقيق ظروفها وملابساتها، والاستدلال به على ثبوت الجناية على القاتل أو نفيها عن متهم فلا شبهة في جوازه أيضا إذا توقف عليه الوصول إلى الحق في أمر الجناية؛ للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام حتى لا يظلم بريء، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم.

وكم كان التشريح فيصلا بين حق وباطل، وعدل وظلم، فقد يتهم إنسان بقتل آخر بسبب دس السم له في الطعام، ويشهد شهود الزور بذلك، فيثبت التشريح أنه لا أثر للسم في الجسم، وإنما مات الميت بسبب طبيعي فيبرأ المتهم، ولولا ذلك لكان في عداد القاتلين أو المسجونين، وقد يزعم مجرم ارتكب جريمة القتل ثم أحرق الجثة أن الموت بسبب الحرق لا غير، فيثبت التشريح: أن الموت جنائي، والإحراق إنما كان ستارا أسدل على الجريمة فيقتص من المجرم، ولولا ذلك لأفلت من العقاب وبقي بين الناس جرثومة فساد.

وهنا قد يثار حديث كرامة جسم الإنسان وما في كشفه وتشريحه من هوان فيظن جاهل أنه لا يجوز مهما كانت بواعثه، ولكن بقليل من التأمل في قواعد الشريعة يعلم أن مدار الأحكام الشرعية على رعاية المصالح والمفاسد، فما كان فيه مصلحة راجحة يؤمر به وما كان فيه مفسدة راجحة ينهى عنه، فلا شك أن الموازنة بين ما في التشريح من هتك حرمة الجثة وما له من مصلحة في التطبيب والعلاج وتحقيق العدالة، وإنقاذ البريء من العقاب، وإثبات التهمة على المجرم الجاني تنادي برجحان هذه المصالح على تلك المفسدة.

ثم أتبع فتواه بفتوى في موضوع التشريح لفضيلة الشيخ يوسف الدجوي: قال: وقد اطلعت بعد كتابة هذا على فتوى في هذا الموضوع لشيخنا العلامة المحقق الشيخ يوسف الدجوي - رحمه الله - قال فيها ما نصه:

وليس عندنا في كتب الفقه نصوص شافية في هذا الموضوع، وقد يظن ظانٌّ أن ذلك محرم لا تجيزه الشريعة التي كرمت الآدمي وحثت على إكرامه وأمرت بعدم إيذائه، ولكن العارف بروح الشريعة وما تتوخاه من المصالح وترمي إليه من الغايات يعلم أنها توازن دائما بين المصلحة والمفسدة فتجعل الحكم لأرجحهما على ما تقتضيه الحكمة ويوجبه النظر الصحيح، فيجب إذا أن يكون نظرنا بعيدا متمشيا مع المصلحة الراجحة التي تتفق وروحَ الشريعة الصالحة لكل زمان ومكان الكفيلة بسعادة الدنيا والآخرة.

وإذن نقول: إن من نظر إلى أن التشريح قد يكون ضروريا في بعض الظروف، كما إذا اتهم شخص بالجناية على آخر وقد يبرأ من التهمة عندما يظهر التشريح أن ذلك الآخر غير مجني عليه، وقد يجنى على رجل ثم يلقى بعد الجناية عليه في بئر بقصد إخفاء الجريمة وضياع الجناية إلى غير ذلك مما هو معروف، فضلا عما في التشريح من تقدم العلم الذي تنتفع به الإنسانية كلها وينقذ كثيرا ممن أشفى على الهلكة أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه فهو يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت إلى غير ذلك مما لا داعي للإطالة فيه نقول: من نظر إلى ذلك الإجمال وما يتبعه من التفصيل لم يسعه إلا أن يفتي بالجواز؛ تقديما للمصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، ومتى كان تشريح الميت بهذا القصد لم يكن إهانة له ولا منافيا لإكرامه، على أن هذا أولى بكثير فيما نراه مما قرره الفقهاء ونصوا عليه في كتبهم من أن الميت إذا ابتلع مالاً شُقَّ بطنه لإخراجه منه ولو كان مالاً قليلا، ويقدره بعض المالكية بنصاب السرقة، أي: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وكلام الشافعية قريب من هذا، وربما كان الأمر عندهم أهون وأوسع في تقدير المال الذي يبتلعه، فإذا قسنا ذلك المال الضئيل على ما ذكرنا من الفوائد والمصالح وجدنا الجواز لدرء تلك المفاسد وتحصيل تلك المصالح أولى من الجواز لإخراج ذلك المال القليل فهو قياس أولوي فيما نراه. انتهى.

غير أنا نرى أنه لا بد من الاحتياط في ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة فليقتصر فيه على قدر الضرورة، وليتق الله الأطباء وأولو الأمر الذين يتولون ذلك، وليعلموا أن الناقد بصير، والمهيمن قدير، والله يتولى هدى الجميع، والله أعلم.

