أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل
عدد القراءات : 5125

الخطبة الأولى:

الحمد لِلّه المُتَّصِفِ بَأَعْظم النُّعُوتِ عُلُوًّا وجلَالاَ، وقُدْرَةً وكمَالاَ، وحكمةً وجَمَالاَ أحمده - سبحانه - له الشكر المَزيد والحمد المديد، على نِعَمٍ لم تَزَلْ تتوالى- عزّ ربًا وجلَّ إلهًا بَلَّغَ المتفائلين أمَانٍ وآمَالاَ، وحَطَّ عَنهم آصارًا وأوجالاً، وأشهد أَنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادَة هي لِدَياجير اليَأس نورًا يتلالا ولِكَتَائِبِ الإحْبَاطِ مُرْهَفَاتٍ صِقَالاَ.

وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدا عبد الله ورسوله أسوة الَبريّة رَجَاءً وفَالاَ، اللّهم ربَّاه ربَّاه، صَلِّ وسلم عَليه بُكرًا وآصَالاَ، صلاة لا حَدَّ لِمُنتهاها ولا آجالاَ، وعلى آله وصَحْبِه المُسْتبقين مكارِم وأفضالاً، الحائزين من الأمجاد ما عَزَّ مقامًا ومَنالاَ، والتابعين ومَنْ تبِعَهم بإحسَانٍ يرجو من جنان المولى أنهَارًا وظلالاَ.

أمَّا بعد:

فيا عباد الله، أوصيكم ونفسِي بتقوى الله - عز وجل -، فاتقوه -رحمكم الله- واستَدْرِكوا -وأنتم في مستهل العام- ما فَاتَ مِن التفريط والزّلل، وارفُوا بالطاعات والقرباتِ كُلَّ خَلَل، قبل فَواتِ الأمَلْ وانقِضاءِ الأجلْ ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ?.

أيها المسلمون: تَتَعاقب الأيَّام واللَّيَالي وتَنْمَحِي، وتَكِرُّ الأحقاب وتَنْتَهِي، وتَتَصَرَّم الأعوام وتنقضِي، وقد تجرَّع فيها أقوام أتراحًا، ونهل آخرون أفراحًا، وتلك مشيئة الباري في ملكوته وخلقِه أمضاها؛ لحكمة بالغة قضاها.

وفي مَطلعِ عامِنا الوليد الأغرِّ، جعله الله بَارقة نَصْرٍ وعزٍّ وتمكين لا تزال أمّتنا الإسلامِيّة رهِينَة المآسِي والنَّكبات، والشّتات والجراحات، بِمَا يَدُكّ الأطواد، ويَرُضُّ لفائف الأكباد، ويحمل هذا الواقِع الـمُرّ فئَامًا من المسلمين على الإدْلاج في سَرَاديب الإحباط، ونَصْبِ أشرِعتهم لِرياح اليأس والقنوط، تتقاذَفُهُمْ صَوْبَ العَنَاءِ وشَطْر الفَناء.

معاشر المسلمين: وعَلى إثر تلك الفُهُوم، المُلَبَّدَةِ بالغيوم، والتي سيطرت على كثير من المسلمين، وأطروحات المحللين والمفكرين، تعظم الحاجة، لتصحيح قناعات في الأمة وتقويم ثَقَافَةٍ مُلِمَّة وتجلية، قَضِيّة أكيدَةٍ مُهِمَّة: ألا وَهْي قضِيّة الأمل والتفاؤل، وإقصَاء القُنوط ونَبْذُ التّضاؤل.

إخوة الإيمان: ومِن اسْتَنْبَأ حقائق النَّفس، واستنطق خَلَجات الإنسان، أدْرك دونما عَنَاءٍ أنَّ القُنُوط سُدْفَةٌ مِنْ حُلَكِ الظَّلام، تُعَفِّي دون المسلم نُور الكُوَى، وتُحطِّمُ إزاء أفُقِه الصُّوَى، وتهدِم مِنْه القُدَرَ والقُوى، وتجعله مفترسا للضياع والخمود.

إلام تظلُّ في قلق تلاحـي *** أما لليأس عندك من رواح؟!

فلا يُنجيك من شرك الليالي *** إذا نُصبت كآمالٍ فسـاح

ومردُّ ذلك ضحالة العلم، وضمور الروح، وتسطح النظرة، وعوج الفطرة، ويجمع ذلك ضعف البناء الإيماني في النفوس، نعم يا رعاكم الله! إنَّ اليَأس من الإصلاح، والارتقاء، وبلوغ السُّؤدَدِ، رَأي خَاطِل ومَسْلك دون هنِيء الحَياةِ باطل، وكَجِيد عن لآلئ التفاؤل عاطل، لِذلك زجر القرآن الكريم عن هذه الصِّفة القاتِمة المُخَلْخِلَة، وهذه القِيمةِ البئيسة المُزَلْزِلة، وحَشر الموسومين بها في زُمْرَةِ الضّالِّين، قال - سبحانه -: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)، وقال - تعالى -: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وايم الله يا عباد الله! إنَّ الشعور بالإحباط المُطْبِق تمَرُّدٌ مُبَطَّن عن مقامات الخُضوع والتسليم لِحِكمةِ اللطيف الخبير، وسوء الظنّ بالبَرِّ الرحيم، ومَا يُدْريك أيها اليَائِس القانط، لَعَلَّ المِحْنةَ في مطاوي المَرْغوبِ، والخيْرَ كُلَّ الخَيْر في فواتِ المَحْبُوبِ!!

إذا الأمس لم يعد فإن لنا غدا *** نضيء به الدنيا ونملؤها حمدَا

وتلبسنا في الليل آفاقه سـنا *** وتنشرنا في الفجر أنسامه نَدَّا

أُمَّة الإسلام: إنَّ المُحْبَطِين عقيدَةً، وروحًا، ووجْدانًا، وسلوكا، وفِكْرًا، وثقافةً، لا يرون الحَيَاة المشرقة العالمة الوثابة الحالِمة، إلا دَكْناء سَوْدَاء، مُضرِّجة بِدُموع القُنوط، مكحولة بالضّيق والأسى، والفَشلِ والشّجى، في حَنادِس الليل إذا سَجى، قد اعتامَتهم جُيوش اليَأْس عِياذًا بالله- وطوَّقتهم قوافل الإحباط، وأبْهضتهم كتائب الخور، ونَهَشَتْهم مَشاعر الانهزامِيَّة الزّريّة، أجادُوا القُنوط والتقريع، وأطفؤُوا أنوار التفاؤل والتَّشجيع، واكتفوا بالعيش على هامش الأمّة، في استثقالٍ لِأعباء التَحَدِّي والإبدَاع والتّمَيُّز، واستِئناف التّنافس الشريف، والتّفاني الأخَّاذ، والمسؤولية المُتألقة التي تنشر الخير والرحمة والهدى بين العِباد.

إذا اشتملت على اليَأسِ القلوب *** وضاق لِمَابهِ الصدرُ الرحيب

وأوطأتِ المكـاره واطـمَأنّت *** وأرسَتْ في أماكِنها الخُطوب

أتاكَ على قُنوطٍ مِنك غـوثٌ *** يَمُنُّ به اللَّطـيف المُسْتَجِيبُ

ألاَ أيّها اليَائسون المُحبطون، إرْوَادًا بِأُمَّتِكم إرْوَادَا، ألا أيّها المُتشائمون القانِطون حَنَانيكم بأنفسِكم حنانيكم، فَمَا القُلوب التي غَمَرَتْها آيات القرآن، ونفحَتْها نسَائم الإيمان، وذَلَّت لِعَظمَة الدَّيَّان، واعتقدت حِكمة المَنَّان، واهْتَدَت لِسِيرةِ سَيِّد وَلدِ عَدْنان عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام، ما كانت تلك القلوب لِتُثبِّطها عن المَعَالى والعِزّة، غوائل اليأس، وتباريح الكروب، أو تأخُذَها بالتَّبَرُّم والتّذَمُّر، والاستيآس والتَّنَمُّر، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).

أمَّةُ النَّصْر الموعود، والبُطولة والصُّمود: ولئن برّح بالغُيَرِ استمرار الصَّلَف الصّهيونيّ الحاقد بوَحْشيّته وإجرامه على إخواننا الصامدين في غزَّة، مُسْترسِلاً في رُعوناته العُدْوانِيّة البَرْبَرِيّة، وإبادَتِه الجَمَاعِيّة، مُنسَلِخًا مِن أدْنى المشاعر الإنسانية، في تحدٍّ دَمِيم لكلِّ العهود والمواثيق الدّوليَّة، وحق لنا أن نصطرخ جميعًا:

يا غزة الألمِ الذي سيظل في *** أعماقنا لهــبًا لجــذوة نــار

يا غزة الأمل الكبـير تكـشفت *** سحب فبانت سحنة الممتار

إننا بإزاء هذا الطّغيان والعُدْوان، ننادي مِن مِنبَرِ المَسْجد الحرام باسم الشعوب الإسلامية، بالوقف الفوْرِيِّ العاجل لهذا الإرهاب الصهيوني المَاكر، وإدَانة العَدُوِّ الألدّ الغاشم، عبر المجتمع الدولي وهيآته العالمية.

ولا نقول في مزيد التفاؤل بقرب نصر الله، إلا حسْبنا الله ونعم الوكيل، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النَّصير.

كما يهاب بالدول الإسلامية أن تستنفر لرفد إخوانهم في أرض الإسراء والمعراج، بجميع صنوف العون والمواساة، والضراعة إلى الله والإلحاح في الدعاء.

الله في كلِّ خطبٍ حسبنا وكفى *** إليه نرفع شكوانا ونبتهلُ

يا مالك الملـك فادفع ما ألمَّ بنا *** فما لنا بتـولي دفعه قِبَلُ

إخوة الإيمان أمّة التّفاؤل، أهلنا وإخواننا في غزة: أبشروا بالنصر والشموخ والعزة، الله الله في الصبر والثبات، أنه مع هذا الإعصار الجعضري النزق، فإننا نؤمِّل الفرج، بعد الشدة والحرج، واليسر، بعد الضيق والعسر، ومن آلامنا نحقق آمَالنا، وإثر الهزيمة، ينبَلِج النصر والعزيمة.

يا غزّة الجرح المعطر بالتّقى *** لا تيأســي من صـحوة المليـار

لا تيـأسـي مـن أمــةٍ في روحها *** ما زال يجري منهج المختار

أحِبَّتي الأكارم: وليس أنْجع في الانتصار سَاعة اليأس والشّدائد من الادِّراع بالتّفاؤل، واستصحاب الاستبشار، وذلك هو هدي النبيِّ المُختار - صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((ويُعْجِبني الفأل))، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: ((الكَلِمَة الطَّيّبة)) أخرجه الشيخان، وقد ترجم ذلك - صلى الله عليه وسلم - واقِعًا محسوسًا حيث تدرع بالتفاؤل في أحلك الأزمات في بدر واحد والأحزاب، وقال - صلى الله عليه وسلم - متفائلاً مُبَشرًا، رُغم الخطب الفادِحِ والكرب القادِح: ((لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأَمْرُ مَا بَلَغ اللّيل والنَّهَار، لا يَتْرُك الله بَيْتَ مدرٍ ولا وبَرٍ إلاّ أدْخله الله هذا الدِّين بِعِزِّ عزيزٍ أو بِذُلِّ ذليل، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلاًّ يُذِلُّ الله به الكُفْر)) أخرجه الإمام أحمد في مُسْنَدِه، فالتفاؤل -أيها المسلمون وأيها المكلومون- نِبْرَاس في مجاهل الحَياة، وفجر سَاطع في دَيَاجير الكُرُبات، وهل الأنبياء الكرام عليهم الصّلاة والسّلام، وهم صَفْوَة الأنام، وما لقوا من الأوصاب أشَقُّ من الصَّاب، فبَلّغوا الرِّسَالات، ونَشَروا الهِدَايات، وحققوا التّمكين إلاّ بالتّفَاؤل والأمل والصبر واليقين، وهل بَلَغ عَبَاقرَةُ التّاريخ ونوابغُ الزّمان، وفَلَتات بَني الإنسان، ذُرَا الحضَارات والأمجاد، إلاَّ بِحُدَاءات التفاؤل الشّفيف، ونَجَاوى الأمل المُعْشَوْشِب الوريف.

لا خَيْرَ في اليَأس كُلُّ الخير في الأمل *** أصْلُ الشجاعة والإقدَام في الرجُلِ

أُعَـلِّلُ النَّفـس بالآمـال أرقُبُها *** ما أضْيَق العيش لولا فُسحة الأمل

أمّة البشائر والتفاؤل: إن الأمل الباسم والرَّجاء النَّاسم هما مِن أحَدَاقِ الرُّوح نورها، ومن أزاهير التوكّل عبيرُها ومن سَوَافي الرِّضا عن الله نَميرها، بالتفاؤل النَّضير تَتَدَفَّقُ روح المُسْلِمين بالعزيمة والتحدِّي وتتأنّق بالنُّبوغ وحُبِ الكمال، بالثّقة في موعود الله مُزْدَهِيَة، وإلى معالي الأمور توَّاقة مُنْتَهِيَة، فالرنو في ثقة للأمل، باعث العزائم ومفتق مسار الأفئدة عن الكمائم، فَلِلّه ثم لِلَّه ما أهْناها مِن حَيَاةٍ عانقت شرعة الرِّسالة، وبُرُود العِزّة والبسَالَة؛ وبهذا الشُّعُور التفاؤلي المُشبوب في حَنايا النَّفس، الوامِض على صفحات المحيا يُمْخُر المسلم عُبَابَ اليَأس، ويُمَزِّق سُجُف القنوط والإحباط بإذن الله -تعالى- فيا من أحرضته غصة الفشل، فاستعر، تفاءل تجد خيراً، ويا من مسه الضجر بالآصال والبُكر أمل هناءً؛ تُلفِ هناءً، ويا من أصابته الكروب، وأعيته الشدائد والخطوب، أبشر فإن النصر مع الصبر، وإن مع اليسر يسراً.

قَادِمٌ فَأْلِي ومن أعطافِه *** يَعْبَقُ الزَّهْـر ويَنْهلُّ الغَـمَامْ

إنه يَبْزُغُ مـِنْ أعْماقِنَا *** والجرَاحات على الأُفْقِ وِسَامْ

إخوة العقيدة: وليكن منكم بِحُسْبان، أنَّ الأمل والتفاؤل مفرَدَات أخاذة لِمَدْلولها أثر واعتبار، ولِفَحْوَاها كُنْهٌ واختبار، وإلاّ كانت ضرْبًا من الأوهام وأضغاث الأحلام، وذلك بأن لا يَشُوبها رَنَقُ الخمول والتّعَطُّل، ولا كَدَر التّواكلِ والتَّبَطّل، وإنما تتواشج فيها أعمال القلوب بأعمال الجوارح، قيل للحسن البصري: قوم يقولون نرجو الله، ويُضَيِّعون العمل! فقال: "هيهات هيهات تلك أمانِيّهم، يترَدَّدُون فيها".

مَن رَجَا شيئًا طلَبَه ومَن خاف شيئًا اجْتَنَبَه، وإنه للمنهج المؤصل الذي يحيي به الأمل الإرادة الخابية، وينهض العزيمة الغافية، وما التفاؤل الحق إلا ذلك.

متفائل يا قوم رغم قنوطكم *** إن السما تهمي فيحيا الوادي

هذا يقيني وهو لي بلُّ الصدى *** والكأس غامرة لغلة صادي

وأبلغ من ذلك وأعز، قول المولى جلَّ وعز: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، ويقول جلّ شأنه في الحث على التَّمسُّك بالبُشْرَيات: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

ولا يُرى من فزع رهن أسى *** يقينه كالطود في القلب رسا

يبصر في غور الخطوب قبسا *** من نصرة الله إذا ما استيأسا

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا وأسْتغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه كان حليمًا غفوراً.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ولي كل آملٍ يرجو فرجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً عاطرة أرجا، وأشهد أن نبيَّنا محمدا خير من دعا إلى التفاؤل حججًا ومنهجًا، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الجديدان أفولاً وبلجًا.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا وإن كثرت الأزمات، القنوط والاستيآس، فمقتضاهما الفشل والارتكاس.

أمة الإسلام: وحسبنا بمطلع العام الهجري المبارك حافزًا للمبشرات والطموحات البلجاء، وهاديًا إلى مضارب الفأل والرجاء، وذلك بما تكتنزه الهجرة النبوية الميمونة من العظات والعبر والبُشريات المؤتساة لإعداد الأجيال التي تصنع فنَّ التفاؤل والآمال العازمة، للإرادات الشامخة الجازمة، ولن يكون كفاء ذلك إلا موعود الحق - سبحانه -: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

أحبتي في الله: ومن التفاؤل في مفتتح شهور العام شهر الله المحرم، انتصار الحق على الباطل والعدل على الظلم مهما عَتَى وتجبر وبغى، حيث نصر الله نبيه موسى - عليه السلام - وقومه، على فرعون وقومه، في العاشر من هذا الشهر الحرام، فصامه - عليه السلام - شكرًا لله - عز وجل -، وصامه نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأمر بصيامه مبيِّنًا عظيم شأنه وفضله، فقال: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -، فينبغي للمسلمين أن يصوموا هذا اليوم المبارك، ويومًا قبله أو بعده، اقتداءً بسنة الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، متخذين من التفاؤل الحق في استهلال العام بصالح الأعمال، نبراسًا جليًّا، ومنهجًا عمليًّا، متفائلين أن ينصر الله الإسلام ويعزَّ المسلمين: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).

أيها الجمع المبارك: ومن التفاؤل بالتفاؤل ما دبَّجه يَرَاع الحمد والشكر، والثناء والذّكر على جبين التاريخ، من أبْهر مواقف النّبل، ومآثر المواسَاة والتّآخي، التي سَطّرَتها بلاد الحرمين الشريفين رعَاةً ورعِيّة في التخفيف من جراحات إخوانِنَا المرزوئين والمصابين، بل هو نبض جميع أبناء أمتنا بحمد الله في مشارق الأرض ومغاربها، كتبه المولى - جل وعلا - في سِجِلِّ الحَسَنات، ورِفْعَة في سَنِيِّ الدَّرجَات، وأدام استقرَار النِّعم عليهم، واسْتمْرار المِنن لَدَيهم، إنه جواد كريم.

هذا، وصلوا وسلموا على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم المولى جل وعلا فقال - تعالى -قولاً كريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة