قصة طالوت وجالوت وما فيها من عبر
عدد القراءات : 19334

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فتبدأ هذه القصة بذكر ما جرى في بني إسرائيل، وكانوا قد طلبوا من نبيهم القتال، وأن يبعث لهم ملكًا يُقاتلون معه؛ لرفع الظلم الواقع عليهم، وفي ذلك يقول - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: 246].

والملأ: هم الأشراف من الناس كأنهم ممتلئون شرفًا، والملأ في هذه الآية القوم، وتأتي بمعنى حسن الخلق، ومنه الحديث: ((أحسنوا الملأ فكلكم سَيروَى)) [رواه مسلم].

وهذه القصة حدثت بعد وفاة موسى - عليه السلام -، والنَّبيّ الذي سألوه أن يبعث لهم ملكًا هو شمويل بن بال بن علقمة، ويُعرف بابن العجوز، ويُقال فيه شمعون قاله السدي، وإنما قيل: ابن العجوز؛ لأن أمه كانت عجوزًا، فسألت الله الولد وقد كبِرت وعَقَمَت فوهبه الله - تعالى –لها، ويُقال له أيضًا: شمعون؛ لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلامًا فسمته "سمعون"، تقول: سمع الله دعائي، والسين تصير شينًا باللغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب.

وقد أخطأ من ذكر أن النَّبيّ هو يوشع بن نون، فيوشع هو فتى موسى، وهو النبي بعد نبي الله موسى - عليه السلام -، أما مدة داود فهي من بعد موسى بقرون، وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذِلّة وغَلَبةُ عدوّ فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يُؤمروا به، فلما أُمروا تراجع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله، وفي الخبر: أن هؤلاء المذكورين هم الذين أُميتوا ثم أُحيوا والله أعلم.

وهذا يدل على أنَّ الجهاد كان مشروعًا في الأمم السابقة، وقد أمر به الأنبياء السابقون ولم يقتصر على هذه الأمة، وهذا الجهاد لابد وأن يكون في سبيل الله، لا بغية إظهار الشجاعة أو الحمية أو الرياء، وشأن الجهاد في ذلك كشأن بقية الطاعات والقربات، لابد فيه من نية وصحة أو إخلاص ومتابعة (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110].

فالنية لابد وأن تكون خالصة لله، وإلاَّ فمن أوائل من تسعر بهم النار رجل قاتل حتّى قُتل، يُؤتى به يوم القيامة، ويعرفه الله نعمه فيعرفها ويُسئل ما عملت فيها فيقول: يا رب، قاتلت في سبيلك حتَّى قُتلت، فيُقال له: كذبت، ولكن ليقال عنك أنك شهيد، وقد قيل، ويُؤمر فيُسحب على وجهه في النار، وهذا أحد الثلاثة الذين هم أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة، فالرب - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عملاً عملاً أشرك فيه معه غيره تركه وشركه.

ولا يجوز أن يكون القتال لنشر الديمقراطية أو الاشتراكية أو القومية، أو تحت راية عمية يغضب لعصبة أو ينتصر لها، كما لا يجوز القتال على الملك أو في الفتنة، فالقتال له سبيله وصراطه، ولما رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة في الغزو قال: ((ما كانت هذه لتُقاتل))، فلا يُكتفى في القتال بمجرد الحماسات، بل لابد من إذن الشرع، وهذا المعنى يُشير إليه قوله - تعالى -: (إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالأنبياء هم أعرف الخلق بالله، وبما يُقرب من رضوانه، فلابد من متابعة سبيلهم وطريقهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 09].

وكل الطرق مسدودة إلاَّ من طريقه صلوات الله وسلامه عليه، فلما طلب هؤلاء القوم القتال، قال لهم نبيهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) وليس الخبر كالمعاينة، والأماني شيء والوقوف على أرضية الواقع شيء آخر، ولعل النَّبي تخوف من التولي والفرار لما علمه من حالة القوم وضعفهم وسيرتهم قبل ذلك، أو أراد وعظهم وتذكيرهم بحرمة النكوص على العقب إذا حضروا الصف، وكان اللقاء وفُرض الجهاد، فما كان منهم إلاَّ أن (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) أي وأي شيء لنا في ألاَّ نُقاتل في سبيل الله، وعللوا بأنهم أُخرجوا من ديارهم دون وجه حق، وأيضًا بسبب ذراريهم، وكل واحدة من هذه تصلح سببًا للجهاد.