ثم كتبت فتوى في جواز نقل عيون الموتى لترقيع قرنية الأحياء:

قامت بمصر مؤسسة علمية اجتماعية تسمى: دار الإبصار تأسست في شهر يناير سنة 1951م، ومن أغراضها إيجاد مركز لجمع العيون التي تصلح لعملية ترقيع القرنية وتوفيرها وإيجاد المواد الأخرى اللازمة لهذه العملية الخاصة باسترداد البصر وتحسينه وتوزيع العيون الواردة إلى الدار على الأعضاء، وطلبت الدار من مصلحة الطب الشرعي بتاريخ 31 أكتوبر1951م السماح لها بالحصول على العيون اللازمة لهذه العملية من دار فحص الموتى الملحقة بمصلحة الطب الشرعي، ونظرا إلى أن الجثث التي تنقل إلى دار فحص الموتى للتشريح لمعرفة أسباب الوفاة كلها خاصة بحوادث جنائية طلبت المصلحة بكتابها المؤرخ 18/2/1952 م من قسم الرأي المختص إبداء الرأي في هذا الطلب من الوجهة القانونية، فأرسل إلينا مستشار الدولة كتاب القسم المؤرخ 3 أبريل 1952م برقم (103) المتضمن طلب بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع وأضاف إلى ذلك أن بالولايات المتحدة معاهد مؤسسة دار الإبصار المصرية تقوم بجمع عيون الموتى وتوزيعها على من يطلبها من الأطباء بعد التأكد من صلاحيتها فنياً لعملية الترقيع القرني، وكذلك في إنجلترا وفرنسا وجنوب إفريقيا وبعض بلدان أوربا تشريعات خاصة لتسهيل الحصول على هذه العيون، وقد اطلعنا على قانون دار الإبصار، وعلى الكتب المشار إليها، وعلى بحث ضاف إلى هذا الموضوع لسعادة الدكتور محمد صبحي باشا طبيب العيون الشهير.

الجواب: إنه واضح مما ذكر أن الباعث على طلب هذه المؤسسة للحصول على عيون بعض الموتى إنما هو التوصل بها فنيا إلى دفع الضرر الفادح عن الأحياء المصابين في أبصارهم وذلك مقصد عظيم تقره الشريعة الإسلامية، بل تحث عليه، فإذن المحافظة على النفس من المقاصد الكلية الضرورية للشريعة الغراء، فإذا ثبت علميا أن ترقيع القرنية لهذه العيون هو الوسيلة الفنية لدرء خطر العمى أو ضعف البصر عند الإنسان، يجوز شرعا نزع عيون بعض الموتى لذلك بقدر ما تستدعيه الضرورة؛ لوجوب المحافظة على النفس؛ ولذا تقررت مشروعية التداوي من الأمراض؛ محافظة على النفس من الآفات، فقد تداوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ألم به من الأمراض، وأمر الناس بالتداوي لإزالة العلل والآلام فيما هو أقل شأنا مما نحن بصدده، وذلك يستلزم مشروعية وسائله وجواز استعمال ما تقتضيه ضرورة التداوي والعلاج، ولو كان محظورا شرعا إذا لم يقم غيره مما ليس بمحظور مقامه في نفعه، بأن تعين التداوي به، على أن الواجب شرعا على الأمة أن تختص منها طائفة بالطب والعلاج بقدر ما تستدعيه حاجتها، وبحسب تنوع أمراضها، فيجب أن يكون فيها أطباء في كل فروع الطب، ومنهم أطباء العيون، سدا لحاجة الأمة في هذا الفرع بحيث إذا قصرت الأمة في ذلك كانت آثمة شرعا، وهذا الواجب هو المعروف في الأصول بالواجب الكفائي أو الفرض الكفائي، ويجب عليهم أن يحذقوا الفن حتى يؤدوا وظائفهم أكمل أداء، فإذا هدوا إلى علاج نافع لأمراض العيون يحفظ حاسة البصر أو يعيدها بعد الفقدان وجب عليهم أن ينفعوا الناس به، ووجب تمكينهم من وسائله بقدر ما تقتضيه الضرورة والحاجة، وللوسائل في الشرع حكم المقاصد؛ ولذلك جاز أن يباشر طلاب الطب وأساتذته تشريح جثث الموتى ما دام ذلك هو السبيل الوحيد لتعلم فن الطب وتعليمه والعمل به، وبدونه لا يكون طب صحيح ولا علاج مثمر، بل لا يعد طبيبا من لا يعرف فن التشريح علما وعملا، كما قرر ذلك جميع الأطباء.

فيجب أن يمكن أطباء هذه المؤسسة من القيام بهذه المهمة الإنسانية الجليلة وعلاج عيون الأحياء بعيون الموتى الصالحة لذلك كشفا للضر عنهم، ولا يمنع من ذلك ما يرى فيه من انتهاك حرمة الموتى، فإن علاج الأحياء من الضروريات التي يباح فيها شرعا بارتكاب هذا المحظور، هذا بتسليم أنه انتهاك لحرمة الموتى، ولكن من القواعد الشرعية أن الضروريات تبيح المحظورات؛ ولذا أبيح عند المخمصة أكل الميتة المحرمة، وعند الغصة إساغة اللقمة بجرعة من الخمر المحرمة إحياءً للنفس إذا لم يوجد سواهما مما يحل، وجاز دفع الصائل ولو أدى إلى قتله، وجاز شق بطن الميتة لإخراج الولد منها إذا كانت حياته ترجى، بل قيل بجواز شق بطن الميت إذا ابتلع لؤلؤة ثمينة أو دنانير لغيره، وإباحة المحظورات تقديرا للضرورات قاعدة يقتضيها العقل والشرع، وفي الحديث: ((لا ضرر ولا ضرار))[63]، وقد بني عليها كثير من الأحكام؛ ولذا قال الفقهاء: الضرر يزال، فعملا بهذه القاعدة يجوز نزع عيون بعض الموتى -مع ما فيه من المساس بحرمتهم- لإنقاذ عيون الأحياء من مضرة العمى والمرض الشديد.

ومن القواعد العامة: أن الحاجة تنزل منزل الضرورة عامة كانت أو خاصة؛ ولذا أجاز الفقهاء بيع السلم مع كونه بيع المعدوم دفعا لحاجة المفلسين، وأجازوا بيع الوفاء دفعا لحاجة المدينين، ولا شك أن حاجة الأحياء إلى العلاج ودفع ضرر الأمراض وخطرها بمنزلة الضرورة التي يباح من أجلها ما هو محظور شرعا، والدين يسر لا حرج فيه، قال - تعالى -: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [سورة الحج الآية: 78].

على أنه إذا قارنا بين مضرة ترك العيون تفقد حاسة الإبصار ومضرة انتهاك حرمة الموتى نجد الثانية أخف ضررا من الأولى، ومن المبادئ الشرعية: أنه (إذا تعارضت مفسدتان تدرأ أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما ضررا، ولا شك أن الإضرار بالميت أخف من الإضرار بالحي، ويجب أن يعلم أن إباحة نزع هذه العيون لهذا الغرض مقيدة بقدر ما تستدعيه الضرورة؛ لما تقرر شرعا أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها فقط، ولذلك لا يجوز للمضطر لأكل الميتة إلا قدر ما يسد الرمق، وللمضطر لإزالة الغصة بالخمر إلا الجرعة المزيلة لها فقط، ولا يجوز أن تستر الجبيرة من الأعضاء الصحيحة إلا القدر الضروري لوضعها، ولا يجوز للطبيب أن ينظر من العورة إلا بقدر الحاجة الضرورية، وغير خاف أن ابتناء الأحكام على المبادئ العامة والقواعد الكلية مسلك أصولي في تعريف الأحكام الجزئية للحوادث والوقائع النازلة التي لم يرد فيها بعينها نص عن الشارع، ولذلك نجد الشريعة الإسلامية لا تضيق ذرعا بحادث جديد، بل تفسح له صدرها وتشمله قواعدها الكلية ومبادئها العامة.

وإذ قد علم من هذا أنه يجوز شرعا، بل قد يتعين نزع عيون بعض الموتى لهذا الغرض العلمي الإنساني بقدر ما تستدعيه الضرورة يعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك بقانون عام يخضع له جميع الموتى على السواء؛ لأن ذلك -فضلا عن أنه لا تقتضيه الضرورة كما هو ظاهر- مفضٍ إلى مفسدة عامة لا وزن بجانبها لمصلحة علاج مريض أو مرضى، مظهرها ثورة أولياء الموتى وأهليهم إذا أريد انتزاع عيون موتاهم قهرا ثورة جامحة عامة، فيجب أن يقتصر في ذلك على عيون بعض الموتى ممن ليس لهم أولياء ولا يعرف لهم أهل، ومن الجناة الذين يحكم عليهم بالإعدام قصاصا، والتحديد بهذا وافٍ بالغرض دون اعتراض أحد أو مساس بحقه. والله أعلم.

ولفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي فتوى تتعلق بالموضوع رأينا إثباتها. وفيما يلي نصها[64]:

سؤال: هل يجوز أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه برضا من أخذ منه؟.

جواب: جميع المسائل التي تحدث في كل وقت، سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تتصور قبل كل شيء، فإذا عرفت حقيقتها، وشخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورا تاما بذاتها ومقدماتها ونتائجها طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية، فإن الشرع يحل جميع المشكلات -مشكلات الجماعات والأفراد-، ويحل المسائل الكلية والجزئية، يحلها حلا مرضيا للعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد، حتى يتضح لنا اتضاحا تاما للجزم بأحد القولين.

فنقول: من الناس من يقول: هذه الأشياء لا تجوز؛ لأن الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه أو التمثيل به؛ لأنه أمانة عنده لله، ولهذا قال - تعالى -: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [سورة البقرة الآية: 195].

والمسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.

أما المال: فإنه يباح بإباحة صاحبه، وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لإباحة التملكات.

وأما الدم: فلا يباح بوجه من الوجوه، ولو أباحه صاحبه لغيره، سواء كان نفسا أو عضوا أو دماً أو غيره، إلا على وجه القصاص بشروطه، أو في الحالة التي أباحها الشارع، وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسؤول عنه.

ثم إن ما زعموه من المصالح للغير، معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل.

ويؤيد هذا قول الفقهاء: من ماتت وهي حامل بحمل حي لم يحل شق بطنها لإخراجه، ولو غلب الظن، أو لو تيقنا خروجه حيا، إلا إذا خرج بعضه حيا فيشق للباقي، فإذا كان هذا في الميتة فكيف حال الحي؟ فالمؤمن بدنه محترم حيا وميتا.

ويؤخذ من هذا أيضا أن الدم نجس خبيث، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به، مع ما يخشى عند أخذ دم الإنسان من هلاك أو مرض، فهذا من حجج هذا القول.

ومن الناس من يقول: لا بأس بذلك؛ لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم للمحيط الشرعي صارت من أوائل ما يدخل فيه، وأن ذلك مباح، بل ربما يكون مستحبا، وذلك أن الأصل: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه، وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المصالح، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصالح الراجحة، وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة، ومضارها إذا قدرت فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة.

ويؤيد هذا: أن حجة القول الأول، وهي: أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة، متى اعتبرنا فيه هذا الأصل، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به، فإنه يباح لمن وقعت فيه الآكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه فيجوز قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لا خطر في قطعها، ويجوز التمثيل في البدن بشق البطن أو غيره؛ للتمكن من علاج المرض، ويجوز قلع الضرس ونحوه عند التألم الكثير، وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة أو دفع مضرة، وأيضاً فإن كثيرا من هذه الأمور المسؤول عنها يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث، فما كان كذلك فإن الشارع لا يحرمه، وقد نبه الله - تعالى - على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه، ومنه قوله عن الخمر والميسر: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [سورة البقرة الآية: 219]

فمفهوم الآية: أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه، فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه، وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء، وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير، كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة، وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون، بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك، فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف، بل ولا مرض، وربما كان في ذلك نفع له، إذا كان المؤثَر قريبا أو صديقا خاصا، أو صاحب حق كبير، أو أخذ عليه نفعا دنيويا ينفعه، أو ينفع من بعده.

ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات، وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار.

ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور، كما هو معلوم مشاهد، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء، وأمر بالتداوي خصوصا وعموما، فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا، ووضعه في الآخر، من غير ضرر يلحق المأخوذ منه فهو داخل فيما أباحه الشارع، وإن كان قبل ذلك، وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر، فيراعى كل وقت بحسبه؛ ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين: بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها، وتحريم التمثيل بها، فيقال: هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا، أو ربما أدى إلى الهلاك، وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته، فأما في هذا الوقت، فالأمران مفقودان: الضرر مفقود، وانتهاك الحرمة مفقود، فإن الإنسان قد رضي كل الرضا بذلك، واختاره مطمئنا مختارا، لا ضرر عليه، ولا يسقط شيء من حرمته، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما، والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة.

ونحن إنما أجزنا ذلك إذا كان المتولي طبيبا ماهرا، وقد وجدت تجارب عديدة للنفع وعدم الضرر، فبهذا يزول المحذور.

ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه إذا أشكل عليك شيء، هل هو حلال أم حرام، أو مأمور به أو منهي عنه؛ فانظر إلى أسبابه الموجبة وآثاره ونتائجه الحاصلة، فإذا كانت منافع ومصالح وخيرات وثمراتها طيبة، كان من قسم المباح أو المأمور به، وإذا كان بالعكس، كانت بعكس ذلك.

طبق هذه المسألة على هذا الأصل، وانظر أسبابها وثمراتها، تجدها أسبابا لا محذور فيها، وثمراتها خير الثمرات.

وإذ قال الأولون: أما ثمراتها فغير متيقنة، فنحن نوافق عليها، ولا يمكننا إلا الاعتراف بها، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا في أن الأصل في أجزاء الآدمي التحريم، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث، فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة الآدمي، ودفع الانتهاك الفظيع، وهذا مفقود هنا.

وأما الدم فليس عنه جواب إلا أن نقول: إن مفسدته تنغمر في مصالحه الكثيرة، وأيضا ربما ندعي أن هذا الدم الذي ينقل من بدن إلى آخر ليس من جنس الدم الخارج الخبيث المطلوب اجتنابه والبعد عنه، وإنما هذا الدم هو روح الإنسان وقوته وغذاؤه، فهو بمنزلة الأجزاء أو دونها، ولم يخرجه الإنسان رغبة عنه، وإنما هو إيثار لغيره، وبذل من قوته لقوة غيره، وبهذا يخف خبثه في ذاته، وتلطفه في آثاره الحميدة؛ ولهذا حرم الله الدم المسفوح، وجعله خبيثا، فيدل هذا على أن الدماء في اللحم والعروق، وفي معدنها قبل بروزها ليست محكوما عليها بالتحريم والخبث.

فقال الأولون: هذا من الدم المسفوح؛ فإنه لا فرق بين استخراجه بسكين أو إبرة أو غيرها، أو ينجرح الجسد من نفسه فيخرج الدم، فكل ذلك دم مسفوح محرم خبيث، فكيف تجيزونه، ولا فرق بين سفحه لقتل الإنسان أو الحيوان، أو سفحه لأكل، أو سفحه للتداوي به، فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل.

فقال هؤلاء المجيزون: هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة أخذ جزء من أجزاء الإنسان لإصلاح غيره، إذا لم يكن فيه ضرر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا))[65] و((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد))[66].

فعموم هذا يدل على هذه المسألة، وأن ذلك جائز.

فإذا قلتم: إن هذا في التواد والتراحم والتعاطف، كما ذكره النبي لا في وصل أعضائه بأعضائه.

قلنا: إذا لم يكن ضرر، ولأخيه فيه نفع فما الذي يخرجه من هذا، وهل هذا إلا فرد من أفراده؛ كما أنه داخل في الإيثار، وإذا كان من أعظم خصال العبد الحميدة مدافعته عن نفس أخيه وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أو ماله، فهذه المسألة من باب أولى وأحرى، وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه، وإن طالت المشقة، وعظمت الشقة، فهذه كذلك وأولى.

ونهاية الأمر: أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن، فحيث انتقلت الحال إلى ضدها وزال الضرر والخطر، فلم لا يجوز؛ ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة؟.

ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل، ومجاراة الأحوال، إذا لم تخالف نصا شرعيا؛ لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون، وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه تركه ولم يلتزم.

فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر، ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك؛ لضعف الإيمان وعدم الرغبة في الخير، كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس: أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة، بل يجاري الأحوال والأزمان ويتتبع المنافع والمصالح الكلية والجزئية؛ فإن الملحدين يموهون على الجهال أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة، وهم في ذلك مفترون؛ فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كل وجه، الكلي والجزئي، وهو حلال لكل مشكلة خاصة أو عامة، وغير قاصر من جميع الوجوه.

الموضوع الرابع: المقارنة بين المصالح التي بني عليها تشريح جثث الآدمي والمصالح التي بنى عليها فقهاء الإسلام الاستثناء من قاعدة عصمة دماء بني آدم ووجوب تكريمهم ورعاية حرمتهم:

إن شريعة الإسلام تنزيل من حكيم حميد عليم بما كان وما سيكون، وأنزلها على خير الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وجعلها قواعد كلية، ومقاصد سامية شاملة، فكانت تشريعا عاما خالدا صالحا لجميع طبقات الخلق في كل زمان ومكان.

إن كثيرا من الجزئيات والوقائع التي حدثت لا نجدها منصوصا عليها نفسها في الكتاب أو السنة، وربما لم تكن وقعت من قبل فلا يعرف لسلفنا الصالح فيها حكم، لكن يتبين لبحث علماء الإسلام عنها أنها مندرجة في قاعدة شرعية عامة، ومن ثم يعرف حكمها، ومسألة تشريح جثث موتى بني آدم لا تعدو أن تكون جزئية من هذه الجزئيات التي لم ينص عليها في نص خاص، فشأنها شأن الوقائع التي جدَّت، لا بد أن تكون مشمولة بقاعدة كلية من قواعد الشريعة، وراجعة لمقصد عام من مقاصدها العالية: "ضرورة كمال الشريعة وشمولها، وصلاحيتها لجميع الخلق، وختمها بمن أرسل رحمة للعالمين" قال - تعالى -: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [سورة مريم الآية: 64] وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [سورة النساء الآية: 165] وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [سورة المائدة الآية: 3] وثبت في الحديث ((لا أحد أحب إليه العذر من الله))[67].

من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وبالبحث عن مسألة التشريح تبين أنها مندرجة تحت قواعد الشريعة العامة، وراجعة إلى المصالح المعتبرة شرعا، وأن لها نظائر من المسائل التي حكم فيها الفقهاء مع اختلاف نظرهم واجتهادهم فيها، وهذا مما ينير الطريق، ويهدي الباحث في مسألة التشريح ويساعده على الوصول إلى ما قد يكون صوابا إن شاء الله.

إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال؛ فإن مصلحة حرمة الميت مسلمًا كان أو ذمياً تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه، فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه، وفي ذلك حفظٌ لحق أولياء الميت، وإعانةٌ لولي الأمر على ضبط الأمن، وردعٌ لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجريمة خفية، وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتا عاديا، وفي ذلك براءة المتهم، كما أن في التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء، ومعرفة نوعه، فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة، وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض، وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها، وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جريا على ما اقتضت به سنة الله شرعا وقدرا.

وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة، وتدريبهم على ذلك عمليا وتعريفهم بإصاباتها وطرق علاجها -في هذا وغيره مما تقدم بيانه في الموضوع الثاني، وما ذكر في فتوى فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف وما ذكره الأطباء- مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم، فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح، فبني عليها الحكم منعا أو إباحة، وقد يقال: إن مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح؛ لكونها كلية عامة، ولكونها قطعية، كما دل على ذلك الواقع والتجربة، وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس، وحفظها من الضروريات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء، وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام، منها: المسائل الخمس التي تقدم ذكرها، فقد بحثوها، وبينوا الحكم فيها على ما ظهر لهم، فمسألة تترس الكفار بأسرى المسلمين ونحوهم في الحرب رجح كثير منهم رمي الترس؛ إيثارا للمصلحة العامة، وكذا رجح كثير منهم شق بطن من ماتت وفي بطنها جنين حي، وأكل المضطر لحم آدمي ميت؛ إبقاء على حياته، وإيثار الجانب الحي على الجانب الميت، وبإلقاء أحد ركاب سفينة خيف عليهم الغرق ولا نجاة لهم إلا بإلقاء واحد منهم؛ إيثارا لمصلحة الجماعة على مصلحة الواحد، وقد سبق تفصيل ذلك، فلا يبعد أن يقال يجوز التشريح إلحاقا له بهذه النظائر في الحكم.

وقد يقال: إن الحوادث كانت منذ كان الناس، والطب قديم، والحاجة إلى تشخيص الأمراض ومعرفة أسبابها وطرق علاجها كان في العهود الأولى، ولم يتوقف شيء من ذلك على التشريح؛ ولهذا لم يقدم الأطباء قديما على التشريح، فلم نقدم عليه اليوم؟ وقد أورد فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف هذا السؤال على نفسه وأوضحه ثم أجاب عنه في فتواه التي سبق ذكرها.

وقد يقال أيضا: إن اقتضت المصلحة - ولا بد - تشريح إنسان ميت فليقتصر على تشريح المحاربين فإن دمهم هدر، ويستثنى منهم من نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتلهم كنسائهم وصبيانهم، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه من النهي عن التمثيل بقتلاهم؛ فإن نهيه عنه مقيد بما إذا لم يوجد ما يقتضي التمثيل بهم، وهنا قد وجدت الضرورة، وبهذا يجمع بين مصلحة حرمة الميت المسلم والذمي ومصلحة الخدمات الطبية، وربما نوقش ذلك باحتمال عدم الكفاية بتشريح المحاربين أو عدم تيسر الحصول عليهم فيعود الأمر إلى البحث في تشريح جثث موتى المسلمين ومن في حكمهم، قد يقال: لا ضرورة تلجئ إلى تشريح جثث الموتى مطلقا إذا أمكن أن يستغنى عن ذلك بتشريح الحيوانات بعد ذبح ما يذبح منها ذبحا شرعيا محافظة على المال.

ففي ذلك غنية عن تشريح جثث بني آدم وجمع بين مصلحة موتى الآدميين ومصلحة الخدمات الطبية، فإن لم يتيسر الاكتفاء بتشريحها فلا أقل من أن لا تشرح جثث بني آدم، إلا فيما لا يمكن الاكتفاء فيه بتشريح جثث الحيوانات، تقليلا للمفسدة ومحافظة على حرمة الموتى بقدر الإمكان.

وللدكتور محمد عبد الفتاح هدارة كلمة بيَّن فيها أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان وجسم الحيوانات الأخرى القريبة الشبه به قد تعتبر جوابا عن ذلك من مختص في علم التشريح المقارن وفيما يلي نصها:

أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان وجسم الحيوانات:

يستلزم تدريب الطبيب للممارسة الصحيحة للطب والجراحة أن يعرف حجم وشكل ومكان وتركيب كل عضو وما يجاوره من الأعضاء الأخرى في الجسم السليم؛ إذ يمكنه بعدئذ أن يعرف ما قد يطرأ من تغييرات على حجم وشكل ومكان وتركيب أيٍّ من هذه الأعضاء بسبب المرض.

فالمعرفة المذكورة المطلوبة معرفة تفصيلية دقيقة يصعب تصورها أو الحصول عليها دون تشريح الأجسام البشرية، ولا يمكن الاستعاضة في هذا المضمار عن الجسم البشري بجسم حيوان آخر.

فأقرب الحيوانات إلى شكل الإنسان هي مجموعة الأنواع التي تعرف بذوات الثدي أو الثدييات، وهي التي تلد وترضع أولادها، والشبه بينها وبين الإنسان عام، ولكن هناك الاختلافات الكثيرة، ولا تفيد دراسة تفاصيل جسم حيوان ثديي في فهم تفاصيل الجسم البشري التي تعين على تشخيص الأمراض في أحوال كثيرة.

فالاعتماد على تشريح الحيوانات الثديية وحدها، حتى أقربها إلى الإنسان شكلا لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل الجسم البشري، وقد يزرع في ذهن الأطباء عامة صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري تكون سببا في ارتكاب الأطباء للأخطاء الفنية، وخير ما يدل هو إبراز بعض أوجه الخلاف.

الهيكل العظمي وما يتصل به من مفاصل وعضلات:

يختلف هيكل الإنسان عن هيكل الثدييات الأخرى في مقاييس العظام المكونة له واعتداله، وتقوسات العمود الفقري، وشكل الحوض والقفص الصدري، كما تختلف نسب وأشكال عظام الأطراف والمفاصل التي بينها وخاصة اليد والقدم، وعظام العضوين المذكورين تختلف في عددها وطرق تفصيلها والعضلات المتصلة بها، وأما اليد فعضو إنساني بلغ في الإنسان مبلغا من الدقة لا يوجد في سائر الثدييات.

أما الرأس فنسب الأعضاء فيه مختلفة اختلافا كبيرا في سائر الثدييات فهيكل الفكين في الثدييات يكون جزءا كبيرا من الجمجمة في حين أن صندوق الدماغ فيها صغير نسبيا، ووضع تجاويف الأنف وحجاج العين يختلف في الثدييات عن الإنسان.

الأحشاء الداخلية:

الأحشاء الداخلية -سواء كانت في الصدر أم في البطن- تختلف في نسبها وشكلها العام في الإنسان عن سائر الثدييات، فمعدة الإنسان بسيطة، وقد تكون متعددة الأجزاء في الحيوانات المجترة، وأمعاؤه تخالف في الطول وفي الوضع أمعاء الثدييات الأخرى.

ورحم الإنسان بسيط، وقد يكون ذا قرنين معقدين في كثير من الثدييات.

وكلية الإنسان ذات سطح ناعم لا أخاديد به رغم تعدد ما بها من الفصوص، وكلى الثدييات تختلف، فبعضها ذات فص واحد، وبعضها متعدد الفصوص، ولكن يفصل بين فصوصها أخاديد تبدو على سطحها.

ودماغ الإنسان أكبر بكثير من أدمغة الحيوانات الثديية التي تماثله حجما، بل والتي تكبره بكثير مع اختلاف شكل دماغ الإنسان ونسب أجزائه عن أدمغة الثدييات الأخرى.

وهناك فروق كثيرة في التركيب الميكروسكوبي لأعضاء الإنسان وأعضاء الثدييات، وإن كان الشبه بين أعضاء الثدييات عاما، بالإضافة إلى أن هناك فروقا في التركيب الميكروسكوبي للأعضاء السليمة والأعضاء المريضة في جسم الإنسان لا بد من معرفتها حتى يعرف طبيعة المرض.

هذا ما تيسر إعداده، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.

حرر في 21 / 7 / 1396 هـ

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو: عبد الله بن سليمان بن منيع

عضو: عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان

نائب الرئيس: عبد الرزاق عفيفي

رئيس اللجنة: إبراهيم بن محمد آل الشيخ

قرار هيئة كبار العلماء:

رقم: (47) وتاريخ: 20 / 8 / 1396هـ

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396هـ جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم: (3231 / 2 / خ) المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم: (34 / 1 / 2 / 13446 / 3) وتاريخ 6 / 8 / 1395 هـ المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة، المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم، وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية.

كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: التشريح لغرض التحقق عن دعوى جنائية.

الثاني: التشريح لغرض التحقق عن أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها.

الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلما وتعليما.

وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة -المشار إليه أعلاه- قرر المجلس ما يلي:

بالنسبة للقسمين الأول والثاني: فإن المجلس يرى: أن في إجازتهما تحقيقا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك، وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين، سواء كانت الجثة المشرحة جثةَ معصومٍ أم لا.

وأما بالنسبة للقسم الثالث: -وهو التشريح للغرض التعليمي- فنظرا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما، وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها.

وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان.

وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة: فإن المجلس يرى: جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة، إلا أنه نظرا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتا كعنايتها بكرامته حيا؛ وذلك لما روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كسر عظم الميت ككسره حيا))[68]، ونظراً إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة: فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر.

والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

هيئة كبار العلماء

رئيس الدورة:

محمد بن علي الحركان.

عبد الله بن محمد بن حميد... عبد الله بن خياط... عبد الرزاق عفيفي

عبد المجيد حسن... عبد العزيز بن صالح... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

إبراهيم بن محمد آل الشيخ... سليمان بن عبيد صالح بن غصون... عبد الله بن غديان

راشد بن خنين... محمد بن جبير... صالح بن لحيدان... عبد الله بن منيع

 


[1] صحيح البخاري بشرح فتح الباري: الحج: (3/453 - 1654) طبع عبد الرحمن محمد، صحيح مسلم: القسامة، والمحاربين، والقصاص، والديات: (1679)، سنن ابن ماجه: المقدمة: (233)، مسند أحمد بن حنبل: (5/49)، سنن الدارمي: المناسك: (1916).

[2] صحيح البخاري: الديات: (8/38 - 6484)، صحيح مسلم: القسامة، والمحاربين، والقصاص، والديات: (1676)، سنن الترمذي: الديات: (1402)، سنن النسائي: تحريم الدم: (4016)، سنن أبي داود: الحدود: (4352)، سنن ابن ماجه: الحدود: (2534)، مسند أحمد بن حنبل: (1/444)، سنن الدارمي: الحدود: (2298).

[3] سنن أبي داود: الجنائز: (3207)، سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1616)، مسند أحمد بن حنبل: (6/105).

[4] صحيح مسلم: الجنائز: (970) ، سنن النسائي: الجنائز: (2028)، سنن أبي داود: الجنائز: (3225).

[5] سنن النسائي: القسامة: (4747)، سنن أبي داود: الجهاد: (3/191 -2760)، مسند أحمد بن حنبل: (5/36)، سنن الدارمي: السير: (2504).

[6] صحيح البخاري الديات (6516)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري: (12/259) رقم الحديث: (6914)، سنن النسائي: القسامة: (4750)، سنن ابن ماجه: الديات: (2686)، مسند أحمد بن حنبل: (2/186).

[7] صحيح البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة: (6870)، صحيح مسلم: الحج: (1370)، سنن الترمذي: الولاء والهبة: (2127)، سنن النسائي: القسامة: (4734)، سنن أبي داود: الديات: (4530)، سنن ابن ماجه: الديات: (2658)، مسند أحمد بن حنبل: (1/119)، سنن الدارمي: الديات: (2356).

[8] سنن الترمذي السير (1580)، سنن أبو داود الجهاد (2759)، مسند أحمد بن حنبل (4/113).

[9] سنن أبي داود: الجنائز: (3/543، 544 - 3207)، سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1616)، مسند أحمد بن حنبل: (6/105).

[10] المستصفى: (1/139)

[11] صحيح البخاري: التوحيد: (7480)، صحيح مسلم: الجهاد والسير: (1778)، مسند أحمد بن حنبل: (2/11).

[12] الأم: (4/287) ط: 1 عام 1381 هـ.

[13] مغني المحتاج: (4/223، 224) ط: الحلبي.

[14] صحيح البخاري: الجهاد والسير: (3013)، صحيح مسلم: الجهاد والسير: (1745)، سنن الترمذي: السير: (1570) ، سنن أبي داود: الجهاد: (2672)، سنن ابن ماجه: الجهاد: (2839) ، مسند أحمد بن حنبل: (4/38).

[15] المغني: (9/276، 277).

[16] الإنصاف: (4/129).

[17] شرح المواق على مختصر الخليل: (كتاب الجنائز: ج2).

[18] سنن أبي داود: الجنائز: (3207)، سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1616)، مسند أحمد بن حنبل: (6/100).

[19] الشرح الكبير لمختصر خليل: (كتاب الجنائز: ج1).

[20] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، لأبي عبد الله محمد المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، وبأسفله: التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن يوسف المواق: (3/76 - 77).

[21] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/429).

[22] المجموع للنووي: (5/301) .

[23] المجموع للنووي: (1/301).

[24] الروضة للنووي: (2/140-141).

[25] سنن أبي داود: الجنائز: (3207)، سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1616)، مسند أحمد بن حنبل: (6/100).

[26] صحيح البخاري: المغازي: (4192)، سنن أبي داود: الحدود: (4364).

[27] مسند أحمد بن حنبل: (2/83)، موطأ مالك: الطلاق: (1243)، سنن أبي داود: الخراج والإمارة والفيء: (3088).

[28] المغني لابن قدامة: (3/497 - 499).

[29] الإنصاف: (2/556).

[30] صحيح مسلم: الأقضية: (1715)، مسند أحمد بن حنبل: (2/360)، موطأ مالك: الجامع: (1863).

[31] صحيح البخاري: الحج: (1785)، صحيح مسلم: كتاب الحج: (1218)، سنن الترمذي: الحج: (856)، سنن النسائي: مناسك الحج: (2763)، سنن أبي داود: كتاب المناسك: (1905)، سنن ابن ماجه: المناسك: (3074)، مسند أحمد بن حنبل: (3/321)، موطأ مالك: الحج: (836)، سنن الدارمي: كتاب المناسك: (1850).

[32] المحلى لابن حزم: (5/166-167) ط: منيرية.

[33] المحلى لابن حزم: (5/166-167) ط. منيرية.

[34] التاج والإكليل لمختصر خليل: (2/413).

[35] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/429).

[36] روضة الطالبين: (3/284 - 285).

[37] سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1617).

[38] المغني للإمام موفق الدين ابن قدامة: ط/عام 1392هـ. ويليه [الشرح الكبير] للإمام شمس الدين ابن قدامة، ط /دار الكتاب العربي - بيروت لبنان، (11/79 - 80).

[39] الإنصاف: (10/376)، وانظر الفائدة الثانية في نفس الصفحة المذكورة (الناشر).

[40] المحلى: (5/426).

[41] صحيح البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها: (2594)، صحيح مسلم: كتاب التوبة: (2770)، سنن أبي داود: النكاح: (2138)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1970)، مسند أحمد بن حنبل: (6/198)، سنن الدارمي: الجهاد: (2423).

[42] صحيح مسلم: الأيمان: (1668)، سنن الترمذي: الأحكام: (1364)، سنن النسائي: الجنائز: (1958)، سنن أبي داود: العتق: (3958)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2345)، مسند أحمد بن حنبل: (4/446).

[43] صحيح مسلم: الأيمان: (1668)، سنن الترمذي: الأحكام: (1364)، سنن النسائي: الجنائز: (1958)، سنن أبي داود: العتق: (3958)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2345)، مسند أحمد بن حنبل: (4/431)، موطأ مالك: العتق والولاء: (1506).

[44] صحيح مسلم الأيمان (1668)، سنن الترمذي الأحكام (1364)، سنن النسائي الجنائز (1958)، سنن أبو داود العتق (3958)، سنن ابن ماجه الأحكام (2345)، مسند أحمد بن حنبل (4/446)، موطأ مالك العتق والولاء (1506).

[45] الأم للشافعي: (8/3 - 4) الطبعة الأولى: 1381هـ.

[46] فتح الباري: (5/292).

[47] فتح الباري: (9/311).

[48] فتح الباري: (5/293-294).

[49] صحيح البخاري: الأذان: (590)، صحيح مسلم: الصلاة: (437)، سنن الترمذي: الصلاة: (225)، سنن النسائي: الأذان: (671)، سنن أبي داود: الأدب: (5245)، سنن ابن ماجه: المساجد والجماعات: (797)، مسند أحمد بن حنبل: (2/303)، موطأ مالك: النداء للصلاة: (295).

[50] صحيح البخاري: المغازي: (3910)، صحيح مسلم: التوبة: (2770)، سنن الترمذي: تفسير القرآن: (3180)، سنن أبي داود: الأدب: (5219)، سنن ابن ماجه: الحدود: (2567)، مسند أحمد بن حنبل: (6/198)، سنن الدارمي: النكاح: (2208).

[51] صحيح مسلم: الأيمان: (1668)، سنن الترمذي: الأحكام: (1364)، سنن النسائي: الجنائز: (1958)، سنن أبي داود: العتق: (3958)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2345)، مسند أحمد بن حنبل: (4/431)، موطأ مالك: العتق والولاء: (1506).

[52] صحيح البخاري: الشهادات: (2529)، سنن أبي داود: الأقضية: (3616)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2329)، مسند أحمد بن حنبل: (2/489).

[53] صحيح البخاري: الشهادات: (2529)، سنن أبي داود: الأقضية: (3617)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2329)، مسند أحمد بن حنبل: (2/524).

[54] صحيح البخاري: الشهادات: (2529)، سنن أبي داود: الأقضية: (3617)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2329)، مسند أحمد بن حنبل: (2/524).

[55] صحيح البخاري: الشهادات: (2529)، سنن أبي داود: الأقضية: (3616)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2329)، مسند أحمد بن حنبل: (2/524).

[56] صحيح البخاري: المظالم والغصب: (2326)، صحيح مسلم: الأقضية: (1713)، سنن الترمذي: الأحكام: (1339)، سنن النسائي: آداب القضاة: (5422)، سنن أبي داود: الأقضية: (3583)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2317)، مسند أحمد بن حنبل: (6/320)، موطأ مالك: الأقضية: (1424).

[57] صحيح البخاري: المظالم والغصب: (2326)، صحيح مسلم: الأقضية: (1713)، سنن الترمذي: الأحكام: (1339)، سنن النسائي: آداب القضاة: (5422)، سنن أبي داود: الأقضية: (3583)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2317)، مسند أحمد بن حنبل: (6/320)، موطأ مالك: الأقضية: (1424).

[58] صحيح البخاري: المظالم والغصب: (2326)، صحيح مسلم: الأقضية: (1713)، سنن الترمذي: الأحكام: (1339)، سنن النسائي: آداب القضاة: (5422)، سنن أبي داود: الأقضية: (3583)، سنن ابن ماجه: الأحكام: (2317)، مسند أحمد بن حنبل: (6/320)، موطأ مالك: الأقضية: (1424).

[59] مسند أحمد بن حنبل: (1/165).

[60] الطرق الحكمية: لابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية بمصر عام 1372هـ: (287 – 291).

[61] سنن الترمذي: الطب: (2038)، سنن أبي داود: الطب: (3855)، سنن ابن ماجه: الطب: (3436).

[62] سنن ابن ماجه: الطب: (3438)، مسند أحمد بن حنبل: (1/443).

[63] سنن ابن ماجه: الأحكام: (2340)، مسند أحمد بن حنبل: (5/327).

[64] الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي: (143–148).

[65] صحيح البخاري: الصلاة: (467)، صحيح مسلم: البر والصلة والآداب: (2585)، سنن الترمذي: البر والصلة: (1928)، سنن النسائي: الزكاة: (2560)، سنن أبي داود: الأدب: (5131)، مسند أحمد بن حنبل: (4/405).

[66] صحيح البخاري: الأدب: (5665)، صحيح مسلم: البر والصلة والآداب: (2586)، مسند أحمد بن حنبل: (4/270).

[67] صحيح البخاري: التوحيد: (6980)، صحيح مسلم: اللعان: (1499)، مسند أحمد بن حنبل: (4/248)، سنن الدارمي: النكاح: (2227).

[68] سنن أبي داود: الجنائز: (3207)، سنن ابن ماجه: ما جاء في الجنائز: (1616)، مسند أحمد بن حنبل: (6/105).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
Badr
Maroc
2013/02/28
Salamo Alaykom, Baraka LAHO fiikom