وقد دلت النصوص على مشروعية جهاد الدفع وجهاد الطلب، والطلب بمعنى طلب الكفار في عقر دارهم؛ لدعوتهم ونشر دين الله فيهم، وهذا واجب على الكفاية إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الباقين، أما جهاد الدفع فمعناه دفع الكفار عن ديار المسلمين، وهو فرض عين، يجب على الولد أن يخرج دون استئذان والديه، والمرأة دون استئذان زوجها، والمدين دون استئذان صاحب الدين.

وجهاد الدفع هذا تُقره جميع الشرائع والمؤسسات الدولية، ومن عجيب الأمر أن يُطلق وصف الإرهاب على من يدفع الأعداء عن أرضه وعرضه ودينه!، وفي المقابل نجد الكفار يغزون ديار المسلمين لنشر دينهم وديمقراطيتهم، فهل اتعظ من خيّل عليهم الأعداء، وعاشوا حياة الهزيمة النفسية إذا ذُكرت كلمة الجهاد في سبيل الله (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76].

والقتال لا يُطلب لذاته، وإنما الغاية هي رد الحق لنصابه، والقيام لله بحقه، فإن تمّ ذلك بلا قتال فهو المطلوب (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [الأنفال: 16].

وكم من بلد فُتحت بالقرآن، وكم من بلد فُتحت بالسيف والسنان، ولا حجر على سعة رحمة الله، وأحكام الجهاد كثيرة والآيات بشأنه عديدة، ونحن نترك الواقع يُفسر لنا أي هذه الآيات يُعمل بها، بحيث يتساوى الحكم مع الواقع ونحتاج في ذلك للرجوع لعلماء الأمة المعتبرين (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83].

يقول - تعالى -عن حالة هؤلاء القوم: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) أي أنه لما فُرض عليهم القتال، ورأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأن نفوسهم ربما قد تذهب، اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة؛ تتمنى الحرب أوقات الأنفة والسعة، فإذا حضرت الحرب ركعت وتراجعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا)) [رواه الأئمة]، ثم أخبر الله - تعالى -عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى، واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله - تعالى -.

ومن الملاحظ أن أرباب الدنيا والماديين من الاشتراكيين والديمقراطيين والقوميين والبعثيين.. يغلب عليهم الفرار والتولي، فبيت العنكبوت هو أوهى البيوت، بعكس من غلب على قلبه حب الله والدار الآخرة فهذا هو الذي يثبت عند اللقاء؛ فالمعصية سبب الفشل، والروم تخونهم أجسادهم عند اللقاء رغم أنهم ضخام الأجسام، وهذه حقيقة نطق بها الشرع والواقع، ثم الكثرة ليست عنوانًا للحق دائمًا، بل كثيرًا ما تُذكر في موضع الذم (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: 116] (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: 301] (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: 106].

فاعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه، واسلك طريق الهدى ولا يضرك قلّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، ودين الله ليس دين ديمقراطية ولا أكثرية، فالحق ما وافق الكتاب والسُّنَّة، وأهل السُّنَّة والجماعة من كان على الحق حتى وإن كان وحده، ومع الدواعي والدوافع المشروعة للجهاد وإلحاحهم بذلك إلاَّ أنهم تولوا إلاَّ قليلاً منهم، فالحذر من فتور الهمة، فالفترة بعد المجاهدة من فساد الابتداء، والإقدام والإحجام ينبغي أن يكون وفق الشرع، فلكل عمل شرة، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت شِرّته وفترته إلى السُّنَّة فقد اهتدى، وكان عمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ديمة، وكان يقول: ((أَحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ))، وكان السلف الصالح إذا عملوا عملاً أثبتوه، فإياكم والهوى وطول الأمل كما قال عليٌّ رضي الله عنه، أما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة، وقد حذرنا - سبحانه - من طول الأمد فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16]، فهذا هو شأن الكثرة إذا غلبت عليهم الراحة والدعة وطال عليهم الأمد، فاخشوشنوا فإنّ النعمة لا تدوم، وإياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.

تنتقل بنا الآيات إلى المشهد الثاني، وهو إجابتهم إلى ما سألوا (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247].

قال وهب بن منبه: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا، سأل الله - تعالى -أن يبعث إليهم ملكًا ويُدله عليه، فقال الله - تعالى -له: انظر إلى القَرَن الذي فيه الدُهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنشَّ الدهن الذي في القرَن، فهو مَلِك بني إسرائيل فادهنْ رأسه منه وملكه عليهم.

قال: وكان طالوت دبّاغًا فخرج في ابتغاء دابة أضلها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجًا، فنش الدهن على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله - تعالى -بتقديمه.

ثم قال لبني إسرائيل: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)، وكان طالوت من سِبط بنيامين، ولم يكن من سِبط النبوة، ولا من سبط المُلك، وكانت النبوة في بني لاوي، والملك في سبط يهوذا، فلذلك أنكروا وقالوا: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) –أي: كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه؟!، جَروا على طريقتهم في التعنت مع الأنبياء، والانحراف عن أمر الله - تعالى -، وتعجبوا كيف يكون له الملك، وهم من سِبط الملوك وهو ليس كذلك، هم أغنياء وهو فقير؟، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله - تعالى -وقضاؤه السابق، فالأمر أمره والعبد عبده، والحلال ما أحل، والحرام ما حرّم، والدين ما شرع، وليس للعبد إلاَّ أن يستسلم ويقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنبيهم قد صرح لهم وقال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)، فساروا على درب إبليس عندما اعترض على الأمر المباشر بالسجود لآدم، وكان أول من قاس قياسًا فاسدًا في مواجهة النص، وقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [ص: 76].

لقد تصور القوم أن المُلك حكر عليهم، وأنّ التقديم والتأخير تبعًا للغنى والفقر، و صادموا الوحي بذلك، وهم أهل تعنت؛ فقد صنعوا ذلك من قبل مع نبيّ الله موسى - عليه السلام - عندما أمرهم بذبح بقرة، فأكثروا وشددوا؛ فشدد الله عليهم كما يقول ابن عباس رضي الله عنه: لو أخذوا بقرة فذبحوها لأجزأتهم.

وحرص بني إسرائيل على المال قديم، وتقييمهم الخلق به لم ينتهِ (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)، وهذا الموقف جعل نبيهم يحتج عليهم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاه ٍ) أي: اختاره وهو الحجة القاطعة، وبيّن لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو مِلاك الإنسان، والجسم الذي هو مُعينه في الحرب، وعدّته عند اللقاء، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل، وأجمله، وأتمه، وزيادة الجسم مما يَهيب العدو، وقيل: سُميَ طالوت لطوله.

والواجب على العباد أن ينقادوا لأمر ربهم حتى وإن خفيت الحكمة (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 1-3]، ومع ذلك أوضح لهم نبيهم سبب اختيار طالوت، وبغض النظر عن حرفته وصنعته وغناه وفقره، فهو قد تأهل للملك بالعلم والجسم، والقوة والأمانة لابد منهما في كل ولاية (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 62].

والخلافة والحكم موضوعة لإقامة الدين وسياسة الدنيا به، فإذا توافرت الشروط في غير القُرشي، قدّمناه على القرشي العاري من شروط الإمامة، ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبه، ولا يجعل الله عبدًا سارع إليه كعبد أبطأ عنه، ولا يزال العبد يتأخر حتى يؤخره الله.

وقد تضمنت الآيات بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة: بالعلم، والدين، والقوة لا بالنسب، فلا حظَّ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس، وأنها متقدمة عليه؛ لأن الله - تعالى -أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف نسبًا (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)، قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه، فالله هو مالك المُلك وملك الملوك، يُؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعز من يشاء ويُذل من يشاء، فضلاً وعدلاً ولا ظلم بين العباد.

ثم قال على جهة التنبيه من غير سؤال منهم (إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ)، ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) قال ابن عطية: والأول أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبري.

والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم - عليه السلام -، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب - عليه السلام -، فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتّى عَصَوا فغُلبوا على التابوت، غلبهم عليه العمالقة -جالوت وأصحابه- في قول السدي، وسلبوا التابوت منهم.

قال القرطبي -بتصرف يسير-: "وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان، وهذا بيِّن.

قال النحاس: والآية في التابوت على ما رُوي أنه كان يسمع فيه أنِينٌ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، وإذا هَدأَ الأنين لم يسيروا، ولم يسِر التابوت، وقيل: كانوا يضعونه في مأزق الحرب، فلا تزال تَغلِب حتى عصوا فغُلبوا وأُخِذ منهم التابوت، وذلَّ أمرهم؛ فلما رأوا آية الاصْطِلام وذهاب الذكر، أنِفَ بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبيّ الوقت: ابعث لنا ملكًا؛ فلما قال لهم: ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم؛ فلما قطعهم بالحجة سألوه البيِّنة على ذلك، في قول الطبريّ. فلما سألوا نبيهم البيّنة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داءٌ بسببه، على خلاف في ذلك، قيل: وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة، وقيل: وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير، فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدّوه إلى رجليه، فأصبحوا وقد قُطعت يدا الصنم ورجلاه، وأُلقيت تحت التابوت؛ فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم، وقيل: جعلوه في مَخْرأة قوم فكانوا يُصيبهم الباسور.

فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا: ما هذا إلاَّ لهذا التابوت! فلنردّه إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين، وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية، ورُوي أن الملائكة جاءت به تحمله، وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فرويَ أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم، قاله الربيع بن خيثم.

وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، وقال الكلبي: وكان من عود شمسار الذي يتخذ منه الأمشاط، وقرأ زيد بن ثابت (التابوه) وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء، وروي عنه (التيبوت) ذكره النحاس، وقرأ حميد بن قيس (يحمله) بالياء.

قوله - تعالى -: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

قوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ) أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) [التوبة: 40] أي: أنزل عليه ما سكن به قلبه، وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفرّوا من التابوت إذا كان معهم في الحرب، وقال وهب بن منبه: السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم، وقال عليّ بن أبي طالب: هي ريح هَفّافة لها وجهٌ كوجه الإنسان، وروي عنه أنه قال: هي ريح خَجُوج لها رأسان، وقال مجاهد: حيوان كالهِرّ له جناحان وذَنَب ولِعَيْنَيْه شُعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال ابن عباس: طَسْت من ذهب من الجنة، كان يُغسل فيه قلوب الأنبياء، وقاله السديَّ. وقال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به وتقْوَى.

قلت: وفي صحيح مسلم عن البَرَاء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن، فتغشّته سحابةٌ فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسُه ينفِر منها، فلما أصبح أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: ((تلك السَّكينة تنزّلت للقرآن))، وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أُسَيد بن الحُضَير بينما هو ليلة يقرأ في مِربَده الحديث... وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأتَ لأصبحتْ يراها الناس ما تستتر منهم)) [خرجه البخاري ومسلم]، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدلّ على أنّ السكينة كانت في تلك الظُّلة، وأنها تنزل أبدًا مع الملائكة، وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلاَّ لمن يعقل، والله أعلم.

قوله - تعالى -: (وَبَقِيَّةٌ) قيل: عصا موسى وعصا هارون ورُضَاض الألواح؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس.

زاد عِكرمة: التوراة.

وقال أبو صالح: البقية عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة.

وقال عطية بن سعد: هي عصا موسى وعصا هارون وثيابهما ورُضاض الألواح.

وقال الثوريَّ: من الناس من يقول البقية قفيزا مَنٍّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون ورضاض الألواح.

ومنهم من يقول: العصا والنعلان، ومعنى هذا ما رويَ من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العِجْل، ألقى الألواح غضبًا فتكسّرت، فنزع منها ما كان صحيحًا وأخذ رُضَاض ما تكسر فجعله في التابوت.

وقال الضحاك: البقية: الجهاد وقتال الأعداء.

قال ابن عطية: أي الأمر بذلك في التابوت، إمّا أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأُسند الترك إلى آل موسى وآل هارون من حيث كان الأمر مندرجًا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون، وآل الرجل قرابته.

قوله - تعالى -: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

فيه إحدى عشرة مسألة:

الأولى: قوله - تعالى -: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُود) (فَصَلَ) معناه: خرج بهم، قال وهب بن منبه: فلما فصل طالوت قالوا له: إن المياه لا تحملنا فادعُ الله أن يُجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: إنَّ الله مُبتليكم بنهر، وكان عدد الجنود - في قول السديّ - ثمانين ألفًا، وقال وهب: لم يتخلف عنه إلاَّ ذو عذر من صغر، أو كبر، أو مرض، والابتلاء الاختبار.

والنَّهَر والنّهْر لغتان، واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدَّم، قال قتادة: النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين.

ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِمَ أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فعصيانه في الشدائد أحرى، فرُوي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، فلذلك رُخِّص للمطيعين في الغَرْفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليَكْسِروا نزاع النفس في هذه الحال، وبين أن الغَرْفة ليرتفع عنهم أذى العطش عند الحَزَمة الصابرين على شَظَف العَيْش الذين هَمُّهم في غير الرفاهية، كما قال عروة:

وأحْســوا قَـرَاح المــاءِ والمـاءُ بــاردُ

قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((حسْب المرء لُقيْمات يُقِمْن صلبه)).

الثانية: استدلّ من قال أن طالوت كان نبيًا بقوله: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)، وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، ومن قال لم يكن نبيًا قال: أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوتُ قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء؛ ليتميّز الصادق من الكاذب، وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حُذافة السَّهْمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم.

الثالثة: قوله - تعالى -: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) (شَرِبَ) قيل معناه: كَرَع، ومعنى (فَلَيْسَ مِنِّي) أي: ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، قال السدّي: كانوا ثمانين ألفًا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمُجِدّ والكسلان، وفي الحديث: ((من غشنا فليس منّا)) أي: ليس من أصحابنا، ولا على طريقتنا وهَدْينا، وهذا كثير في كلام العرب؛ يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه: لست مِنِّي.

الرابعة: قوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) يُقال: طعِمت الشيء أي: ذقته، وأطعمته الماء أي: أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه؛ لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئًا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عِبرة بقدح من يقول: لا يُقال طعمت الماء.

الخامسة: استدلّ علماؤنا بهذا على القول بسدّ الذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم؛ ولهذه المبالغة لم يأتِ الكلام "ومن لم يشرب منه".

السادسة: لما قال - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) دلَّ على أن الماء طعام وإذا كان طعامًا كان قوتًا لبقائه، واقتيات الأبدان به، فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي: وهو الصحيح من المذهب.

قال أبو عمر قال مالك: لا بأس ببيع الماء على الشَّطّ بالماء متفاضلاً وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بن الحسن: هو مما يُكال ويُوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن، وقال الشافعي: لا يجوز بيع الماء متفاضلاً ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولاً جنسًا.

السابعة: قال ابن العربيّ: قال أبو حنيفة: من قال: إن شرِب عبدي فلان من الفُرَات فهو حُرّ فلا يعتق إلاَّ أن يكْرَع فيه -والكرع أن يشرب الرجل بفِيه من النهر-، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق؛ لأن الله - سبحانه - فرَّق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد، قال: وهذا فاسد؛ لأن شرب الماء يطلق على هيئة وصفة في لسان العرب من غَرْفٍ باليد أو كَرْع بالفم انطلاقًا واحدًا، فإذا وُجِدَ الشّرب المحلوفُ عليه لغة وحقيقة حَنَث، فاعلمه.

قلت: قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرَّقوا بينهما كما فرَّق الكتاب والسُّنَّة، قال الجوهري وغيره: وكَرَع في الماء كُروعًا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لُغة أخرى: كرِع بكسر الراء يكرع كَرَعًا، والكَرَع: ماء السماء يكرع فيه.

وأما السنَّة: فذكر ابن ماجه في سننه: عن ابن عمر قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَكْرَعوا، ولكن اغسلوا أيديكم، ثم اشربوا فيها؛ فإنه ليس إناء أطيب من اليد))، وهذا نص، وليث بن أبي سليم خرَّج له مسلم وقد ضُعِّف.

الثامنة: قوله - تعالى -: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرَفة، والغَرْف مثل الاغتراف، وقُرئ: (غَرْفة) بفتح الغين، والغَرْفة المرة الواحدة، وقرئ: (غُرْفَة) بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ، وقال بعض المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرفة بالكفّين.

وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد، وقال عليّ رضي الله عنه: الأكُفّ أنْظَفُ الآنية، ومنه قول الحسن:

لا يَدلِفون إلى ماء بآنية إلاَّ اغترافًا من الغُدران بالراح

الدليف: المشي الرويد.

قلت: ومن أراد الحلال الصِّرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب؛ فليشرب بكفّيْه الماء من العيون، والأنهار المسخّرة بالجَرَيَان آناء الليل وآناء النهار، مُبتغيًا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار، واللُّحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع؛ كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى ابن مريم - عليهما السلام - إذا طرح القدح فقال: أفّ هذا مع الدنيا)) [خرّجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكَرْع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال: ((لا يلِغ أحدكم كما يلِغ الكلب، ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخِط الله عليهم، ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلاَّ أن يكون إناء مُخَمَّرًا، ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء...)) الحديث، وفي إسناده بَقيَّة بن الوليد، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو زرعة: إذا حدَّث بَقِيَّة عن الثقات فهو ثقة.

التاسعة: قوله - تعالى -: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) قال ابن عباس: شرِبوا على قدر يقينهم، فشريِبَ الكفار شرب الهيم، وشرِبَ العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا، وبقيَ بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما من شرب فلم يَرْوَ، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء فحسُنت حاله وكان أجْلَد ممن أخذ الغُرفة.

العاشرة: قوله - تعالى -: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ) الهاء تعود على النهر، قال ابن عباس والسديّ: جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مئة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون؛ فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله - تعالى -عند ذلك وهم عدَّة أهل بدر: (كّم مٌَن فٌئّةُ قّلٌيلّةُ غّلّبّتً فٌئّةْ كّثٌيرّةْ بٌإذًنٌ اللهٌ)، وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدوّ مع كثرتهم! فقال أُولو العَزْم منهم: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، قال البراء بن عازِب: كنّا نتحدّث أن عدّة أهل بدر كعدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلاً - وما جاز معه إلاَّ مؤمن.

الحادية عشرة: قوله - تعالى -: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) والظن: هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شَكّاً لا علمًا -أي قال الذين يتوهّمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل-.

قوله - تعالى -: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) الفئة: الجماعة من الناس والقطعة منهم؛ من فأوْتُ رأسه بالسيف وفأيته أي: قطعته، وفي قولهم: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ...) الآية، تحريض على القتال، واستشعارٌ للصبر، واقتداءٌ بمن صدَّق ربه.

قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منّا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا!، وفي البخاري: قال أبو الدرداء: "إنما تقاتلون بأعمالكم"، وفيه أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((هل تُرزقون وتُنصرون إلاَّ بضعفائكم))، فالأعمال فاسدة، والضعفاء مُهْمَلون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة! قال الله - تعالى -: (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) [آل عمران: 200]، وقال: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) [المائدة: 23]، وقال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]، وقال: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) [الحج: 40] وقال: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال: 45].

فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا!، بل لم يبق من الإسلام إلاَّ ذكره، ولا من الدِّين إلاّ رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطغيان، وقلّة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقًا وغربًا برًا وبحرًا، وعَمَّت الفتن، وعظُمت المحَن، ولا عاصم إلاَّ من رحم!.

قوله - تعالى -: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

(بَرَزُوا) صاروا في البَرَاز وهو: الأفيح من الأرض المتسع، وكان جالوت أمير العمالقة وملِكهم، ظلُّه مِيل، ويُقال: إن البربر من نسله، وكان فيما رويَ في ثلاثمائة ألف فارس، وقال عكرمة: في تسعين ألفًا، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوّهم تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) [آل عمران: 146] إلى قوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) [آل عمران: 147]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقِيَ العدو يقول في القتال: ((اللهم بك أصول وأجول))، وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقيَ العدوّ: ((اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم))، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجِز الله وعده.

قوله - تعالى -: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

قوله - تعالى -: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فأنزل الله عليهم النصر، (فَهَزَمُوهُمْ) فكسروهم، والهزم: الكسر، ومنه سِقاء مُتهَزِّم، أي: انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هَزْمَةُ جبريل، أي: هزمها جبريل برجله، فخرج الماء، والهزم: ما تكسّر من يابس الحطب.

قوله - تعالى -: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلاً قصيرًا مِسقامًا مِصفارًا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده، وهو داود بن إيشي - بكسر الهمزة، ويقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام -، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوّة والملك بعد أن كان راعيًا، وكان أصغر إخوته، وكان يرعى غنمًا، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبنّ إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مرَّ بحجر فناداه: يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حَجَر آخر، ثم آخر، فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزًا، فكعَّ الناس عنه، حتى قال طالوت: من يَبْرُز إليه ويقتله، فأنا أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي؛ فجاء داود - عليه السلام - فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سِنّه وقصره فردّه، و كان داود أزرق قصيرًا.

ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له: هل جرّبت نفسك بشيء؟ قال: نعم؛ قال: بماذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي، فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده، قال طالوت: الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتهما؛ أفترى هذا أشدّ من الأسد؟ قال: لا؛ وكان عند طالوت دِرْعٌ لا تستوي إلاَّ على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه، فاستوت؛ فقال طالوت: فاركب فرسي وخذْ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلاً رجع فقال الناس: جَبُنَ الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي، ويُعِنِّي عليه، لم ينفعني هذا الفرس، ولا هذا السلاح، ولكنِّي أحب أن أقاتله على عادتي.

قال: وكان داود من أَرْمى الناس بالمِقلاع، فنزل وأخذ مِخْلاته فتقلّدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ في سلاحه، على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره؛ فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إليّ!، قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمنّ لحمك اليوم للطّير والسِّباع، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافًا به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فرُوي أنها التأَمَتْ فصارت حجرًا واحدًا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله، وأداره ورماه، فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحزّ رأسه وجعله في مِخلاته، واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة.

وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم، وقيل: إن الحجر تفتّت حتّى أصاب كل من في العسكر شيء منه، وكان كالقَبْضة التي رمَى بها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم هَوَازن يوم حُنَيْن، والله أعلم، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود.

قلت: وفي قول طالوت: "من يبرز له ويقتله، فإني أزوّجه ابنتي وأحكِّمه في مالي"، معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا، وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلاَّ بإذن الإمام كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما، واختلف فيه عن الأوزاعي فحكيَ عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلاَّ بإذن إمامه، وحكي عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهي الإمام عن البَرَاز فلا يبارز أحد إلاَّ بإذنه، وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه هذا قول مالك، سُئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟، فقال: ذلك إلى نيّته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألاَّ يكون به بأس، قد كان يُفعَل ذلك فيما مضى، وقال الشافعيّ: لا بأس بالمبارزة، قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه؛ لأني لا أعلم خبرًا يمنع منه.

(وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) قال السدي: أتاه الله ملك طالوت ونبوّة شمعون، والذي علَّمه هو صنعة الدروع، ومنطق الطير، وغير ذلك من أنواع ما علمه، وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفَلَك، ورأسها عند صومعة داود؛ فكان لا يحدث في الهواء حدث إلاَّ صلصلت السلسلة، فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلاَّ برئ؛ وكانت علامة دخول قومه في الدِّين أن يمسوها بأيديهم، ثم يمسحون أكفّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود - عليه السلام - إلى أن رُفعت.

قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) كذا قراءة الجماعة إلاَّ نافعًا فإنه قرأ (دِفَاعُ).

قال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين؛ لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين، وخرَّبوا البلاد والمساجد، وقال سفيان الثوريّ: هم الشهود الذين تُستخرج بهم الحقوق، وحكى مكيّ أن أكثر المفسرين على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمن لا يصلِّي، وبمن يتقي عمَّن لا يتقي؛ لأهلك الناس بذنوبهم.

قال الثعلبي وقال سائر المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار؛ لفسدت الأرض –أي: هلكت-، وذكر حديثًا أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يدفع العذاب بمن يصلِّي من أمتي عمن لا يصلي، وبمن يزكِّي عمن لا يزكي، وبمن يصوم عمّن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين -ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم – (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، وعن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله ملائكة تنادي كل يوم: لولا عباد رُكّعٌ، وأطفال رُضّع، وبهائم رُتّع لصبَّ عليكم العذاب صبًا)) خرّجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض، وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا فيكم رجال خُشّع، وبهائم رُتَّع، وصبيان رضّع لصبّ العذاب على المؤمنين صبًا)) أخذ بعضهم هذا المعنى  فقال:

لــولا عـبــادٌ لـلإلــه رُكّــع

وصِبيَـة مــن اليتـامى رُضّـــع

ومُهمــلات في الـفـــلاة رُتـــع

صــُبَّ عـلـيـكم الـعذاب الأوْجـع

وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم))، وقال قتادة: يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن.

وقال ابن عمر: قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مئة من أهل بيته وجيرانه البلاء)) ثم قرأ ابن عمر (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألسِنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس، وتناهبوا، وهلكوا، وهذا قول حسن؛ فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمّله.

(وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) بيّن - سبحانه - أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضلٌ منه ونعمة.

وخُتمت القصة بقوله - تعالى -: (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، نبّه الله - تعالى -نبيّه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلاَّ نبيّ مرسل.

لقد ذُكرت قصة طالوت وجالوت في التحريض على القتال، وذُكرت قبل قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، وهذا القصص كله للتوطئة بين يدي الأمر بالقتال (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 244]. ولما أمر الله - تعالى -بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شيء من الشريعة إلاَّ ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام، كما قال مالك: حرَّض على الإنفاق في ذلك (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245].

والجهاد يتم بالنفس والمال، وقد جهّز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة بماله رجاء الثواب، والنفس إلى موت، والمال إلى فوت، فكيف يبخل العبد بما يُسلب منه رغم أنفه، والله هو المالك للنفس، والمال على الحقيقة، ولن تموت نفس حتّى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، وأحسنوا المسير إلى ربكم، واعلموا أنه لا ينفع حذر من قدر، فهؤلاء الذين خافوا الموت بالقتل في الجهاد وخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد؛ ليَروا هم وكل من خَلَف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله - تعالى -لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر، وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، هذا قول الطبري.

وهكذا تناسبت الآيات وارتبط القصص بعضه ببعض، وكل ذلك كان بمثابة العظة والعبرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولكل من جاء بعدهم، فهذه الأمة تنتصر بالطاعة وتهزم بالمعصية، وما ترك قوم الجهاد إلاَّ ذلوا، ومن تخاذل وجَبُن فلن يضر إلاَّ نفسه، ولن يضر الله شيئًا، فشتان بين من يموت حتف أنفه على سريره كما تموت العير، وبين من يموت مجاهدًا في سبيل الله، فلا نامت أعين الجبناء (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]، هؤلاء الرجال لا ترهبهم صولة الباطل ولا عنفوان الكفر (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)، وما النصر إلاَّ من عند الله، فوثقوا صلتكم به - سبحانه -، فمن كان الله معه فمن عليه، معه الفئة التي لا تُغلب والحارس الذي لا يضل، والهادي الذي لا ينام، نصبر لهم كما يصبرون لنا، والشجاعة صبر ساعة، وأن النصر مع الصبر، والأيام دول، وكما انتصر طالوت على جالوت، وانتصر المسلمون بنفس العدد على المشركين، كذلك ينصركم - سبحانه - -إن تشبهتم بمن مضى بإحسان- على جحافل التتار الجدد الذي خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، يُحاربون الله ورسوله، ولا طاقة لأحد بحربه - سبحانه – (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]، (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [سورة يوسف:21].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة